عمر نشابة


أقام رئيس الحكومة فؤاد السنيورة أول من أمس في السرايا الحكومية حفل عشاء تكريماً لقادة الشرطة والأمن العرب ألقى خلاله كلمة تضمّنت معلومات غير دقيقة ينبغي التوقف عندها لتوضيح الأمور بشكل علمي وموضوعي. لن تتبع هذه القراءة تسلسل المعلومات كما وردت في خطاب السنيورة بل هي تسلسل منهجي يعتمد الأولويات المهنية التي يُفترض أن يتنبّه لها قادة الشرطة والأمن العرب.

القانون والثقة؟

تحدّث رئيس الحكومة عن «تطبيق القانون على جميع المواطنين والمقيمين دون محاباة أو تمييز»، لكن الحكومة التي يترأسها أخفقت في ذلك في العديد من القضايا وأبرزها عدم الاهتمام بجريمة اغتيال الأخوين مجذوب في أيار 2006، وجريمة قتل الطفلين حسن سويد ومحمد ناجي في الرمل العالي في 6 تشرين الأول 2006 وجريمة قتل أحمد محمود في 3 كانون الأول 2006 وعدنان شمص وحسن مرتضى وخليل شومان في 25 كانون الثاني 2007 ومهدي زعيتر في 16 نيسان 2007 وزياد الغندور وزياد قبلان في 23 نيسان 2007 وغيرهم بالجدية نفسها التي تمّ التركيز فيها على جرائم أخرى لا تقلّ عنها خطورة مثل جرائم اغتيال النواب والوزراء والإعلاميين اللبنانيين وجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005. هل يميّز القانون بين قتيل وقتيل يا دولة الرئيس؟ لماذا اذاً لم تسعَ الحكومة الى دعم القضاء المحلّي بالقدر المطلوب لكشف الجرائم بدل إحالة بعض الجرائم على «المحكمة الدولية» بينما تترك جرائم أخرى دون العناية نفسها؟ أين العدل في ذلك؟
في فقرة أخرى من خطابه قال السنيورة «إن البارز في المسيرة الجديدة للقوى الأمنية اللبنانية عدة عناصر منها الإحساس المتجدد بالثقة وبالمهمات الكبرى الملقاة على عاتقها في بسط سلطة الدولة على أرضها بقواها الشرعية والكفاءة والانضباط في تنفيذ المهمات في اتباعٍ دقيق للقانون». لكن رئيس الحكومة تجاهل المشكلة التي تعانيها قوى الأمن والتي تشير للأسف الشديد، الى عدم ثقة العديد من اللبنانيين بقوى الأمن. فبعد سلسلة من التصرّفات التي قام بها بعض ضباط وعناصر قوى الأمن في ثكنة مرجعيون في 10 آب 2006 وما رافقها من صور وزّعت عبر الإعلام على نطاق واسع لأحد عناصر قوى الأمن ببدلته العسكرية يقدّم الشاي الى ضباط وعناصر من الجيش الإسرائيلي بوجود وموافقة ضابط رفيع من قوى الأمن كان على اتصال مباشر بوزير الداخلية بالوكالة أحمد فتفت وبالسنيورة نفسه، وبعد تدخّل أحد أبرز الضباط في قوى الأمن الداخلي بمفاوضات سياسية ما يمثّل مخالفة لقانون تنظيم قوى الأمن الذي يمنع رجال قوى الأمن من تعاطي السياسة، وبعد حوادث إطلاق عناصر من قوى الأمن النار على أطفال في الرمل العالي ومهدي زعيتر في الضاحية وبلال المحمود في طرابلس وغيرها من الحوادث، لم يعد عدد كبير من المواطنين يثق بقوى الأمن لا بل يرى عدد كبير منهم أن بعض ضباط قوى الأمن يعملون لمصلحة جهة سياسية على حساب أخرى. وعزّز هذا الشعور التناقض في المعلومات عن التحقيقات بين قوى الأمن والجيش اللبناني الذي يحظى بتأييد وثقة أغلبية اللبنانيين.

«كشف» جريمة عين علق؟

يقول السنيورة في كلمته «نتيجة للصبر والمثابرة من رجال مخلصين لشعبهم ووطنهم ودولتهم، بدأت نتائج العمل على التغيير وإعادة البناء بالظهور. وقد مثّلت جريمة عين علق الإرهابية وما تبعها من كشف لملابساتها، ومن وقف خلفها، القفزة الأولى». يبدو أن الرئيس السنيورة لم يتذكّر مبادئ القانون والعدالة التي شدّد عليها في خطابه. فالعدل يفترض أن تكون للسلطات القضائية وحدها صلاحية «الكشف» عن ملابسات الجرائم لا لمجلس الوزراء ولا لرئيسه أو لوزير الداخلية. وفي ما يتعلّق بالتحقيق في جريمة عين علق التي قتل وجرح من جرّائها مواطنون في 13 شباط 2007 فلم تصدر السلطات القضائية اللبنانية حتى اليوم قراراً ظنياً بحقّ المشتبه بهم بارتكاب الجريمة. فقاضي التحقيق العسكري الذي عيّن محققاً عدلياً في القضية القاضي رشيد مزهر ما زال يدرس الملفّ وبالتالي من غير المهني وغير القانوني أن يصدر عن السلطة الإجرائية إقرار بـ«كشف ملابسات» الجريمة. واذا كان السنيورة يريد فعلاً «تطبيق القانون على جميع المواطنين والمقيمين دون محاباة أو تمييز» كما كرّر في خطابه، فعليه أن ينتظر القرار القضائي وحكم المحكمة. لكن المؤتمر الصحافي الذي كان قد عقده وزير الداخلية حسن السبع في 13 آذار 2007 والذي قال فيه إن المخابرات السورية تقف وراء تفجيرات عين علق و«فتح الإسلام» يشير الى تخطّي الحكومة التي يرأسها السنيورة لصلاحياتها القانونية، والتي لا تسمح لها بإدانة أي جهة بدون أن يكون القضاء المستقلّ قد حسم في القضية. إضافة الى ذلك، كان قد صدر عن قيادة الجيش اللبناني خلال مؤتمر صحافي في 4 أيلول الفائت أن لا دليل يشير الى علاقة بين «فتح الإسلام» والمخابرات السورية وطلب قائد الجيش العماد ميشال سليمان ومدير المخابرات العميد جورج خوري عدم استباق التحقيق. لماذا يستبق السنيورة التحقيق والقرار القضائي فيعلن أمام قادة الشرطة والأمن العرب كشف ملابسات جريمة بينما لم يحصل ذلك بعد قانونياً؟

إغفال أمن الدولة والأمن العام

قال السنيورة في خطابه «أتوجَّه إلى قوات الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي قيادةً وضباطاً وأفراداً بالتحية والتقدير للتضحيات التي قدمتها والنجاحات التي حققتها»، وأغفل رئيس الحكومة توجيه التحية الى مديرية أمن الدولة التي تمكّنت من توقيف مجموعة يشتبه بانتمائها الى تنظيم «القاعدة» في البقاع في 6 حزيران 2007 كما أغفل ذكر الأمن العام والإنجاز الذي حققه بالقبض على مشتبه بهم أثناء محاولتهم مغادرة لبنان عبر الحدود في 13 شباط 2007.

الموقف المتناقض من «الحليف» الأميركي

لم ينسَ العديد من اللبنانيين وخصوصاً أبناء الجنوب والبقاع صور استقبال الرئيس السنيورة الحار والودّي لوزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس خلال العدوان الإسرائيلي على لبنان صيف 2006. وجدّد السنيورة في مناسبات أخرى منذ ذلك الحين علاقة الصداقة التي تربطه بالبيت الأبيض لكنه تحدّث في خطابه أمام قادة الشرطة والأمن العرب عن «العدوِّ المشترك الذي لا يزال يمارس سياسةَ العقاب الجماعي على المواطنين في غزة». كما ذكر السنيورة «محنتَي الاحتلال والفتنة» في العراق. كيف يوفّق السنيورة بين علاقة الصداقة التي تربطه بالمسؤولين الأميركيين من جهة، واحتلالهم للعراق ودعمهم شبه المطلق لـ«العدوّ المشترك»؟ وبينما يسمّي السنيورة الوجود الأميركي في العراق احتلالاً، هل يدعم المقاومة المسلّحة المشروعة بوجهه؟ هل يستطيع السنيورة الإجابة عن هذا السؤال؟