حاوره نقولا ناصيف


دقّ الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى للبنانيين ناقوس الخطر، وأعلن أن أمامهم مهلة زمنية محددة لإنجاز انتخابات الرئاسة لئلا يذهب لبنان إلى الفراغ. وإذ اعتبر التوافق يسهّل الإتصالات مع الدول العربية المعنية بالأزمة، حضّ على خطوة أولى للإستحقاق بتأليف «اللائحة المصغـرة» للمرشـحين، نافياً وجـود أي مسـعى لدى أي دولة عربية لاختيار إسم الرئيس الجديد

• هل انتقل لبنان في معالجة مشكلاته من الرعاية العربية إلى الرعاية الأوروبية مع الاستحقاق الرئاسي؟
ـــ لا، بل حقق نقلة نوعية داخل الإطار اللبناني بالعودة إلى الحوار بعدما كان قد غاب شهوراً طويلة أدّت إلى كثير من السلبية في الفضاء اللبناني. والنقلة النوعية التي حصلت هي نقلة إلى الحوار ونحو الحديث معاً وأن لا داعي إلى أن يكون هناك وسيط أيّاً يكن هذا الوسيط ما دام اللبناني يتحدث مع اللبناني، وهذا ما أراه في حوار الرئيس نبيه بري مع الشيخ سعد الحريري، والزعماء الآخرين في حواراتهم معاً. وهذه الخطوة هي التي طالبت بها المبادرة العربية، وكنت قد قلت إن هناك عمارة من أربع طبقات، وبينها الطبقة اللبنانية التي يجب أن يتحدث فيها اللبنانيون بعضهم مع بعض. أما دخول بعض الدول الأوروبية وأخيراً زيارة الوزراء الثلاثة، فهي مرتبطة باليأس الذي شهده عدد من الدول حيال لبنان من هذا الحوار. وبسبب حصول هذا الحوار أقدموا على هذا التحرك. المبادرة العربية لم ترَ في هذا التحرك أمراً سيئاً لأنه يجاري الأطر السياسية العربية ولم يتم إلاّ بالتفاهم معنا. قبل سفرهم إلى لبنان فاتحوني في ذلك وبعدما عادوا اتصل بي الوزير موراتينوس وقدم إلي تقريراً طويلاً عمّا حصل تماماً، ثم تحدثت أنا مباشرة مع الرئيس بري والرئيس السنيورة والشيخ سعد الحريري. وتالياً لا نرى هناك لا خطفاً ولا تعارضاً لأن اللعبة الأساسية يجب أن تكون لبنانية. وهذا هو التقدم الذي يمكن أن يفرز نتيجة إيجابية. وأنا على اتصال يومي تقريباً بالقادة اللبنانيين في هذا الإطار.

• هل هي مفارقة أن يتوصل الوزراء الأوروبيون إلى خلاصة التوافق بين اللبنانيين على الاستحقاق، فيما لم يُصغ إلى نصيحتك بذلك قبل أشهر إبّان وساطتك بين اللبنانيين؟
ـــ نعم هي مفارقة، لكن في الوقت نفسه كنت قد تكلمت في كل هذه الأمور مع الوزيرين كوشنير وموراتينوس، ومن قبل مع الوزير داليما في شأن رؤيتي للمشكلة اللبنانية وما كنت قد قلته للزعماء اللبنانيين عن ضرورة الحوار في ما بينهم. أمّا أن يقبل اللبنانيون هذه النصيحة، فأنا سعيد بذلك، وإن بعد الاستماع إلى آخرين. المهم أنهم قبلوا ذلك، وهذه النقلة قد تفتح باباً على التفاهم ونرجو ألّا يغلقه أحد.

• هل عدم تجاوب السياسيين اللبنانيين معك سابقاً كان من باب الترف في ظل حدّة الصراع السياسي، واليوم سلّموا بذلك على أبواب خطر داهم وفوضى؟
ـــ يمكن قول ذلك إن شئنا الكلام بحسن نية، أي إن اقتربنا من التاريخ العتيد لـ24 تشرين الثاني. وربما الاقتراب من هذا التاريخ أدّى إلى خلق ظروف نفسية وسياسية تجعل من الواجب استئناف الحوار في ما بينهم. لو قبلوا ذلك من قبل لكان الأمر أسهل، ولأدّى ربّما إلى تفاهم عربي. لأن هناك نظرية كانت قائمة بضرورة وجود تفاهم عربي بين دولتين بصفة خاصة مما يؤدي إلى انفراج الأوضاع في لبنان. وكنت أرى أن ذلك صحيح، ولكن الصحيح أيضاً هو أن التقدم على الساحة اللبنانية بواسطة اللبنانيين أنفسهم يسهّل كثيراً التقارب بين الدول العربية لأنه يزيل من الطريق عقبة تؤدي إلى حدّة في العلاقة حيال الوضع اللبناني، وكان وفّر على اللبنانيين الكثير. ومع ذلك، فإن حصول الحوار الآن هو مسألة جيدة. ولنعمل جميعاً الآن على أن يكون ما يجري اليوم من خلال الحوار الدائر منتجاً لأنه لم يعد هناك متّسع من الوقت. ورغم ذلك، وأشدد على أن الوقت يمر بسرعة، فإن أسبوعاً أو أسبوعين أو حتى شهراً كما هي الحال بالنسبة إلى تاريخ 24 تشرين الثاني قد يكون قصيراً جداً وقد يكون كافياً إذا أحسنّا استثماره.

• بهذا المعنى تشير إلى أن الوزراء الأوروبيين أطلعوك على نتائج زيارتهم لبيروت؟

ـــ نعم.
• أي خلاصة خرجوا بها؟
ـــ الخلاصة أنهم خرجوا بانطباع هو أقرب في اتجاه التفاؤل، ونقلوا إليّ هذا التفاؤل. وأنا بدوري قلت لهم ما دام الحوار اللبناني قد بدأ، فإن عنصر التفاؤل يجب أن يكون موجوداً لأنه لم يكن موجوداً من قبل.

• ألم يكن الخطر الداهم ناضجاً قبلاً؟
ـــ هناك خطر كبير نرجو أن لا يأتي، وهو أن نصل إلى يوم 24 تشرين الثاني بلا اتفاق على الرئاسة أو على شخص الرئيس. وهذا سيمثّل خطراً كبيراً على الاستقرار في لبنان ويفتح أبواباً لا أريد أن أكرر العبارة التي قلتها عن العراق... يفتح أبواب جهنم، ويفتح الأبواب على أخطار جسيمة داخل لبنان. الوضع الآن أخطر مما كان قبلاً لأننا وصلنا إلى الحد الأقصى من المهلة الدستورية من انتخاب رئيس للجمهورية، وبعدها سيتغيّر الوضع، لأن لبنان سيكون عندئذٍ لبنان آخر.

• إلامَ ترمي زيارة موفدك إلى بيروت مصطفى عثمان إسماعيل؟
ـــ سيكون موفد الجامعة العربية وممثلاً لي لاستئناف بعض الحوارات التي كانت قائمة حيال الاستحقاق ولإجراء عدد من اللقاءات، وهو سيكون في بيروت في فترة قريبة من 12 تشرين الثاني.

• هل سيحمل أفكاراً معيّنة، وهل الجامعة العربية في صدد إعطاء رأي في انتخابات الرئاسة اللبنانية؟
ـــ لا، لا، لا، أبداً. الجامعة العربية وسواها بمَن في ذلك الأوروبيون والأميركيون ليس من حقهم التدخل في اسم الرئيس اللبناني أو أن يناصروا مرشحاً على آخر. بل يجب أن تترك إلى اللبنانيين حرية اختيار اللائحة المصغّرة على الأقل وفي المرحلة الأولى، من اسمين إلى ثلاثة أسماء من 12 مرشحاً تُتداول أسماؤهم حالياً، وطرح المعايير. وما يجري من اتصالات في هذا الوقت ينبغي أن تكون لبنانية كاملة. نحن نستطيع تسهيل اتصال شخص بآخر، وكذلك المساعدة في بعض الاتصالات اللبنانية وغير اللبنانية، لكن اختيار الرئيس مسألة لبنانية في الأساس ومارونية في خطوطها الأولى إلى اللبنانية. هناك الآن جولتان متوازيتان من الحوار، الحوار اللبناني ـــــ اللبناني الذي يشارك فيه الرئيس بري والشيخ سعد الحريري والرئيس السنيورة والعماد عون والرئيس الجميّل وهو حوار شامل، والحوار الذي يشرف عليه البطريرك ويباركه والذي هو حوار ماروني في الأساس. ولا يصح التدخل في هذين الحوارين.

• أي دور يمكن أن تضطلع به الجامعة العربية إذا توصّل الأفرقاء اللبنانيون إلى اللائحة القصيرة، وخصوصاً على صعيد الحوار السعودي ــــــ السوري؟
ـــ لن أدخل في هذه النقطة الآن. لا بد من الوصول أولاً إلى اختيار محدد، إلى اللائحة المصغرة بمعايير معينة ونطّلع على مواصفات هذا أو ذاك ومزاياه. وهذه مسألة ضرورية. وما يمكن الجامعة العربية القيام به هو إجراء شيء من التواصل مع السعودية وسوريا، ولا أقول التشاور حول الأسماء، بل التواصل حول الحالة التي وصلت إليها الأمور.

• الاتصالات مع سوريا مستمرة؟
ـــ طبعاً، وستكون هناك زيارة قريبة لسوريا إن شاء الله.

• هل تشعر بأن سوريا تريد تسهيل الاستحقاق الرئاسي بمعزل عن كلام مسؤوليها ووزير الخارجية وليد المعلم عن أنها تريد التوافق بين اللبنانيين، وقد يكون لها دور معرقل؟
ـــ توافقوا أولاً حتى نتكلم على مسائل معينة. توافقوا أولاً. التوافق اللبناني هو الأساس ولن يحل المشكلة لكم توافق آخر، لأن أي توافق آخر قد يستغرق وقتاً أطول. لدى اللبنانيين مهلة نهائية وقصيرة عليهم أن يجدوا التوافق عليها قبل انقضائها. أمّا التوافق الآخر، فيسهل عندها.

• هل ترى أن هناك ارتباطاً بين استحقاقين يسبقان القمة العربية في دمشق في آذار المقبل هما الرئاسة اللبنانية والمؤتمر الدولي. فإلى أي مدى إمرار هذين الاستحقاقين سيساعد الموقف العربي؟
ـــ إذا انتخب رئيس لبناني بالتوافق أولاً وحُدّد الموقف العربي من المؤتمر الدولي بناءً على ما سيتبيّن من عناصر رئيسية حيال جدول الأعمال والمدعوين والوثيقة النهائية والطبيعة الحركية، وسيتوقف الموقف العربي على ذلك. لذلك أنا أعتزم الدعوة إلى اجتماع عربي على مستوى عالٍ، على مستوى وزراء الخارجية لاتخاذ القرار النهائي بالنسبة إلى المؤتمر الدولي في ضوء هذه المعطيات. وعندما يحصل ذلك كله بدءاً من انتخابات الرئاسة في لبنان وعملية السلام فإنه سيكون مهمّاً للغاية للإعداد للقمة العربية المقبلة وتوجهها السياسي.

• هل تؤيد بذلك الكلام الأوروبي لسوريا بأن عليها أن تضطلع بدور إيجابي في الانتخابات الرئاسية اللبنانية كي يسهل لها موقع ودور في المؤتمر الدولي؟
ـــ علينا جميعاً أن نخلق الجو المناسب لمساعدة اللبنانيين على التوصل إلى التوافق المتعلق بانتخاب الرئيس الجديدي للجمهورية، وعلى اللبنانيين أن يساعدونا نحن أيضاً عبر توافقهم. أنا أعرف أن للطوابق الأخرى أدواراً، لكنها تأتي بناءً على ما يتوصل إليه اللبنانيون. والكلام على هذا التوافق ليس إنشائياً، بل أصبح هناك حوار لبناني نريد أن نبني عليه وأرجو أن لا يفشل هذا الحوار.

• أطلقت في زياراتك السابقة لبيروت شعار لا غالب ولا مغلوب، فهل الرئيس التوافقي بين الأفرقاء اللبنانيين هو الذي سيرسي معادلة لا غالب ولا مغلوب، وما هي المواصفات العربية للرئيس الجديد؟
ـــ لن أعطيك أي مواصفات عربية، ليس هناك إلاً مواصفات لبنانية، وهذه المرحلة بالذات يجب أن تترك للبنانيين كاملة. نحن ندعم ونسهّل ومستعدون لكل ذلك، وقد تكون هذه مهمة الدكتور مصطفى (عثمان إسماعيل) وهشام يوسف في بيروت. لكن لا دعم لمرشح ضد آخر ولا تأييد لمواصفات هذا المرشح على ذاك.

• عندما تحدثت عن معادلة لا غالب ولا مغلوب قدّمت وصفة الجامعة العربية قبل أشهر لمعالجة المشكلة الحكومية، فأي وصفة تقدمها اليوم إلى الاستحقاق الرئاسي؟
ـــ أن يكون الأفرقاء جميعاً مرتاحين إلى الرئيس الجديد للجمهورية بنسب متقاربة والقدرة على التعايش معه، وهي صيغة لا غالب ولا مغلوب التي استعنتُ بها من تاريخ لبنان وسوابقه والذي اطّلعت عليه في أثناء شبابي. لكن للرئيس الجديد أيضاً معاييره. هناك جراح كثيرة يجب أن تُعالج، وتقاربٌ يجب أن يتم وعلاقات مع الدول المجاورة بمَن فيها سوريا، أو على رأسها سوريا، لأن العلاقات اللبنانية ـــــ السورية يجب أن تكون صحيّة وأن توضع في إطارها الطبيعي. صحيّة من سوريا إلى لبنان، وصحيّة من لبنان إلى سوريا، وعلى أساس دولتين شقيقتين عربيتين.

• هل تشعر بأن سوريا متجاوبة؟
ـــ أعتقد أن التجاوب ليس مسألة مستحيلة.

• هل طمأنتك اتصالاتك بالرئيس بري والنائب الحريري إلى حصول التوافق؟
ـــ طبعاً، طبعاً. والكلام الذي أسمعه من الرئيسين بري والسنيورة والشيخ سعد الحريري متفائل ومتقارب وهم يريدون أن ينجحوا في الحوار.

• لكن سبق أن اختبرت هذا النوع من النيات وتبيّن لك في الدقيقة الأخيرة أن الأمر مختلف كما حصل إبّان مهمتك في بيروت...
ـــ لا، لا. هذه المرة الدقيقة الأخيرة ليست التزاماً حيالي بل إزاء لبنان. إذا كان ما حصل في الماضي حيالي فأنا مسامح، لكن هذه المرة الامتحان هو أمام لبنان ومستقبله. كنا نتكلم عن حكومة 19 + 11 + 1 وكان أمامنا مزيد من الوقت. اليوم نحن نتكلم عن انتخاب رئيس وعن مهلة زمنية محددة ما بعدها الله أعلم، وقد يؤدي عدم انتخاب رئيس إلى إلقاء لبنان في الفراغ، ولا أعتقد أن أحداً من القادة اللبنانيين يمكن أن يتحمل مسؤولية كهذه.




في بيروت، في كانون الأول الفائت، استخدم عمرو موسى أربعة تعابير: متفائل، متشائم، متشائل، متفائم. وهو يقول اليوم إنه لا يريد استخدام أي من المفردات تلك. بل سينفق الوقت «ليس على التفاؤل والتشاؤم، بل لدعوة اللبنانيين إلى النجاح والتوفيق في حوارهم. هذه مسؤوليتهم عن بلدهم. هل هناك امتحان آخر ؟”