عرفات حجازي


الموقف الفرنسي يعزّز خيار الرئيس التوافقي والموقف الأميركي ينتظر استراتيجية ما بعد العراق

يخطئ مَن يظن أن المبادرة الفرنسية ستطوى بعد فشل الموفد الفرنسي جان كلود كوسران في إحداث خرق في جدار الأزمة اللبنانية، وفشله في إيجاد حد أدنى من التفاهم بين الأطراف المتنازعة، وأن باريس باتت تقيم على اعتقاد بأن الوضع في لبنان ملبّد ومتفجّر وميؤوس من علاجه، وأن الغيوم السوداء التي تتجمع في فضائه تنذر بهبوب رياح عاتية قد تأخذه إلى الفوضى والمجهول.
فكلام الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، أمام سفراء فرنسا في العالم أول من أمس، حمل تأكيدات قاطعة بأن بلاده ليست في وارد ترك لبنان في مهبّ الأعاصير الإقليمية والدولية، وأنها ستضع كل ثقلها وراء إخراجه من أزمته، ولن تتخلى عن مساعدته لتجاوز استحقاقاته الصعبة، مهما تزايدت العقد والصعوبات، بل ستمضي في مبادرتها وفي محاولاتها للتوفيق بين اللبنانيين وتوفير مظلة حماية لوفاقهم الداخلي من المجتمع الإقليمي والدولي. ولا أحد يجهل إشارته بالاسم إلى سوريا، تحديداً، من بين القوى الإقليمية، رابطاً الحوار معها بتسهيل انتخاب رئيس جديد للجمهورية ضمن المهلة الدستورية ووفق نصوص الدستور، على أن يعتبره الجميع ممثلاً لهم ويكون قادراً على العمل مع الجميع في الداخل ومع الطوائف المختلفة وفي الخارج مع كل شركاء لبنان.
وانطلاقاً من «خريطة الطريق» التي رسمها ساركوزي للسياسة الفرنسية تجاه لبنان، فإن الدبلوماسية الفرنسية ستنشط خلال الأيام المقبلة، باندفاع وتصميم، لتلمّس مخارج واقعية للأزمة الراهنة وإنجاز الاستحقاق الدستوري وفق النصوص والأعراف الدستورية، وبما يؤمّن الشراكة والتوافق بين اللبنانيين.
ويعتقد دبلوماسيون عرب في بيروت أن اللغة المرنة والمتوازنة التي استخدمها الرئيس الفرنسي في مقاربته للأزمة اللبنانية تنسجم مع المبادرة الحوارية التي أطلقتها باريس في لبنان، لذلك رحّب الطرفان، في الموالاة والمعارضة، بخطاب ساركوزي، فوجدت فيه «الأكثرية» ما يتطابق مع رؤيتها التي تعطي الأولوية لانتخاب رئيس جديد للجمهورية في المواعيد الدستورية المحددة، ولا سيما عندما ربطت فرنسا انفتاحها على دمشق بمدى تسهيل حلها للأزمة في لبنان، كما وجدت فيه المعارضة بعضاً مما تطمح إليه. فالرئيس الفرنسي شدد على رئيس للجمهورية يحمل مواصفات توافقية ليست للداخل ولقواه السياسية والطائفية فحسب، بل مع سوريا في الإشارة المعبّرة إلى رئيس قادر على التواصل مع الشركاء في الداخل والخارج. لكن السؤال الذي يطرحه بعض المراقبين هو عن مدى التنسيق بين فرنسا والدول المؤثرة في الملف اللبناني، وبخاصة الولايات المتحدة.
وفي هذا الصدد ثمّة رأيان: أحدهما يقول إن الموقف الفرنسي منسّق مع الإدارة الأميركية، وإن ما قاله ساركوزي عن الاستحقاق الرئاسي جاء محصّلة تفاهم مع الرئيس جورج بوش في قمتهما الأخيرة في الولايات المتحدة، حيث جرى الاتفاق على أن تتولى فرنسا مهمة إيجاد الحل في لبنان بالتشاور مع بعض العواصم ذات التأثير في الملف اللبناني وبغطاء أميركي. فيما رأي آخر يقول إن باريس وفّرت لانطلاق مبادرتها الحد الأدنى من الاتصالات الدولية والإقليمية، وتحديداً مع واشنطن، لكنها لم تتسلّم أجوبة حاسمة عن تأييد مبادرتها. صحيح أن بوش وساركوزي ناقشا الوضع اللبناني، لكن البحث لم يخرج عن العموميات بخلاف المحادثات التي أجراها مساعد وزيرة الخارجية الأميركية ديفيد وولش مع مسؤولي وزارة الخارجية الفرنسية، والتي دخلت في التفاصيل وأظهرت تبايناً في وجهات النظر إلى الاستحقاق الرئاسي. فوولش كان صريحاً لجهة أن بلاده تتطلع إلى انتخاب رئيس يتبنى السياسة الأميركية، وهم يفضّلونه من قوى 14 آذار، لكنهم لا يمانعون برئيس معتدل شرط أن يعلن موافقته على السير بنهج السياسة الأميركية. كما أنه أبلغ الدبلوماسيين الفرنسيين أن الأميركيين سيقبلون بانتخاب رئيس بنصاب الثلث زائداً واحداً من دون التقيّد بمسألة نصاب الثلثين للجلسة الأولى من الانتخابات.
وهذا التباين في الموقفين الفرنسي والأميركي من الاستحقاق الرئاسي وآلياته جعل الفرنسيين يتريّثون في طرح أفكارهم للحل بانتظار القرار الأميركي الذي يفترض أن يصدر في الأسبوع الثاني من أيلول المقبل، والمتعلق بالتقرير الذي سيقدمه السفير الأميركي في العراق وقائد القوات الأميركية عن المسيرتين السياسية والأمنية في العراق، وتبعاً لهذا القرار ستُحدد الإدارة الأميركية الاستراتيجية الجديدة للمنطقة وانعكاسها على الوضع اللبناني. ولم يعرف بعد ما إذا ما كان السفير الأميركي في لبنان جيفري فيلتمان الذي عاد من واشنطن سيحمل أجوبة محددة عن أسئلة الرئيس نبيه بري عن الاستحقاق الرئاسي وآلياته والمقاربة الأميركية لحل الأزمة اللبنانية، أم أن واشنطن ستفضّل عدم التسرّع في كشف أوراقها كاملة قبل صدور مضمون التقرير الأميركي عن العراق.
وفي انتظار اتضاح التحوّلات في الموقف الأميركي سلباً أو إيجاباً من الأزمة اللبنانية، فإن الفرنسيين ماضون في تحركهم، ومن غير المستبعد أن يقوم وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير أو موفده كوسران بجولة على العواصم المؤثّرة في الملف اللبناني بدءاً من واشنطن مروراً بالسعودية ومصر وانتهاءً بإيران وسوريا قبل العودة مجدداً إلى بيروت.
وفي موازاة الاهتمام بالاتصالات الفرنسية مع الخارج تعلّق الدبلوماسية الفرنسية الكثير من الآمال على حركة المشاورات التي يجريها رئيس مجلس النواب والمبادرة التي يتهيأ لطرحها عصر الجمعة المقبل في المهرجان الخطابي لمناسبة الذكرى السنوية الـ 29 لإخفاء الإمام موسى الصدر ورفيقيه. ولا يكتم المسؤولون الفرنسيون تأييدهم لخط التوافق الذي يعمل عليه الرئيس بري والأفكار الجامعة التي يطرحها لحفظ وحدة البلد والنأي بها عن الخيارات المدمّرة التي يلوّح بها بعض الفرقاء مصرّاً على مواقفه المتفائلة بأن «أبواب الحلول لم توصد بعد» وأنه سيظل يعمل بكل قوة لإمرار الاستحقاق الرئاسي في موعده على قاعدة التفاهم والتوافق بين المكوّنات اللبنانية، معتمداً في سعيه على التجاوب الذي يلقاه من البطريرك الماروني نصر الله صفير ومواقفه التي تتقاطع مع رؤيته لرئيس حل يكون على مسافة واحدة من جميع الفرقاء وقادراً على ضبط الوضع السياسي والأمني ووصل ما انقطع بين اللبنانيين، وألاّ يكون مديناً بوصوله إلى سدّة الرئاسة لهذه الجهة أو تلك من القوى الخارجية.
من هنا الاعتقاد بأن الجسر الممتد بين بكركي وعين التينة سيضغط بقوة لإنتاج رئيس توافقي في اللحظة الأخيرة وبدعم إقليمي ودولي لإغلاق أبواب الخيارات الخطيرة التي ستنشأ من الفراغ الدستوري أو من صيغة التحدي إذا ما انتُخب رئيس للجمهورية خلافاً لنصاب الثلثين كما ينص الدستور.