صور ــ بهية العينين


يجرّم القانون اللبناني الفقراء المتسوّلين وينص على حبسهم وتغريمهم، أو وضعهم في دار للتشغيل لم تقم الوزارة المعنية بإنشائها حتى اليوم. وفي ظل غياب برامج الإصلاح عن السجون، تبقى المعالجة القضائية والأمنية قاصرة عن إيجاد حل للمتسوّلين الذين يعود أكثرهم، بعد الخروج من السجن، إلى حرية الطرقات


هي طفلة مجهولة الهوية لا تتعدى الثلاث سنوات، تبدو عليها مظاهر مرض الشلل والضعف البدني. ولا يكاد أحد من المارة على الكورنيش البحري في مدينة صور يجهلها، فشكلها الذي يُطبع في ذاكرة كل من يراها، وصوت بكائها يستوقفان الجميع للتبرع والتصدّق على حاملها. لكن حقيقة الحالة الإنسانية لهذه الطفلة قد تتعدى المرض الى استغلالها من جانب مجموعة امتهنت التسوّل ووجدت في ضعف ابنة الثلاث سنوات مصدراً وفيراً لكسب الرزق.
وفي التفاصيل أن مجموعة من النسوة اللبنانيات، يتناوبن على حمل الطفلة ويجلن بها في شوارع مدينة صور، مستغلّات حالتها المرضية بغية التسوّل وكسب استعطاف الناس لدرّ المال، وخصوصاً أثناء التجوال في الشوارع المكتظة بالمارة، كشارع أبو ديب والكورنيش البحري والشاطئ، حيث الخيم البحرية التي تعج بروّادها إضافةً إلى السوق التجارية. كما تخصص هذه النسوة يوم الجمعة لمساجد المدينة بهدف الحصول على صدقة بعد أداء الصلاة، بينما يتمركزن يومي الثلاثاء والخميس أمام أبواب المحكمة الجعفرية. مشهد الطفلة وبكاؤها الضائع ما بين الجوع والألم، يوفران على حاملتها جهد الثرثرة للتسول، مما يدفع المحسنين إلى الدفع السريع.
أحد المحسنين، يعترف بأن إحسانه ناتج من وضع الطفلة الصحي، فدفع ما تيسّر في جيبه كي تبتعد عنه «النورية»، وهذا الأمر دليل على نجاح النسوة في استغلال الطفلة ونجاح خطة التسول.
قد تخفي قصة هذه الطفلة مجموعة تستغل الأطفال في إطار التسوّل، ولا سيما أن كلاً من النسوة اللواتي يتعاقبن على حملها تدعي أنها هي والدتها. وتجدر الإشارة إلى أن مدينة صور تشهد ارتفاعاً ملحوظاً في عدد الأطفال المتسوّلين، علماً أن أرقام وزارة العدل تشير إلى توقيف 85 قاصراً في كل لبنان خلال عام 2006 بجرم التسوّل.
في القانون والإصلاح
يجرّم قانون العقوبات اللبناني (في المواد من 610 حتى 613) كل من كانت له موارد أو كان يستطيع الحصول على موارد من خلال العمل، واستجدى لمنفعته الخاصة الإحسان، ويعاقبه بالحبس مع التشغيل مدة تراوح بين الشهر وستة أشهر على الأكثر. كما تنص المادة ذاتها على أنه يمكن فضلاً عن ذلك وضعه في دار التشغيل المنصوص عليها في المادة 70 من القانون ذاته. كما تعاقب المادتان 617 و618 كل من شرّد أبناءه أو دفعهم إلى التسوّل.
المشكلة الأولى التي تواجه القضاة خلال حكمهم على المتسوّلين أو على دافعيهم للتسول، هي عدم وجود دار التشغيل التي نص عليها القانون، التي من الممكن أن يستفيد منها الفقراء من المتشردين والمتسولين الذين يجرّمهم القانون.
مشكلة أخرى تظهر من مراجعة الأحكام القضائية الصادرة بحق المتسولين، هي مسألة التكرار. ففي حكم على سعاد ح. يظهر أنها من أصحاب السوابق في «تسييب أولادها القصّر وحملهم على بيع الورود على الطرقات، وأنها امتهنت على نحو واسع ومنظّم هذا الأمر»، كما ورد في الحكم الصادر عن القاضي المنفرد الجزائي في بيروت هاني حلمي الحجار. الحكم الذي قضى بحبسها وتغريمها، ذكر أنها كانت في كل مرة يجري توقيفها فيها تتعهّد عدم ترك أبنائها على الطرقات، من دون الالتزام بتعهّدها. كما قضى الحكم بطردها من لبنان لكونها سورية الجنسية، وهو ما يحكم به القضاة عادة على غير اللبنانيين باستثناء العرب الرحّل ومكتومي القيد. أمّا اللبنانيون من المتسولين الذين يتم توقيفهم أكثر من مرة على يد القوى الأمنية، فتصدر بحقّهم أحكام بالحبس، لكنهم، بعد العودة إلى الحرية، يخرجون مجدّداً إلى الطرقات، لغياب برامج التأهيل والإصلاح عن السجون، ولعدم وجود متابعة لهم، سواء في وزارة العدل أو وزارة الشؤون الاجتماعية. فالمعالجة تقتصر على الشق الأمني ثم القضائي الذي يبقى مقتصراً على عقوبة السجن أو الغرامة، لغياب ما ينص عليه القانون اللبناني صراحة، أي دار التشغيل.
وتلفت مصادر متابعة للملف، أن أكثر المتسوّلين الذين يعاقَبون بغرامة مالية، لا يواجهون مشكلة في دفعها، وأحدهم قال خلال استجوابه: هذه مهنتي، ومنها أعيش وأطعم أولادي، وتؤمّن لي مدخولاً أفضل من كثير من الموظفين، فلماذا أتركها؟