strong> رويدا أبو عيد


يدوّي صوت سيارة الإسعاف في المنصورية، ينقل طفلة لم يتجاوز عمرها الشهرين مقطوعة الأنفاس إلى مثواها الأخير. يصل الأهل إلى المستشفى ليُفجعوا بوفاة طفلتهم في ظروف غامضة بعدما أودعوها معافاة سليمة في الصباح. القصة قد تبدو مألوفة، لكنّ الضحية هذه المرة ليست بيرلا عبود التي فارقت الحياة في آذار الماضي بل ضحية جديدة هي الطفلة سارة إلياس إبراهيم.
يقرر الطب الشرعي في تقريره الأولّي وفاة سارة بالموت المفاجئ. لكنّ القضاء والقدر لن يحجب هذه المرة أصابع الاتهام عن حضانتها «Petit Boutchou» التي تبيّن في ما بعد أنّها غير مرخصة، ولا تضم بين طاقمها التوظيفي الممرضة المتخصصة.
وفي هذا الإطار، يؤكد رئيس نقابة أصحاب الحضانات المختصة في لبنان النقيب شربل أبي نادر، أنّ الحضانة قدّمت طلب رخصة لدى وزارة الصحة يوم الخميس الواقع فيه الرابع من تشرين الأول أي بعد ثلاثة أيام من موت الطفلة سارة، لتقفل بعيد الحادث، في انتظار نتائج التحقيقات.
قصة سارة أعادت إلى الذاكرة الحادثة المؤلمة التي أودت بحياة الطفلة بيرلا. وفي ذكراها الأولى، «لم يستخلص المجتمع اللبناني العبر» بل قدّم على مذبح الطفولة ضحية أخرى تشارك بيرلا في محاربة مسالخ الحضانات غير المرّخصة. ويوضح والد بيرلا طوني أبو عبود أنّ شبح الإهمال كان يطارد ابنته خلال الـ25 يوماً التي قضتها في حضانة La Petite Syrene التي تقع في المنصورية أيضاً، حيث كان بيتر، شقيق بيرلا الأكبر، ابن الثلاث سنوات يتذمر من إهمال المسؤولة كلودين لشقيقته التي جزم الطب الشرعي بوفاتها اختناقاً. يروي أبو عبود «أن بيرلا أُعطيت زجاجة الحليب عند العاشرة صباحاً لنجدها ميتة عند الثانية من بعد الظهر».
وكان «كلودين» الاسم الوحيد الذي ورد في رخصة الحضانة، فيما لم يكن هناك أثر لأسماء العاملين الفعليين، إذ استبدل أصحاب الحضانة طاقم العمل الذي منحها الرخصة، استناداً إلى كفاءته بآخر لا يضم في الحد الأدنى ممرضة متخصصة.
وقد أصدرت وزارة الصحة ودائرة الأم والطفل قراراً بتعليق رخصة الحضانة، كما أقفلتها النيابة العامة بالشمع الأحمر. وتوقفت كلودين المسؤولة المباشرة عن الطفلة بأمر من النيابة أيضاً ثم أخلي سبيلها بعد صدور القرار الظنّي عن قاضي التحقيق. أما اليوم فالجميع ينتظر قرار المحكمة المتوقع انعقادها في تشرين الثاني المقبل، لعلّ القضاء ينصف بيرلا وسارة ومن سبقهما.
وفيما لم يظهر أبو عبود أيّ حقد شخصي على المربية المسؤولة «فهي في النهاية أم»، يشدّد على أنه لن يقبل بأن يثمّن له القضاء اللبناني ابنته بحفنة من الأموال، مؤكداً أن ما يريده هو قرار بإقفال الحضانة إلى الأبد وحرمانها من رخصتها، «حتى لا يتحوّل الجزّار إلى حاضن»، علماً بأنّ المعلومات تشير إلى أنّ أصحاب الحضانة يسعون بجد إلى استعادة رخصتهم.
وكانت لجنة من أهالي المنصورية قد استنكرت التجنّي على الحضانة وأصحابها وعلى الأطفال الذين يريدون «ماما يولاّ وماما كلودين».
وفي إطار التشديد على أهمية اختيار الأهل لحضانات تتمتع بالكفاءة المطلوبة، يشدد أبي نادر على أنّ الحضانة من أخطر المراكز التربوية، لافتاً إلى سهولة حصول الحضانة في لبنان على رخصة رسمية إذا ما استوفت الشروط ما يظهر حجم «الإجرام» في حق بيرلا وسارة وجميع ضحايا الحضانات المزيّفة.
ويتحدث أبي نادر عن الشروط القانونية لافتتاح حضانة وفقاً للمرسوم 12286، فيقول: «يجب أن تكون الحضانة عبارة عن شقة لا تقل مساحتها عن 150 متراً مع فسحة خارجية آمنة، وجود أرضية مكوّنة من مادة عازلة للرطوبة، أن تحمل صاحبة الحضانة شهادة في التربية أو الصحة أو المعالجة النفسية أو في الإرشاد الاجتماعي، وجود ممرضة واحدة على الأقل، ويؤكد أبي نادر باسم النقابة ضرورة الالتزام بالترخيص وبشروط الدولة.
يذكر أنّ هناك 350 حضانة في لبنان، بينها 150 حضانة مرخصة، أما الحضانات المنتسبة إلى النقابة فلا تتجاوز 100 حضانة مرخصة فقط، و«ذلك بسبب عدم تأكدنا من التزام الخمسين الأخرى بشروط الترخيص».
ويشير إلى «أنّ عجز الدولة عن مد شبكة الحماية إلى جميع مواطنيها يدفعنا إلى المطالبة برفع سقف الأعمار ومنع الحضانات من استقبال أي طفل تحت الستة أشهر».