إبراهيم الأمين


لن يكون سهلاً على أحد إقفال النقاش حول ما جرى في نهر البارد. منذ البداية لم يكن هناك من يعتقد بأن الأمور سوف تسير بعيداً عن السجال السياسي الداخلي. وحتى عندما تحول أقطاب 14 آذار إلى جنود مستعدين للموت في سبيل الوطن، لم يكن هناك من يقدر على إقناع المؤسسة العسكرية بأنها باتت الملاذ الأخير للسياسيين. ولما جاء اختبار الموقف من احتمال تولي العماد ميشال سليمان رئاسة الدولة ولو لفترة انتقالية، سارع هؤلاء إلى تعديل عبارة «الأمر لك» التي ملأت جدران البلاد وصحافتها، ليقولوا للرجل وللجيش من خلفه، إنكم أنتم بأمرنا، وإن ما فوّضناه إليك هو التورط في لعبة الموت، فإن فزت فلنا الاستثمار، وإن خسرت فهذا مصيرك. وفي كل مرة كان مجلس وزراء الفريق الأكثري يجدد فيها للمؤسسة العسكرية، كان يحرص على القول إن أمر بت المعركة متروك لتقدير الجيش. ولم يحاول هؤلاء، ولو بالشكل، القول مرة واحدة إنهم هم من اتخذوا القرار سياسياً وإن الجيش مؤسسة تابعة تنفذ الأوامر. وعندما اضطر الجيش إلى طلب معونات إضافية من الجيش السوري بعدما تأخرت قوافل المساعدات الأجنبية، سارع الفريق نفسه إلى طلب التكتم على الأمر لأنه يصعب عليهم رفضه، فيما هم لا يقدرون على فرض تقديم الغرب، وعربهم، مساعدات مماثلة وبالسرعة المطلوبة، وعندما أتيحت الفرصة لقول الكلام الأخير، حصل ما أعلنه وزير الدفاع الياس المر أمس لناحية عدم إشارته إلى الدعم السوري للجيش في معركة نهر البارد وتولي رئيس الأركان الحديث عنها في إطار اتفاق سابق ولاحق، بما فهم على أنه إشارة من الوزير ومن رئيس الأركان إلى أن الدعم السوري لم يكن خاصاً بهذه المعركة، وبالتالي فإنه لا يمكن لسوريا ولا لمن هو معها في لبنان إشراكها في الإنجاز الذي حققه الجيش.
إلا أن الامر لا يقف عند هذه الحدود، وبدل أن تسارع الجهات الرسمية إلى فتح تحقيق حول دور الأجهزة الأمنية الأخرى في متابعة ملف فتح ـــــ الإسلام قبل المعركة وأثناءها وبعدها، فإن الفريق الحاكم سارع الى توظيف إنجاز الجيش في بابين: الأول إشراك قوى الأمن الداخلي (والمقصود عملياً فرع المعلومات في هذه القوى) في ثمار الإنجاز، والثاني في استعجال تعميم التجربة نحو أماكن أخرى، وبالتالي اتخاذ ما يلزم من إجراءات لمنع المراجعة التي من شأنها الكشف عن ثغر خطيرة. وإضافة الى كل ذلك، عادت ماكينة فرع المعلومات الى تسريب ما أمكن من معلومات عن فتح الإسلام بما يتناقض مع ما أعلنه سابقاً قائد الجيش وما أكده أمس مدير المخابرات في الجيش العميد جورج خوري عن ارتباط هذه المجموعة بتنظيم «القاعدة» العالمي. وترافق ذلك مع تسريب معلومات عما افترض أنه خطة التنظيم المتشدد لإقامة إمارة إسلامية في الشمال، مع أعلى قدر من الحديث عن تورط سوريا في هذا الأمر وفي كل العمليات المنسوبة الى هذا التنظيم، بما في ذلك تحويل الاستنتاجات الأمنية (التي تصح كثيراً) الى وقائع حاسمة. وهو الامر المتعلق بجرائم عدة أبرزها جريمة اغتيال الوزير بيار الجميّل، والتي سرب أمس أن موقوفاً لدى فرع المعلومات يدعي جهاد م. وهو فلسطيني من مخيم نهر البارد، اقر بأنه كان شريكاً في إطلاق النار على الجميّل، وأن شريكه في العملية كان أبو مدين الذي قتل في طرابلس، علماً بأن البحوث الجنائية الجارية في الخارج لمطابقة فحوص الحمض النووي الخاص بأبي مدين مع ما وجد في سيارة الهوندا المستقدمة من سوريا لم تصل الى خلاصة نهائية بعد، على ما تقول المصادر القريبة من فرع المعلومات نفسه، وهو الذي اضطر الى التراجع عن البيانات والتصريحات النارية حول إنجازه الأمني في كشف قتلة الجميل.
وحتى في ملف الاستثمار السياسي لناحية تحميل سوريا مسؤولية أعمال فتح ـــــ الإسلام، فإن المعنيين في فرع المعلومات لا يرفضون فكرة أن تكون هناك علاقة بالقاعدة، ولكنهم يفضلون التعبير الذي يقول إنهم «يقومون بأعمال من باب تقديم أوراق الاعتماد الى القاعدة» وإن الانتساب لم يحصل بعد، وإذا ما حصل أن تلقوا معلومات أكثر دقة عن تواصل وثيق بين قادة فتح ـــــ الإسلام وقادة بارزين ومعروفين في تنظيم القاعدة، فإن الجواب يأتي على شكل: صحيح، ولكن سوريا هي التي سهلت لهم الوصول الى لبنان وطلبت منهم أن يقوموا بما قاموا به او بما هو منسوب إليهم خارج مخيم نهر البارد. ويصول هؤلاء ويدورون للعودة الى النقطة نفسها: لو أعلن أسامة بن لادن بصوته وصورته أنه هو المسؤول عن اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وعرض أدلة على ذلك، فإن سوريا هي التي كلفته بهذه المهمة أو هي التي سهّلت له القيام بالأمر.
وبالتالي فإن خطة 14 آذار لاستثمار إنجاز الجيش تقضي بما يريد التجيش تجنّبه كي يلتقط أنفاسه من جهة، وكي يصار الى إعادة تنظيم الامور بطريقة لا تتيح تكرار الأخطاء السابقة، سواء الأمنية ـــــ السياسية منها أو حتى العملانية التي برزت في سلوك الجيش القتالي خلال المعركة. ويريد فريق 14 آذار تكبير حجم الإنجاز من أجل تكبير قدرات الجيش ومن ثم لدفعه الى مواجهة جديدة بهدف القضاء على من يرى وليد جنبلاط فيهم الخطر على أمنه القومي، والمقصود هنا ما هو موجود في الناعمة وفي البقاع الغربي. وسوف تشهد الفترة المقبلة حملة إعلامية ـــــ أمنية ـــــ سياسية قد تترافق مع أحداث لا يعرف أحد كيف صادف أنها سوف تقع الآن، بقصد إلزام الجيش القيام بخطوات عملياتية في هذا المجال.
أما الأمر الآخر وهو غير متوافر الآن بيد فريق 14 آذار، فهو ربط برنامج المساعدات الغربية النوعية للجيش اللبناني بموقف من مسائل عدة بينها ما يتصل بالعلاقة مع سوريا وبالتالي الاستغناء عن أي علاقة تعاون أو تبادل خدمات مع الجيش السوري، ومن ثم بموقف من المقاومة بقصد خلق أزمة ثقة بين الطرفين تمهيداً لجر الجيش الى موقف من النوع الذي يناسب من يعمل منذ 15 آب لكي يكون العدوان الإسرائيلي الجديد مصحوباً بما تيسر من دعم داخلي!.