صور ــ آمال خليل


بعد الكشف عن المقبرة الجماعية في عنجر جرى الحديث عن 430 مقبرة
أخرى موزعة على الأراضي اللبنانية، خصوصاً تلك المرتبطة بمجازر في الشوف وعاليه وبيروت وجبيل وكسروان والمتن، ولم يكشف عنها حتى الآن. النداءات المتكررة للكشف عنها دفع المواطنين للتبليغ عن بعضها وآخرها لمقاومين في رب ثلاثين


لمن يهمه الأمر، ترقد منذ عام 1980 في أماكن متفرقة من بلدة رب ثلاثين (قضاء مرجعيون) جثامين خمسة مقاومين سقطوا إثر هجوم الجيش الإسرائيلي عليهم في تلة رب ثلاثين على محور رب ثلاثين ـــــ الطيبة، الذي شهد مواجهات عدة بين مختلف فصائل المقاومة الفلسطينية واللبنانية من جهة وقوات الاحتلال الإسرائيلي من جهة أخرى، امتدّت حتى زمن التحرير.
وفي التفاصيل أن 8 مقاومين تابعين لأحد الفصائل الفلسطينية قتلوا في دشمهم على يد قوة إسرائيلية بقيادة ضابط يدعى «جعفر». وكما روى أحد أهالي رب ثلاثين، علي حسن فقيه لـ«الأخبار» (توفي قبل فترة)، فإن الضابط استدعى بعض الأهالي للتعرف إلى الشهداء، ثم أجبروا على صب الإسمنت فوق المقاومين داخل دشمهم، «وكان ذلك بحضور مسؤول المنطقة آنذاك في جيش سعد حداد العميل ميلاد ن. من بلدة القليعة (لا يزال يعيش فيها)». ولمّا كان اثنان من الشهداء من أبناء البلدة، هما حسن سلامة بركات وعلي حسين بركات وثالث من بلدة كفرا، فإن الأهالي ميّزوا قبورهم لانتشالهم فيما بعد؛ فقد أعيد دفنهم في بلدتيهم بعد التحرير. أما الجثامين الخمسة الأخرى فبقيت حيث دفنت لأنها مجهولة الهوية، والأهالي لم يبلغوا حتى الآن أي من الجهات المعنية بوجود المقبرة رغم مرور 7 سنوات على الانسحاب الإسرائيلي.

سرّ الكشف عن جثة سورا

في تشرين الأول من عام 2005، أعلن عن اكتشاف جثة المفكر الفرنسي ميشال سورا الذي اختطف على طريق المطار مع الصحافي الفرنسي جان بول كوفمان على أيدي مسلحين من «منظمة الجهاد الاسلامي» التي أعلنت في 10 آذار 1986 تنفيذ حكم الإعدام «بالباحث المتخصص الجاسوس». ونتيجة حثّ الحكومة الفرنسية للسلطات اللبنانية منذ انتهاء الحرب الأهلية على كشف مصير جثة سورا، قامت الجهود الأمنية الرسمية ولم تقعد حتى عام 1998، تاريخ التعرّف إلى هويات الفلسطينيين الثلاثة الذين دفنوا جثة سورا في منطقة الرمل العالي على طريق المطار عام 1986. ولما قُتل اثنان منهما، استدعي الثالث من فلسطين للشهادة، فتم الحفر والبحث في المنطقة التي تغيّرت معالمها، الى أن تمّ العثور في تموز 2005 تحت مبنى قيد الإنشاء على صندوق خشبي، وبداخله جثة تبين أنها لسورا بعد تأكيد السلطات الفرنسية لمطابقة الحمض النووي.
وإذا كان العثور على سورا قد استأهل اهتماماً رسمياً قلّ نظيره، فالأمر فيما خصّ المفقودين اللبنانيين لم يستأهل أكثر من «جرة قلم» قررت عبرها لجنة التحقيق الرسمية للاستقصاء عن مصيرهم توفيتهم في تموز عام 2000، بالرغم من أنها كلفت القوى الأمنية التحقيق مع المسؤولين والاستطلاع الميداني لكل المناطق حيث استخرجت بعض العظام المجهولة الهوية من مدافن جماعية. ‏واللافت أن التقرير الرسمي للجنة أكد أن «الجثث ألقيت في أماكن مختلفة من بيروت وجبل لبنان والشمال والبقاع والجنوب، وتم دفن البعض منها في مقابر جماعية داخل مدافن الشهداء في منطقة حرج بيروت ومار متر في الأشرفية والإنكليز في التحويطة، وتمّ إلقاء بعضها في البحر». لكن لا أحد من القوى الأمنية أو الميليشيات اكتشف أياً من مئات المقابر الموزعة.

مقابر ما بعد التحرير

توفيت أم صالح رضا عام 2000 وهي تنتظر عودة ابنها يونس المفقود من فلسطين المحتلة عبر عملية تبادل، بعد اختفائه في 14 آذار 1978 إثر عملية لمنظمة العمل الشيوعي ضد قوات الاحتلال في بنت جبيل. لكن يونس عاد بعد وفاة والدته بستة أشهر شهيداً من بلدة الطيري إثر إبلاغ أحد المواطنين الشهود عن عن الإسرائيليين 22 مقاوماً ينتمون للمنظمة والحزب القومي ولفصائل فلسطينية. وبعد عامين، أبلغ أحد المسنّين أنه دفن أربعة مقاومين عام 1978 في حقل بمارون الرأس. أما عام 2004 فتم الكشف عن عشرات المقابر دفعة واحدة بعد مناشدة السيد حسن نصر الله، إثر إتمام عملية تبادل أسرى، المواطنين للمساعدة في كشف مصير بعض المفقودين والشهداء الذين تزعم اسرائيل أنهم ليسوا لديها. فكان أبرزها تلك التي كشفها أحد الرعاة عام 1990 حين دفنه خمسة مقاومين سقطوا في تلة السدانة في شبعا بينهم إنعام حمزة وحسين ضاهر، فيما كان الحزب الشيوعي يطالب باستعادة جثامينهم من فلسطين في عمليات التبادل إضافة إلى الشهيد جودت نورا الذي عثر على جثته في برغز. وفي عام 2006 أعلن وجود مقبرة في القليعة تضم رفات 20 جندياً من الجيش اللبناني من منطقة العرقوب قتلوا على يد عناصر ميليشيا لبنانية عام 1976.

بين الأمل والمساءلة

أم نصر، والدة المقاوم إياد قصير الذي فُقد منذ 1 أيلول 1987 إثر قيامه بعملية ضد موقع العملاء في القنطرة، ترى في انتظار اعتراف العملاء المسؤولين والشهود «ضرباً من المثالية». وكانت جبهة المقاومة اللبنانية قد نعت إياد ورفيقه حسن ضاهر، لكنها سرعان ما تراجعت عن ذلك والتزمت الصمت والجهل بمصيره، لا سيما بعد الإفراج عن يحيى الشيخ حسين الذي أسر في العملية ذاتها وأكد أنه ترك إياد حياً رغم إصابته.
من جهتهم كان ذوو الشهيد يحيى الخالد قد تقدموا بعد التحرير بدعوى قضائية لا تزال سارية على العميل منصور البدوي الذي سلّم نفسه للقضاء اللبناني «وحكم بسبع سنوات فقط لأنه نقل الشهداء إلى مستشفى مرجعيون حيث تسلّمهم الإسرائيليون منه». ففي 17 كانون الأول 1987 قام سبعة مقاومين من الحزب الشيوعي بهجوم على مركز أبو قمحة الإسرائيلي في حاصبيا، ولدى عودتهم استهدفهم القصف فتمكّن المقاوم حسين ضاهر من الانسحاب فيما استشهد ثلاثة وجرح ثلاثة آخرون بينهم الخالد، والذين لاحقتهم الدبابات إلى وادي زمريا حيث قبض عليهم العميل البدوي وأعدمهم بالرصاص، قبل أن يوضع الشهداء الستة على مقدمة دبابة جالت بهم في شوارع حاصبيا وكتب عليها «هدية بمناسبة انطلاق جبهة المقاومة اللبنانية». واللافت ما نقل لذوي يحيى عن نية الإفراج عن البدوي خلال فترة قريبة قبل انقضاء محكوميته «وقبل أن يتحمّل مسؤوليته في الكشف عن مصير يحيى الذي قتله بيديه».
أم نصر وذوو الشهداء والمفقودين في اسرائيل يرون أن عملية التبادل بينها وبين حزب الله هي الأمل الأخير الذي سيعيد أبناءهم أحياء أو أمواتاً، فهل يعودون؟