إبراهيم الأمين


هل تستعد اسرائيل لحرب قريبة على لبنان وسوريا؟
قبل أيام تلقت كل الجهات المعنية في الغرب وفي بعض العواصم العربية، رسالة واضحة من الحكومة الاسرائيلية، تفيد بأن قواتها العسكرية وأجهزتها المعنية بالحرب باتت جاهزة للقيام بأي عمل عسكري جدي، سواء ضد الفلسطينيين وسوريا ولبنان وحتى مواكبة أي حرب على إيران. ومع أن الصحافة العالمية والتقارير الدبلوماسية الواردة من العاصمة الاميركية لم تشر الى تفاصيل اجتماعات وزير الدفاع الاسرائيلي إيهود باراك ولا الى جدول أعماله، إلا أن المعطيات القائمة على الارض وفي بعض الخطب والمواقف تنذر بأن إسرائيل تستعد لعمل عدائي كبير قد يدفع المنطقة الى مواجهة كبيرة وواسعة ربما تكون الأكبر منذ قيام إسرائيل.
وفي عودة الى سياق الأحداث والخطوات التي أعقبت فشل العدوان الاسرائيلي على لبنان في تموز 2006، يظهر واضحاً أن في إسرائيل من يتعامل مع ملف الحرب بصورة لا تشبه البتة سلوك قيادة العدو السياسية والعسكرية خلال التحضير لحرب لبنان الثانية ولا خلال الحرب نفسها، برغم أن النقاش ظل محصوراً طوال الفترة اللاحقة بما سُمي عناصر الإخفاق، ولم يتطرق الى ما يمكن وصفه بعناصر النجاح لدى المقاومة في لبنان. لكن الاكيد أن عملية استخلاص العبر من جانب العدو لهذه الحرب، تجاوزت النقاش النقدي والخلافي ولعبة الاستثمار السياسي الداخلية، ولامست حدود التصرف بمسؤولية ازاء المرحلة المقبلة. وأولى الخلاصات الحاسمة في هذا المجال هي أنه يجب القيام بالأمر بسرعة، لأن كل يوم يمر هو في مصلحة الخصم، وهو الكلام الذي ترافق مع ضغوط غير عادية من جانب الدول الغربية وبعض الدول العربية ومن جانب قوى 14 آذار في لبنان تحت عنوان «الحدود المفتوحة» مع سوريا، علماً بأن القصد هو أن المقاومة في لبنان تعمل على تعزيز قدراتها العسكرية، وهو أمر حاول الفريق اللبناني الذي بات أكثر تورطاً في المحور الأميركي ـــــ الإسرائيلي تعميمه من أبواب اضافية، من خلال إثارة موضوع شبكة الاتصالات الخاصة بالمقاومة، أو الضغط من أجل اعتبار كل أعمال التدريب التي تقوم بها المقاومة على أنها عملية تسليح ميليشاوية داخلية، بالاضافة الى نشاط ضباط وعناصر من الاجهزة الامنية اللبنانية في تعقب شاحنات تتولى نقل الأسلحة من مخازن المقاومة في مناطق الى مخازن اخرى، وتوقيف بعض هذه الشاحنات، الى جانب أحاديث اخرى ظلت بعيدة عن الاضواء وتتصل بالحركة المالية التي يقول الاميركيون إنها خاصة بالحزب.
حتى إن هذه الحملة التي ترد في سياق لا يراد له التوقف حتى إذا شنّ العدو حرباً قاسية، تظل عاملاً إضافياً ولها دور المساعد، وهو دور يأمل الاميركيون أن يتطوّر الى أكثر من الكلام أو الإجراءات العادية، حتى إن مصادر غربية مطلعة لم تعد تخفي المداولات عن احتمال أن تكون هناك مشاركة لبنانية في أي حرب مقبلة، وثمة إشارات حمراء وضعت على سلوك بعض القوى حيال احتمال اللجوء الى خطوات على الأرض في حالة الحرب تهدف عملياً الى تلبية متطلبات العدو لناحية الاعتقاد بوضع المقاومة بين فكي كماشة، الحرب الأهلية في الداخل والحرب الاسرائيلية من الخارج.
إلا أن الأهم من كل ذلك ما هو متعلق بالاستعدادات الاسرائيلية المباشرة للحرب. ومن المفيد هنا إجراء مراجعة من النوع الذي يسلط الاضواء على بعض ما يدور:
أولاً: منذ توقف الحرب على لبنان في آب من العام الماضي، والحديث الاسرائيلي يركز على التفاعل السوري مع انتصار المقاومة في لبنان، وجرى العمل سريعاً وبصورة مكثفة على رفع منسوب الكلام عن استعداد سوري للمشاركة في الحرب نفسها وعن استعداد سوري للقيام بعمل عسكري ضد إسرائيل سواء من خلال هجوم مباشر أو من خلال عمليات منظمة في الجولان المحتل. وجرى في هذه الفترة التي امتدّت حتى بدايات السنة الحالية إيراد مجموعة كبيرة من التقارير عن التسلح سوريا وتلقيها أسلحة روسية متطورة وعن تولي إيران عملية تمويل أكبر عملية تحديث وتجهيز للجيش السوري، وعن تغييرات في السلوك الامني والعسكري للجيش السوري وأن أنفاقاً تحفر في مناطق التماس في الجولان وأن فرقاً من الجيش السوري يعاد تأهيلها بطريقة تحاكي عمل المقاومة.
ثانياً: ترافق التصعيد السياسي ورفع مستوى المخاوف من قيام سوريا بعمل عسكري ضد إسرائيل، مع انطلاق أولى مراحل الاستنفار والاستعداد في مناطق الجولان والشمال. وحتى منتصف السنة الماضية، كان الجيش الاسرائيلي يعمل على تعبئة وتدريب فريق عدة، وسبق للأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله أن تحدث عن حشد ما بين ثلاث الى أربع فرق، أي ما يوازي نحو خمسين ألف جندي من قوات النخبة والفرق المتخصصة بأعمال عسكرية وأمنية واستطلاعية إضافة الى سلاح الجو، وأجريت سلسلة من المناورات المعلنة وغير المعلنة، التي بررت بأنها من باب التدرب على الدروس الجديدة التي أخذت من حرب لبنان، ومن جانب آخر، بقصد ردع سوريا ومنعها من القيام بعمل عسكري ضد إسرائيل بحسب ما روّج له قادة العدو.
ثالثاً: الانتقال الى المستوى الآخر من التضليل، وهو الذي تمثل في كلام إسرائيلي سياسي عن الرغبة في منع المواجهة مع سوريا، وصولاً الى إعلان نقل المناورات العسكرية من الجولان الى النقب بحجة تخفيف التوتر مع سوريا. ولكن الإجراءات التي حصلت في الجولان ظلت على حالها ولم تُنقل سوى كتائب عدة من الجيش الى خارج الجولان، حتى تحول الامر الى عملية تخدير توّجت بالغارة التي استهدفت موقعاً في دير الزور تولت الصحافة الاميركية الحديث عنه، قبل أن تكشف هذه الصحافة أن قيادة العدو كانت ترغب في تنفيذ هذه الغارة في ذكرى حرب تموز، حتى يتبيّن لاحقاً أن الاستنفار الاسرائيلي في الجولان وفي الشمال هدفه مواجهة احتمال قيام سرويا برد أو لمنع سوريا من القيام بالرد.
رابعاً: بعد مرور أسابيع على الغارة، انتقلت إسرائيل الى المناورة الثانية، وهي المستمرة الآن، سواء من خلال أوسع عملية تعبئة للجبهة الداخلية والقيام بمناورات داخل العمق الاسرائيلي لمواجهة حرب واحتمال سقوط صواريخ على العمق، وقرار إيهود باراك إعادة توزيع الاقنعة الواقية من الاسلحة الكيميائية على السكان خلافاً لرأي لجنة متخصصة في الكنسيت كانت قد دعت الى جمع الاقنعة في مستودعات، وبرّر باراك قراره بأن حالة الطوارئ قد تبرز في وقت يصعب فيه ضمان توزيع كامل وآمن لهذه الاجهزة على السكان. ثم طلب الى مطار بن غوريون القيام بمناورة إنقاذية على احتمال تعرضه لقصف صاروخي، في خطوة هي الأولى من نوعها في هذا المرفق، وصولاً الى الإعلان أمس عن نقل المناورات من الجولان الى مناطق أخرى في الجليل.
وبناءً على ذلك، فإن ما يجري الآن في إسرائيل يتجاوز الإشارات الإعلامية الى مستوى الوقائع التي تنذر بأخطار كبيرة. وفي سوريا تحسّب جدي لحرب قادمة، أما في لبنان فثمة حديث أخر، أوله اللعبة الجديدة من المفاجآت التي تستعد لها المقاومة ليل نهار.