أنسي الحاج


  • متعة الخسارة


  • الخسارة متعة عندما نتعلّم أن نأخذها. ويجب أن نتعلّم، حتّى لو كنّا نربح. الحقيقة، الربح هو كَتْم صوت الخسارة، تَلَقّيها بالوسائد المحشوّة.
    بعيداً عن الرواقيّة وعن المازوشيّة وعن أيّ انهزاميّة. بعيداً قَدْر الإمكان عن التأثير الديني. أن تتعلّم الخسارة يعني أن تَأْلَفَ محدوديّة الناس والأشياء، وأن تصبح أكثر رشْداً من الأمل.

    الحزن نفسه يغدو حينئذٍ مبتسماً. (ابتسامة الحزين اعتذار، شعاعٌ رَطْبٌ تُرْسله شمسٌ باتَ نصفها في الماء).

    ولنعلّم الأولاد تقبُّل الخسارة كما نعلّمهم الأبجديّة. تقبُّل الخسارة ونشدان النجاح، على قَدَم المساواة، كما يتعلّمون في اللغة والعلوم، النظريّةَ وعكسها. تعلُّم الخسارة يمهّد لمجتمع مسالم، يُؤهّل الطبع للانكسار من دون حقد، الانكسار بوداعة، وداعة هي القوّة، لأن القوّة هي الاستغناء الرحب.
    حزنُ الخاسرِ يغسل مطرُهُ القلب غَسْلَ النوم العميق. تنظر إلى وجهه فتنسى حروبك. لا تسأله: «ما الذي تَغيّر فيك؟»، فالذي يتغيّر الآن أمام عينيكَ هو أنت.


  • بيضاء الليالي البيضاء


  • كَسَلُكِ يُغذّي التوتّر. أقلّ حركة فيه أشدُّ من عاصفة. لو نَقَلْتِ ذراعك على مَهَل من حضنكِ إلى ركبتكِ فذلك تحريكٌ للأوهام. بيضاء ليالي ساهريها البيضاء، مَن أنتِ؟ أنتِ لحظة الانعتاق من اختناق الأعماق، ثم تتوارين كعصفورٍ حكيم وراء قمم الثلج.


  • أرضُ ذَهَبِ الآخر


  • إعادة قراءة كلّ شيء انطلاقاً من التشكيك في كون أحكامنا قد بُنيت على خطأ. خطأ ضعف الذائقة، فقر الثقافة، خفّة الرأي، الغَرَضيّة... بالعربيّة، إعادة القراءة انطلاقاً من «الجاهليّة».
    ما بدأه طه حسين مع كتابه «في الشعر الجاهلي» عام 1926 خطوة تأسيسيّة ضخمة وغير كافية. يجب، بالإضافة إلى التشكيك العقليّ في التأريخ، اعتماد التقويم من داخل النتاج، وتسليط أنوار المقارنة، وذلك رَهْنٌ طبعاً بقيام دارسين ونقّاد وشارحين يتّصفون، إلى جانب المعرفة الموسوعيّة، بصفات المكتشفين.
    كانت تنتشر بين الأقدمين عادة الانتحال ونسج القصص وباتت تهيمن على المعاصرين ديكتاتورية الإشاعة. التقويم السماعي. إرهاب الموضة. ناهيك بتبادل «الخدمات»، وأكبر الظنّ أنه ليس بالابتكار الجديد.
    ما زال «الأجانب» يتولّون مهمة استطلاع «العوالم الثالثة» أو «المتخلّفة»، أمثالنا. فمجتمعاتنا تكره ذاتها، وأحياناً تكره مكتشفيها «لأنهم» أحبّوها، أو تحبّهم لأسباب تتصل بالنرجسية العنصريّة أو التفاخر الاجتماعي ولا علاقة لها بجوهر الاكتشاف. يَسقط من عيننا مَنْ ليس غريباً. هَوانا هو الفراق. نحن أحفاد جميل بثينة لا في العشق بل في مرآة الذات وشَرْطيّة المسافة. بلداننا الصغيرة علّمتنا ضيق الصدر بعضنا من بعض وبلداننا الكبيرة علّمتنا احتقار بعضنا بعضاً. إذا عُرّبتْ لنا الأفلام الأميركية سنمقتها، فما يستهوينا هو الآخر المجلبب باختلافه، واختلافه هو هو تفوّقه، حيث نضع أثقال أحلامنا ونفرّج عن كوابيس نقصنا. ما يستهوينا في الأجنبي هو صوته في غير لغتنا، هو رنينُ ما ليس فينا. لعلّه إحدى ردّات الفعل على الاستعلاء اللغوي العربي منذ القرآن. جُعلتْ العربيّة فوق جميع الألسن حتى قال الإمام الشافعي: «أصحاب العربيّة جنّ الإنس، يبصرون ما لم يبصر غيرهم». لعلّه، إضافة إلى ما زرعته الاحتلالات والاستعمارات من مواد اقتلاع الجذور والاستلاب، وجه من وجوه الثورة على التحنيط. الهرب من المقدَّس إلى الغريب، الهجرة من الذات إلى أرضِ ذهبِ الآخر.
    ... وحين نقوّم واحدنا الآخر، غالباً ما نجلس في المجاملة أو نستسلم لنزوات الغيرة وباقي الحساسيات. قلّما استطاع أحدنا أن يكون غريب الآخر، بمعنى التطلّع المدهوش إليه واكتشافه لا بمعنى إدارة الظهر له. يجب أن نتمكّن من ذلك وأن يصبح واحدنا غريب الآخر جامعاً بين مفارقتين هما صرامة الصدق وتوهّج الصدق أيضاً.
    كنتُ أطالع عن أحد الأدباء فهالني مقدار التبجيل كما هالني مقدار التأفّف. سطور معدودة أنصفت الرجل، في حدود النزاهة، بلا مبالغة. يجب أن نتوقّف عن اعتبار الآخر موضع مسايرة أو هَدَفاً للإسقاط. هناك بينهما الحقيقة. أو على الأقل البحث. البحث لا عن مكان آخر للذات بل عن مكان للآخر.


  • مفتون المعجبين بأنفسهم


  • كان الرجل يُعجب بالمعجبين بأنفسهم. ربما لأنهم يشدّونه إلى أتواقه. من هتلر إلى ربّ العمل. توالى عليه أرباب عمل عديدون لم يجد ضالته إلاّ في أشدّهم عبادة لنفسه. وكان يُغضي عن عيوب هؤلاء مشروقاً إليهم كلّما «انثنوا تيهاً» على قول حافظ إبراهيم.
    غير أن غرورهم وحده لم يكن هو ما يبهره بل الإشعاع الفيزيكي لشخصيّاتهم. مغناطيس كان الرجل حساساً حياله ولا تعود سخريته نفسها ـــــ وقد عُرف بها ـــــ فعّالة ضد كهربائه.
    رجلٌ بهذا الضعف أمام الآخر النرجسي ذي الشخصيّة الكاريزماتيّة لا يُمثّل شذوذاً في المجتمعات البشرية، بل هو الأكثريّة الساحقة. ولولا هذه الأكثرية لما انوجد زعماء ولا أرباب من أي نوع كان. لكن الرجل، على تواضعه، كان، بحكم عمله، كبير التأثير. موجعٌ إذا عارض جارفٌ إذا أُعجب، ولديه قدرة عجيبة على خَلْق المعجبين بمَن يُعْجب هو بهم. وكنت أنا واحداً من هذا الرهط الذي حبّبه بالذين أحبّهم.
    ... حتّى حصول ما يُبدّد الأوهام. ولا مفرّ منه، وإن يكن، غالباً، بعد فوات الأوان. ولعلّ عزائي الشخصي كصديق للرجل هو أنه ظلّ على أوهامه حتى انطفائه. أو هكذا أوحى إليّ. وربما كانت هذه أيضاً من شِيَمه: أن لا يقول خيبته حتّى لا يمزّق غشاوة الطيبة عن عيون بريئة.
    لكن العلاقة بالانخداع ليست واحدة عند الجميع، وحكايتها حكاية الحياة نفسها، وحكاية جميع الأسرار.


  • الهُنَيهة؟ المُطْلَق؟


  • يُقال عن الكُتّاب الذين يعالجون قضيّة الزمن، وخاصة في القصة والشعر، إنهم يبحثون عن المُطْلَق. على افتراض أن الخَلْق الفنّي محاكاة للخَلْق الإلهي، حيث الأبد قاعدة جَرَحَتْها الخطيئة، فعُلّقت بانتظار... ما وراء الموت.
    ويقال هذا أيضاً، بنسبة أو بأخرى، عن غاية الفنون جميعاً، وعن بعض المذاهب المتفاوتة بين منتهى التهتّك وأقصى التصوّف.
    هناك خَلْط يحصل بين الشيء وعكسه، فيؤخذ الأبد على أنه اللحظة وتؤخذ اللحظة على أنها الأبد. «كوقعِ الهنيهةِ في المطلقِ» تقول قصيدة سعيد عقل في «رندلى»، بغية إيحاء الروعة الكبرى. ولكنْ ما وَقْعُ هنيهةٍ في شسوع المطلق؟ لا شيء، إلّا أنْ يكون الأصغر هو ما يُكرّم الأكبر، إلّا أن تكون اللحظة المحترقة هي ما يُنوّر الدائم الكثيف.
    يُخيّل إلينا أن مَنْ نظنّهم صيّادي مُطْلَق هم على الأرجح منتحرو نشوات. هذه هي ترنيمتهم الساحرة التي لا يتوقّف لحنُها عن فَتْن أرواحنا. رضاهم بسكرات عابرة يبدو لنا خَطْفُها أعظم من التاريخ. لأنّها هي حقّاً هكذا.
    هؤلاء لم يبحثوا عن المطلق بل عن شبابيك يَفرّون منها. مَنْظرهم وهم يطلّون برؤوسهم منها هو ما نطلق عليه اسم المُطْلَق.

    يا شحّاذ التهرّب، العضّة التي تأكل قلبك هي الطمع. تُهرول كمَن انتهت بطاقات إعاشته. لا تحسب أنّك تستعطي الديمومة، بل أنتَ تستعطي انطفاءً مخدّراً.
    لا الجمال كان جمالاً ولا الحبّ حبّاً. كان ذلك هو الهدير وليس الماء، الصورة لا داخل الصورة، الإطار لا جوّاة الإطار. على الأكثر، الجدار الذي يمكن أن تعلّق عليه إطاراً سيظل ينتظر ما يملأه.
    شحّاذ لأنّ روحــــــكَ مثقوبـــــــة لا لأنّ جسدك جائع.

    ما دام أن الوقت هو أبكر ممّا تظنّ وأكثر تأخراً ممّا تظنّ، فما الفرق بين الأمس واليوم؟
    نحن هـــــــم الـــــــــزمن، مثلمــــا الرغيف هو القمــح والقمح هو التراب والتراب هو الموت والموت هو الحياة.
    نحن هم الزمن؟ ومَن هو أولاً: نحن أم الزمن؟
    «الزمن طفل» يقول هيراقليط.
    ونحن الذين يَكْبرون نيابةً عنه...