أنطوان سعد


عكس الاجتماع الذي عقده الرئيس الأعلى لحزب الكتائب اللبنانية الرئيس أمين الجميل أمس مع لجنة الشؤون السياسية والوطنية في الرابطة المارونية التي يرأسها الدكتور جوزيف طربيه القلق المسيحي عموماً من منحى الحياة السياسية اللبنانية. فقد لاحظ المجتمعون أنه إذا لم تثمر آلية ما عن توافق مسيحي، برعاية البطريرك الماروني مار نصر الله بطرس صفير، على هوية مرشح وفاقي مقبول من جميع الأطراف المسيحية وبالتالي من حلفاء هؤلاء في المعسكرين المتنازعين، فإن الاستحقاق الرئاسي مهدد بأمرين: إما أن يتفق أركان ما كان يسمى بالتحالف الرباعي في ما بينهم على رئيس للجمهورية بالمواصفات التي تناسبهم، وإما أن تتعطل الانتخابات الرئاسية مع كل ما يمكن أن يصحب ذلك من مخاطر كبيرة على البلاد.
وبعدما جرى استعراض الصعوبات التي تواجه البلد في الظرف الراهن، وبروز توافق بين المجتمعين الذين يمثلون معظم الاتجاهات السياسية المسيحية على وجود حاجة ملحة إلى تحقيق وفاق ماروني يعمل على تجنيب لبنان المشاكل التي يمكن أن تنجم عن عدم حصول الاستحقاق في الشكل المناسب، اقترح الرئيس الجميل أن تبادر الرابطة المارونية إلى تشكيل لجنة مصغّرة بعيدة عن الأضواء منبثقة من لجنة الشؤون السياسية تضم ممثلي القوى السياسية المسيحية الأساسية. وأردف موضحاً: «الحوار الذي جرى في معراب ساده جو من الانفتاح والإيجابية وكذلك هي الحال بالنسبة إلى لقاء الرابية الذي جمع القوى المسيحية في المعارضة. الطرفان موجودان إلى هذه الطاولة فلماذا لا تبادر الرابطة إلى الربط بينهما؟».
واعتبر الرئيس الأعلى لحزب الكتائب أن بإمكان مثل هذه الآلية أن تخلق إطاراً للتنسيق والتفاهم بين مختلف القوى المسيحية حول الثوابت الواجب أخذها بالاعتبار من أجل تضييق الهوة في ما بينها، مشيراً إلى ضرورة تتويجها برعاية البطريركية المارونية بعد إنجاز الخطوات التمهيدية والتحقق من كونها قطعت شوطاً مهماً في الطريق الصحيح وباتت قابلة للنجاح من جراء تجاوب الأطراف المعنية. كما لفت إلى النتائج السيئة التي يمكن تترتب على عدم القيام بهذا الجهد. ودعا الأطراف المسيحية في المعارضة والموالاة على السواء إلى إبداء حسن النية وعدم الاكتفاء بإلقاء تبعة فشل التوافق على الآخر مضيفاً: «علينا أن نقتنع أن على كل منا أن يلعب دوره في التحالف الذي هو منضم إليه وبدلاً من أن يكون كل طرف منا الخندق لحليفه لنبادر إلى أن نكون جسر التواصل الذي يجمع معسكري الموالاة والمعارضة».
وإذ لفت إلى أن الوقت يمضي بسرعة ويقتضي عدم التلهي بالقشور ووضع منهجية للعمل وآلية واضحة، أبدى استعداده الكامل «للقيام بأي واجب أو مبادرة يطلبان مني لتذليل العقبات التي يمكن أن تعترض هذه المحاولة، ولا حواجز نفسية أو أمنية توقفني وسأعمل ما في وسعي وكل ما يطلب مني لتشجيع عملية الحوار وتسهيلها».
وفي تقييم لزيارة الرئيس الجميل إلى مقرها في الكرنتينا، وصفت مصادر مسؤولة في الرابطة المارونية عملت على ترتيب الزيارة لـ «الأخبار» المبادرة بأنها «ذكية»، لأن الرئيس السابق للجمهورية تمكن من فتح قناة حوار مع مسيحيي المعارضة من غير أن يترك موقعه في قلب فريق الموالاة. فهو سبق له أن أكد تمايزه عن بعض قوى الأكثرية بتأكيده تمسكه بقاعدة نصاب الثلثين في جلسة الانتخاب وبتفضيله أن يأتي الرئيس العتيد للجمهورية ثمرة توافق بين مختلف القوى السياسية اللبنانية حتى يتمكن من أن يحكم لأن تجربته في الحكم بين العامين 1982 و1988 علمته أنه من غير الممكن حكم البلاد في ظل ممانعة فئة كبيرة من اللبنانيين له.
وبما أن الرئيس الجميل طامح لإعادة انتخابه فإنه مقتنع بعدم إمكانية تحقيق هذا الطموح طالما أن خطوطه مع المعارضة مقطوعة. وإذا بادر من تلقاء نفسه إلى فتح قناة مع الفريق المعارض فسيخسر حكماً دعم قوى الموالاة له لأن مبادرته ستتعرض حكماً إلى حملة تشكيك من منافسيه داخل الأكثرية. لذلك زيّن له أن يزور أمس الرابطة المارونية التي أكدت منذ الانتخابات الأخيرة لمجلسها التنفيذي أنها على مسافة واحدة من جميع أطراف النزاع، واجتمع بلجنة الشؤون السياسية وأظهر في شكل لافت اهتماماً خاصاً بالأعضاء الذين يمثلون أحزاب المعارضة.