غسان سعود


رغم السرية التي يحيط اللاجئون العراقيون في لبنان أنفسهم فيها، ورغم تحفظهم على الحديث مع وسائل الإعلام فهم يبدون، مع المؤسسات الاجتماعية التي تتابع أوضاعهم، مرونة كبيرة لدى الحديث عن الشؤون الاجتماعية، الصحية والتربوية التي يواجهونها في لبنان... هذا ما تتطرّق إليه الحلقة الثالثة والأخيرة من التحقيق

يخشى العراقيون النازحون إلى لبنان من الإعلان عن أسمائهم لوسائل الإعلام، أو السماح بتصويرهم، لعدة أسباب، أولها اقتناعهم العميق بأن الوسائل الإعلامية هي جزء من شبكة مخابراتية تهدف إلى الإيقاع بهم وسوقهم عاجلاً أو آجلاً إلى القضاء. وثانيها ثقتهم الكبيرة بعدم قدرة الإعلام على خدمتهم خصوصاً أن العراق تحوّل إلى «ساحة سينما» و«لو أراد العالم أن يتعاطف معنا لكان فعل، فالصورة واضحة». أضف أنه يوجد في أوساط العراقيين في لبنان أشخاص يتبعون لمرجعيات حزبية محليّة وعراقيّة يهمها التكتم على هذا الملف في هذه المرحلة. أما المؤسسات الدولية والمحلية المعنية بشؤون اللاجئين فكأنها متفقة فيما بينها على عدم التصريح مخافة تحريف الكلام واستخدام هذه المأساة الإنسانية في غير محلها.
ويبدو واضحاً من كلام ناشطين في هذه المؤسسات المتعاونة مع «المفوضيّة العليا» أن ثمة «تعليمة» صغيرة تقضي بإبقاء مركزية التصريح بأية معلومات مهمة للمكتب الإعلامي في «المفوضية».
إلا أن كلّ هذه الأسباب مجتمعة لا تمنع بعض العراقيين والمؤسسات المساندة لهم من الكلام بحرية أكثر واندفاع عن القضايا الاجتماعية التي تشغلهم. حيث توضح المفوضية أن ثمة مروحة واسعة من المنظمات غير الحكومية التي تقدم المساعدات للعراقيين من أجل تحسين تحديد الحاجات، وحسن الاستجابة. ومن أبرز هذه المنظمات: «أرك إن سييل»، جمعية عامل، مجلس كنائس الشرق الأوسط، كاريتاس، المجلس الدانمركي للاجئين، المنظمة الكلدانية الخيرية. ويتركز عمل هذه الجمعيات على تقديم المساعدات المادية للعراقيين من مال وطعام ومسكن وثياب إضافة إلى تأمين حقَّي الرعاية الصحية والتعلّم. علماً أن السفارة العراقية تسعى إلى إتاحة بطاقات خاصة للاجئين العراقيين في لبنان يحصلون بموجبها على المساعدة المادية نفسها التي توزّع على العراقيين في بلدهم.
ويذكر أن معظم العراقيين الذين التقتهم «الأخبار»، يعيشون في ظروف مادية سيئة للغاية، لكن الحصول على الأموال والمواد الغذائية لم يكن في رأس أولوياتهم، إذ اهتمّ معظم هؤلاء بتأمين التعليم لأولادهم والاستشفاء المجاني والبحث عن فرص العمل. ويقول ناشطون في «كاريتاس» إنه بالرغم من توقيع الدولة اللبنانية ومصادقتها على عدة وثائق دولية تتيح حق الصحة، يكاد يكون مستحيلاً على غالبية الأجانب الاستفادة من النظام الوطني للصحة العامة.
ويشير هؤلاء إلى مئات الحالات التي سجلت خلال السنوات القليلة الماضية حيث ترفض المستشفيات الخاصة دخول اللاجئين الذين لا يملكون المال إليها، وتعطي المستشفيات الحكومية الأولوية للبنانيين حتى لو كانت حالة العراقيين أكثر سوءاً منهم. ويروي أحد الناشطين عن رفض مستشفى في ساحل المتن الشمالي استقبال سيدة عراقية وفدت إلى الطوارئ لتلد ابنها بحجة عدم امتلاكها أية أوراق ثبوتيّة، علماً أن مذكرة التفاهم الموقعة بين الدولة اللبنانية و«المفوضية» تضع على عاتق الأخيرة مسؤولية توفير المساعدات الطبية للاجئين. وتغطي المفوضية اليوم 85% من تكاليف الرعاية الصحية للاجئين المسجلين لديها و100% في الحالات الاستثنائية (الأمر الذي يفترض أن يحث عدداً أكبر من اللاجئين على تسجيل أنفسهم لدى المفوضية). ورغم أن النسبة الباقية تعدّ ضئيلة، فإن معظم العائلات العراقية التي تعيش بأقل من مئتي دولار شهرياً، بحسب مصادر في «المفوضية»، لا تستطيع تأمينها، وغالباً ما يلجأ المحتاجون إلى «كاريتاس» و«مجلس الكنائس» اللذين يتابعان بشكل رئيسي تأمين الدواء والطبابة للاجئين في مختلف المناطق اللبنانية. واللافت أن بعض اللبنانيين لا يتردد في قصد مراكز هاتين المؤسستين للحصول على بعض الأدوية والاستفادة من الفحوص الطبية التي تقدم مجاناً فيهما. علماً أن اللاجئين يستفيدون، بحسب القانون اللبناني، من جميع التلقيحات التي تقوم بها أو تدعمها وزارة الصحة.
وبين الصحة والتعليم، تطلّ العوارض النفسية للحرب والتهجير، التي يعانيها غالبية الأطفال ابتداءً من سن الثالثة، حيث يسجل وسط الأطفال بحسب المؤسسات المتابعة تأخراً في الكلام، ويبدي بعض الأطفال ملامح عدم ثقة بالمحيطين بهم، ويستخدمون العنف كثيراً، ويستصعبون التعبير عمّا يشعرون به أو يريدون قوله. وغالباً ما تعنى المؤسسات المتخصصة بحقوق الإنسان بمتابعة هذه الحالات.
على صعيد آخر، يهجس العراقيون لتحصيل حقهم في التربية، ويشدد معظم هؤلاء على ضرورة أن يعي اللبنانيون أن معظمهم من حملة الشهادات، ويأتون من خلفية أكاديمية صارمة ومتابعة جداً، مشيرين إلى أن المجتمع العراقي كان من أفضل المجتمعات العربية على المستوى العلمي. ويواجه العراقيون اليوم عدة مشاكل على المستوى المدرسي، أخطرها انقطاع عدد كبير من الأطفال والمراهقين عن الدراسة لأسباب مالية أو نفسية. إضافة إلى معاناة البعض من انقطاعه عن الدراسة أكثر من ثلاث سنوات، واضطراره اليوم إلى الالتحاق بصف يكبر معظم طلابه بثلاث سنوات على الأقل. كذلك لا يجد البعض مقاعد شاغرة في المدارس القريبة من منطقة سكنه. فيما يعاني جميع التلامذة العراقيين من دون استثناء من الفارق في المنهجين التربويين بين لبنان والعراق حيث تدرّس جميع المواد باللغة العربية وهو الأمر الذي دفع معظم الجمعيات المهتمة بالمتابعة الأكاديمية للاجئين العراقيين، ويتقدمها «أرك إن سييل»، جمعية عامل، والمجلس الدانمركي للاجئين إلى تكثيف الدورات الاستلحاقية خصوصاً في مادتي اللغة الإنكليزية والكومبيوتر. وقد نجح المجلس الأعلى للطائفة الكلدانية مثلاً بإقامة شراكة مع المؤسسة الأوروبية للتنمية افتتح على أثرها «مدرسة استلحاقية» في مدرسة مار جرجس للراهبات الأنطونيات في البوشرية، حيث يواظب أكثر من مئة عراقي على حضور دروس استلحاقية مسائية. فيما تنظم مؤسسة الـ NRC النروجية برامج تعليمية لإعادة تأهيل التلامذة الذين انقطعوا عن الدراسة مدة طويلة من الزمن، ومواكبة الأطفال الذين قرروا العودة إلى المدرسة اجتماعياً. بدورها تواكب المفوضية مركزي الرعاية الاجتماعية في مؤسستي arc en ciel في الطيونة وجمعية عامل في الشياح، حيث تنظمان تدريبات مهنية، تمكّن العراقيين من اكتساب مهارات جديدة قد توفر لهم فرص عمل.
وفي التطبيق، تنقسم الأسر العراقية بين من تجد نفسها قادرة على اللحاق بالمناهج اللبنانية ومتابعة تحصيل علومها، وبين من تجد أن الدروس الاستلحاقية تعجز عن ملء الفارق الكبير بين المنهجين التربويين. ويقول أصحاب المنطق الثاني إن هذا الأمر يدفعهم إلى التفكير جدياً بالعودة إلى سوريا أو الذهاب إلى الأردن حيث المناهج التربوية أقرب إلى العراقية. ويسأل هؤلاء عمّن يوفر لهم المال للانتقال إلى المراكز الاستلحاقية مشيرين إلى شعورهم بعبثية الدراسة في مجتمع يعلمون أن الشهادة العلمية فيه لن تساعدهم في ايجاد وظيفة.
من جهته، يوضح المسؤول عن مركز التدريب المهني في الطيونة جوني أسطفان، أن معظم العراقيين الذين يقصدون المركز يكونون على دراية متكاملة بما يريدون القيام به. وغالباً ما يطلبون الالتحاق بصفوف لتدريس اللغات الأجنبية والكومبيوتر، ودورات تزيين الشعر. ويلفت إلى أن معظم العراقيين الذين تعرف إليهم يسعون للدراسة ليس بهدف الحصول على وظيفة بل أملاً بإضافة نقطة ايجابية إلى ملف «إعادة التوطين» الذي غالباً ما يكون في الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية وكندا.
بدورها تقول سحر عساف من جمعية عامل، إنهم يركزون على إعادة الأولاد العراقيين إلى المدارس وتدعيمهم باللغات، مشيرة إلى وجود أطفال تخطّوا سن العاشرة وما زالوا يجهلون القراءة والكتابة. وتفخر عساف بنجاحهم في إقناع أكثر من عشرين مراهقاً بالعودة إلى الدراسة، لافتة إلى اعتماد المركز استراتيجية جديدة تقوم على جمع مجموعات عراقية وتركها تختار ما تريد أن تدرسه.
ومن الحاجات الأكاديمية، تنتقل عساف إلى تسليط الضوء على حاجة العراقيين إلى «تغيير الجوّ» وتنظيم رحلات ونشاطات متنوعة خارج أحزمة البؤس التي يتقوقعون فيها.
وسط الظروف المأساوية التي يعيشها العراقيون في لبنان، لا يتردد هؤلاء في التأكيد أمام كل من يسألهم أنهم يشكرون للبنانيين ضيافتهم لكنهم لا يشتهون الاستقرار في هذا البلد. وهم غالباً ما يؤكدون استعدادهم لمغادرة لبنان إلى أية دولة أخرى غير سوريا والأردن المكتظتين أصلاً بالعراقيين. وترى إحدى السيدات أن النزوح الحالي الكثيف من العراق إلى لبنان يعود إلى عوامل سياسية تضغط من أجل هذا الأمر، فيما يفترض بالمجتمع العراقي المهجّر أن يتكاتف وينشئ الجمعيات لمطالبة الدول العربية التي شاركت الولايات المتحدة الأميركية الحماسة لغزو العراق بتحمل مسؤولياتها. فيما يبدو كثيرون مدركين أن الاستقرار في لبنان، رغم كونه لا يشكل حلًّا فإنه الوسيلة الوحيدة للبقاء على قيد الحياة، ويبدي هؤلاء عدم ثقتهم باستراتيجية «إعادة التوطين» التي تتبعها المفوضية.
ويسأل أحدهم عن الحل في ظل دخول قرابة عشرة آلاف عراقي سنوياً إلى لبنان، فيما المفوضية عاجزة عن تأمين «إعادة التوطين» لأكثر من ألف شخص حدّاً أقصى سنوياً. واللافت في هذا الموضوع أن الملفات التي تقبل عادة لإعادة التوطين تعود لأشخاص من مستوى علمي جامعي ولدى بعضهم أقرباء في دول إعادة التوطين، فيما يبقى في لبنان ذوو المستوى الجامعي المنخفض والذين فقدوا صلاتهم بالأقرباء الذين غالباً ما يرسلون الأموال إلى الموجودين في الدول الفقيرة.
يُذكر أن جهود المفوضية أثمرت إعادة توطين 292 لاجئاً من لبنان في دول ثالثة عام 2006، وتم هذا العام قبول 160 لاجئاً في السويد و67 في الولايات المتحدة.
العراقيون، يقول المراقبون، أقلية تتكاثر في السرّ محافظة على حد أدنى من الروابط بين بعضها، فهل يحوّلها هذا الأمر إلى أقلية أخرى من الأقليات اللبنانية مختلفة الجذور...؟




أحمد مطر ستاراً للجوء... عاطفي!

يربكه السؤال عن اسمه بعد أن يروي قصته كاملة، إذ يمكن أن يؤثر الخروج من السرية سلباً على اللاجئ. وبعد تردّد، يقول الشاب العراقي إنه لا يستطيع البوح باسمه «لعلّ المقال لا يعجب الأمنيين» متمنياً إعطاءه اسم الشاعر العراقي أحمد مطر، «عسى يتذكر البعض القصائد التي كتبها هذا الشاعر في مطلع السبعينيات كأنه يروي واقع العراق الحالي».

اللافت في قصة أحمد، أن اختياره لبنان بلداً للجوء لم يأت صدفة بل لأسباب عاطفية. فعام 2001، غادر العراق بسبب القمع الذي كان الرئيس العراقي السابق صدام حسين يمارسه، إلى الأردن. وهناك، أغرم بفتاة لبنانية سرعان ما عادت إلى بيروت، الأمر الذي دفعه إلى اللحاق بها عبر الدخول إلى سوريا من الأردن بطريقة شرعية، ثم الانتقال بطريقة غير شرعية إلى لبنان عبر منطقة وادي خالد. في تلك الزيارة السريعة لبيروت، أوقف أحمد عند مدخل مدينة صيدا، وصدر قرار بسجنه شهرين. عندما عاد إلى العراق، أمضى هناك 35 يوماً فقط، ثم دخل لبنان مجدداً عبر مجدل عنجر هذه المرة. ولم تلبث القوى الأمنية أن ألقت القبض عليه من جديد أيضاً، فقضى شهرين في السجن ثم دفع مبلغ مئتي دولار بدل تسوية لخروجه من السجن، وتمهله مدة ثلاثة أشهر للحصول على إجازة عمل.
اليوم يعيش أحمد في غرفة صغيرة في منطقة الشويفات، من دون أية أوراق شرعية، ولا يكلّف نفسه عناء التوجه إلى «المفوضية» لتأكده من «عدم قدرتها على تأمين أية حماية». يعمل ثماني ساعات في معمل كبير باختصاصه الكهربائي، آملاً أن يرتفع راتبه البالغ مئتي دولار ولو خمسين دولاراً في القريب العاجل. وخلافاً لمعظم العراقيين في لبنان، تساعده العلاقة بالصبية اللبنانية على الخروج يومياً من المنزل، والتنقل بين الزوايا البيروتية من دون أن توقفهما الحواجز الأمنية.
بسرعة يعيد السؤال عن المستقبل أحمد إلى دائرة الشك نفسها التي دخلها عند سؤاله عن اسمه، وتعود عيناه لتبحثا عن عبارة مقنعة، قبل أن يرشف قليلاً من الشاي ويقول إنه فقد الشعور بحميمية المكان في علاقته مع العراق، ولم يجد حين زار حيه قبل ثلاث سنوات غير الدمار والفقر والبؤس. وبكثير من الثقة، يجزم أن التفكير بالمستقبل مؤجل لموعد آخر، موعد يكون فيه التفكير بالمستقبل أمراً غير محرّم.




الجزء الأول | الجزء الثاني | الجزء الثالث