جان عزيز


كثيرون تساءلوا عن المغزى الحقيقي لكلام السفير الأميركي في بيروت جيفري فيلتمان، الذي ألقاه قراءةً لنص مكتوب، خلال حفل استقبال أقامه في منزله ضمن مجمع سفارته في عوكر مساء أول أمس. قال فيلتمان إنه لا يخشى أي كارثة أو فراغ في لبنان في الآتي من الأيام. واستدلّ على اطمئنانه هذا، بأنها ليست المرة الأولى التي ينذر البعض باحتمال حصول فوضى أو كارثة في بيروت، وفي كل مرة كان يسقط الإنذار وتجري الأمور في بإيجابية. هكذا حصل مع الانتخابات النيابية سنة 2005، وهكذا حصل مع إقرار المحكمة الدولية من جانب مجلس الأمن، تحت أحكام الفصل السابع.
لم يُفهم كلام فيلتمان، لجهة إسقاطاته الرئاسية، هل هو اطمئنان إلى توافق رئاسي قبل 24 تشرين الثاني، يلغي احتمال الكارثة والفوضى وتهديداتهما، أم هو ركون إلى استحالة التوافق والوصول إلى فرض رئاسة قيصرية، من دون أن يُقدّم أي طرف رافض، أو يجرؤ على الذهاب بالبلاد إلى فوضى أو كارثة؟
يؤكد أحد السياسيين المواكبين للاتصالات القائمة لتقطيع الاستحقاق الرئاسي، أن أفضل ما يمكن أن يحصل الآن بالذات، هو أن يصدق كل من الطرفين تهديد الآخر. وأسوأ ما يمكن أن يقع هو أن يعتقد أحد الطرفين أن الآخر يناور في تكتيكه أو يهوّل، أو «يبلف» على طريقة لعبة البوكر، مع فارق أن المقامرة هنا قد تكون بكل البلد.
فالتصديق المطلوب من الطرفين، يعني أن تصدِّق المعارضة أولاً، أن غياب التوافق الرئاسي سيدفع بصقور الموالاة إلى الواجهة، وهو سيُقصي المعتدلين والحمائم والوسطيين. والأهم أن سقوط التسوية سيعني فعلاً ذهاب 65 نائباً من الموالين إلى مكان ما، وفي وقت ما، لانتخاب رئيس ما. ويؤكد السياسي المطلع، أن الترتيبات والاستعدادات والتحضيرات تجري على قدم وساق لدى أهل السلطة لهذا السيناريو. علماً بأن هناك مَن يؤكد أن صيغتين وُضعتا له. صيغة أولى تنفّذ على البارد في الأيام العشرة الأخيرة التي طلب دايفيد ولش الاستنفار لها منذ 15 أيار الماضي. وصيغة ثانية معدّة للتنفيذ الفوري، وهي صيغة أن يقع اغتيال جديد في الفترة الفاصلة عن المهل الأخيرة للاستحقاق، فترد الموالاة بالانتخاب الرئاسي «النصفي»، عند غسق يوم الاغتيال نفسه.
ويشير السياسي عينه، إلى أن الترتيبات اللوجستية والعملانية لكل من الصيغتين قد أنجزت. وكذلك الترتيبات المالية اللازمة، إن لجهة ضمان 65 نائباً على الأقل، أو لجهة ضمان مرشح واحد لا غير لهذا السيناريو، من دون أن تؤدي حصرية الترشيح إلى إنقاص النواب الـ65.
ويؤكد السياسي المواكب أنه من المفيد جداً أن يصدِّق المعارضون هذه الترتيبات، وأن يصدِّقوا أن ثمّة جهات خارجية جاهزة لتبنّي هذا السيناريو وتأييده ودعمه وتأمين مستلزمات قيامه واستمراره. ويكشف السياسي المعني أن رئيس المجلس النيابي نبيه بري من أبرز المصدِّقين لهذا السيناريو، بمعزل عن موقفه منه. وهو بادر إلى إبلاغ حلفائه منذ أسبوعين بجدية هذا الطرح لدى فريق السلطة، كما بجدية الدعم الأميركي والأوروبي له، بعد 12 تشرين الثاني، وفق معلومات بري.
وفي المقابل، يؤكد السياسي نفسه، أنه من المفيد أيضاً وجداً، أن يصدِّق الموالون أن الذهاب إلى «الرئيس النصفي» يعني فعلياً وجدياً إسقاط كل الخطوط الحمر الموضوعة من جانب المعارضين. ومن المفيد أن يعرف الموالون بعضاً من معاني سقوط تلك الخطوط، على الأرض وفي خارطة التوزع الجغرافي للوزارات والإدارات الرسمية، وفي جيوبوليتيك المرافق الحدودية اللبنانية، البرية والبحرية والجوية، وفي واقع عصبي الدولة اللبنانية، أي المال والعسكر... وسوى ذلك من «أمر العمليات» المضاد للخطوة «الانقلابية» التي قد يمثلها «الرئيس النصفي».
وفي هذا السياق، يشير السياسي نفسه إلى أن قسماً لا بأس به من هذا التصوّر، أُبلغ فعلياً إلى قوى الموالاة، حتى لا يستمر «وهم» الذهاب إلى «الرئيس النصفي» بنزهة خريفية، كما كان الذهاب إلى المحكمة والانتخابات والحكومة «البتراء» وسواها من مآخذ المعارضين، أو بعضهم، على الموالين، أو معظمهم. ويؤكد هذا السياسي أن الرئيس بري أيضاً، هو أكثر مَن تولّى نقل هذه الصورة إلى المعنيين في الداخل والخارج، في الإعلام كما في اللقاءات المغلقة. وهو قال لمَن يهمه الأمر بصراحة لافتة ما مفاده: «العماد عون لا شيء له عليّ. فهو حتى لم ينتخبني لرئاسة المجلس قبل سنتين. ومع ذلك أنا أقول لكم، لا يمكن أن أجري انتخاباً رئاسياً لا يغطيه عون». وإضافة إلى موقفه، يؤكد السياسي المواكب أن بري نقل إلى «مَن يهمه الأمر» أيضاً، رسالة مضافة من قمة هرم «حزب الله» مفادها: إيّاكم والرهان على موقفنا السابق من المحكمة والحكومة، لقياس موقفكم من الاستحقاق الرئاسي، ولتوقع رد فعلنا.
وحده التصديق المتبادل مطلوب في الأسبوعين الفاصلين عن موعد 12 تشرين الثاني. تصديق بأن الأسوأ ممكن ومحتمل، أو حتى مرجّح. علّ ذلك يفرض البحث الجدي عن الأقل سوءاً، أو عن الجيد والأفضل. المطلوب أن يصدِّق الذين سمعوا فيلتمان مساء أمس الأول، أنه لا يخشى أي فراغ أو كارثة، وأن يصدّق فيلتمان أن الذين قصد إسماعهم لا يخشون الاثنين أيضاً. وحدهما هذان التصديقان قادران على تجنّب الكارثة أو الفراغ.