عمر نشابة


منذ الأول من تشرين الأول 2004 تعرّض لبنان لـ24 هجوماً إرهابياً فيما لم تتمكّن القوى الأمنية من كشف المرتكبين وتوقيفهم وإحالتهم الى المحاكمة. واللافت في الهجومين الارهابيين الأخيرين هو استهداف الأول النائب الشهيد وليد عيدو في مكان يبعد بضعة أمتار عن ثلاثة مراكز عسكرية وأمنية هي الحمام العسكري ومركز للجيش في محاذاة طلعة الـ«دبيبو» ومركز لقوى الأمن في «ملعب النهضة». أما الهجوم الأخير فاستهدف قوات اليونيفيل العاملة في جنوب لبنان وهي مجهّزة عسكرياً بأحدث الأسلحة والعتاد. يعني ذلك أن الإرهابيين متفوّقون على القوى الأمنية اللبنانية من الناحية اللوجستية ولجهة جمع المعلومات عبر آليات رصد ومراقبة. والأرجح أن الإرهابيين درسوا مكامن الضعف التي تشلّ عمل القوى الامنية والعسكرية اللبنانية. كذلك فشل أجهزة التحقيق اللبنانية، رغم مساعدة لجنة التحقيق الدولية ورغم الدعم الشعبي والعربي والدولي لها، في مهمّة رفع الأدلّة الجنائية من مكان وقوع الجرائم بدقة وفاعلية، يشجّع الإرهابيين على عدم التردّد في مهاجمة اهداف في أكثر المربّعات الأمنية تشدّداً.
إن فشل الأجهزة الأمنية في حماية الناس دفع عدداً من السياسيين إلى مغادرة لبنان. بينما عدد الهجمات الإرهابية التي استهدفت سياسيين ونوّاباً هو أقلّ من ثلث عدد الهجمات التي استهدفت المواطنين وأرزاقهم. فهل من المناسب، في المفهوم الديموقراطي الجمهوري، أن تُعدّ حياة النواب أغلى من حياة الناس العاديين. وهل مقبول أن يفضّل بعض نواب البرلمان المنتخبين من الشعب، أمنهم الشخصي على أمن ناخبيهم فيتركوهم ليتعرّضوا لهجمات إرهابية ويرحلوا؟ وهل يقبل الناخبون بذلك ويطلقون هتاف «بالروح بالدمّ نفديك يا زعيم!» مثلما هو معتَمَد في الأنظمة الاستبدادية التي يدّعون مواجهتها؟
إن اتخاذ نواب الموالاة وسياسيي 14 آذار والوزراء إجراءات أمنية مشدّدة أمر ضروري خصوصاً بعدما طالت الهجمات الإرهابية نواباً وسياسيين وإعلاميين منتمين إليها. ولا بدّ من تفعيل كلّ الجهود للحؤول دون نجاح الإرهابيين في القضاء على مسؤولين سياسيين ونواب ووزراء. لكن مبادئ الديموقراطية والمساواة تقتضي حماية المواطنين العاديين من الموت بقدر ما تقتضي حماية المسؤولين السياسيين والنواب والوزراء. وليس المقصود بذلك عدم مغادرة المسؤولين السياسيين لبنان في هذه المرحلة، فهناك دواعٍ أمنية حقيقية قد تجبرهم على ذلك. (فمثلاً لو لم يعد النائب والزميل الشهيد جبران تويني من السفر لربما نجا من الموت). بل المقصود هو ضرورة معالجة التقصير الفادح والفشل الذريع لحكومة فؤاد السنيورة في اصلاح الاجهزة الامنية والقضائية وتطوير إمكاناتها وقدراتها على الحماية والتحقيق والوقاية. فحكومة السنيورة أخفقت في تطبيق ما ذكره بيتر فيتزجيرالد في تقرير لجنة تقصّي الحقائق لجهة اصلاح المؤسسات الامنية وتقويم قدراتها الامنية والعسكرية. كذلك أخفقت تلك الحكومة في معالجة الوضع الأمني المتردّي وطمأنة الناس والتواصل معهم.
إذ لا بدّ من أخذ احتياطات أمنية مشدّدة لنواب ووزراء وسياسيين بما في ذلك تسفيرهم المؤقّت الى الخارج، لكن على الحكومة أن ترفق تلك الاحتياطات بجهود فعّالة ومدروسة لحماية المواطنين وأرزاقهم من الإرهاب. ومن المفترض أن يتركّز عمل السلطة الإجرائية المعنية بالأمن على أربع نواح أساسية.
تطبيق مذكّرات التوقيف القضائية
علمت «الأخبار» أن الأجهزة الأمنية تتخلّف عن تطبيق الأوامر الصادرة عن قضاة التحقيق والقضاة المنفردين، وذلك في ما يتعلّق بالتبليغات القضائية وتنفيذ مذكرات التوقيف. وشكا عدد كبير من القضاة من ذلك الأمر وذكروا أمثلة تشير إلى وجود المطلوب للتبليغ في عنوان معيّن بينما تحجّجت القوى الأمنية بعدم وجوده في المكان للحؤول دون تبليغه. واللافت أكثر من ذلك هو تمنّع القوى الامنية والعسكرية عن تطبيق عدد كبير من مذكّرات التوقيف الصادرة بحقّ عدد من المتهمين بجرائم خطيرة بما فيها القتل والتعدّي على القوى الامنية والعسكرية وتأليف عصابات إلخ.
تطوير المهارة البوليسية
إن القوى الأمنية تعاني نقصاً في مهارة عدد كبير من عناصرها وضباطها. ولا بدّ من معالجة هذا النقص عبر تحسين معاهد التدريب وتطويرها، وتخصيص ميزانية خاصّة لهذه الغاية من خزينة الدولة. وفي ما يتعلّق بالشرطيين المتعاقدين فلا بدّ من إخضاعهم لدورات تدريب وتوجيه في المعاهد ولو كان ذلك بدوام جزئي. أما ما يتعلّق بقدرة الشرطة على جمع المعلومات، فلا بدّ من اعتماد منهجية استخبارية حديثة بعيداً عن الاساليب الكلاسيكية المتخلّفة، خصوصاً خلال الاستنطاقات.
التحقيق المحترف في الجرائم
ليس صحيحاً أن القوى الامنية لم يكن لديها الوقت الكافي، منذ خروج الجيش السوري من لبنان، لتطوير قدرتها التقنية وخبراتها البشرية في مجال التحقيقات الجنائية. ففي فترة 26 شهراً ومع الدعم الدولي والأممي والعربي والحكومي المادي والمعنوي كان من المفترض تجهيز فريق التحقيق وتطوير قدراته بشكل يمكّنه من ادارة مسرح الجريمة باحتراف.
أما ما يتعلّق بالمختبرات الجنائية، فكانت الحكومة الألمانية قد زوّدت الشرطة اللبنانية مختبر الحمض النووي DNA لكن ذلك المختبر تنقصه سوائل ومعدّات لم توفّرها الدولة اللبنانية رغم كلفتها البسيطة (مقارنة بكلفة تجهيزات المختبر). ويُذكر أن الشرطة تحتاج أيضاً الى مختبر خاص بالسوائل والسموم Toxicology ومختبر آخر لدراسة الطلقات النارية والمتفجرات Firearms, ballistics and explosives. وهذه المختبرات غير متوافرة في لبنان.
التحقيق الجنائي في جرائم القتل لا يكتمل بدون تقارير أطباء شرعيين يتمتعون بالكفاءة ومجهّزين بمشرحة جنائية متطوّرة. إن معظم الأطباء الشرعيين في لبنان لا يتمتّعون بالكفاءة المطلوبة، كذلك المشرحة الخاصّة بالطبّ الشرعي غير متوافرة ولم تقم الحكومة بأية مبادرة اصلاحية في هذا الإطار.
أما في ما يتعلّق بإدارة مسرح الجريمة، فيلاحظ المراقبون تعدّد الأجهزة الامنية التي تقوم بالتحقيق، الأمر الذي يؤدي إلى حالة من الفوضى وتدمير غير متعمّد لعدد من الأدلّة خصوصاً المجهرية منها. ولم تقم الحكومة بأي جهد لتوحيد أجهزة التحقيق وحصر رفع الأدلة بجهة متخصّصة.
التواصل مع المواطنين
بعد كلّ من الـ 24 هجوماً إرهابياً التي طالت لبنان لم تدعُ القوى الأمنية المواطنين الى التنبّه كما فعل رئيس الحكومة البريطانية غوردن براون بعد عثور الشرطة البريطانية على سيارتين مفخختين وسط العاصمة لندن، ولم يطمئن المسؤولون اللبنانيون المواطنين ويعلموهم أن الدولة تسيطر على الموقف بشكل مسؤول ورصين. إن دعوة المواطنين الى التنبّه هي مناشدتهم للتعاون مع الشرطة في كشف الإرهابيين. فمن المفترض تعميم ارشادات معيّنة على المواطنين تتعلّق بالأشياء والاشخاص الذين ينبغي وصفهم للشرطة بعد وقوع الهجوم الارهابي.