جان عزيز


ما الذي جعل لهجة بكركي حيال المنظومة الحريرية تبلغ حداً لامس كسر الجرّة، كما ظهر في بيان مجلس المطارنة الموارنة يوم الأربعاء الماضي؟
مطّلعون على أجواء الصرح، يتجنّبون التحليل والتأويل، ويكتفون بعرض الوقائع التي يدركون أن تردّداتها تسكن صالون بكركي منذ فترة.
أولاً في المسألة الأمنية، بات معروفاً أن مراجعات عدّة قد بلغت أسماع البطريرك الماروني، لجهة أوضاع المؤسسات الأمنية والعسكرية في البلاد، كما آلت إليها في ظل نهج المنظومة الحريرية. فهناك إهمال مؤسسة الجيش عدّةً وعديداً، و«المفاضلة» الحاصلة حيال بعض قطع قوى الأمن الداخلي. لكنّ الأهم أن هذا النهج التمييزي لم يوصل إلى إيجابيات أمنية، بل إلى العكس، في ظل غمز كثيف محلي ودولي، من قناة بعض جماعات المنظومة الحريرية، في مسائل أمنية دقيقة وخطيرة.
وشهد صالون بكركي في الأيام التي سبقت صدور بيان الأربعاء كلاماً إضافياً في هذا المجال، تناول القضايا الآتية:
1 ـــــ إلا مَ انتهت فعلياً «المناصفة» في تعاقد قوى الأمن الداخلي، التي بدأت بـ2938 متعاقداً مسلماً ومثلهم للمسيحيين، وكيف رست بعد نحو 7 أشهر على بدايتها؟ وذلك في ظل حديث عن استقالة عدد كبير من المسيحيين، وبقاء العدد الأكبر من محسوبي قوى السلطة من كل الطوائف.
2 ـــــ يعزّز هذا التساؤل ظاهرة انتشار عناصر بلباس مدني على حواجز قوى الأمن الداخلي، تكتفي بشارة رسمية على الذراع، لا تخفّف عموماً من الطابع الانتمائي المحلي الضيّق لهؤلاء، وفق انتشار الحواجز المذكورة. وكان صالون بكركي مراراً مسرحاً لتساؤلات حيال هذه الظاهرة وخلفياتها ومحاذيرها، كما لأقوال عن إشكالات سبّبتها والتباسات نتجت منها في أكثر من منطقة.
3 ـــــ قضية انتشار عناصر من قوى الأمن الداخلي على الحدود الدولية الشمالية للبنان، في خطوة تثير التساؤل لجهة دور الجيش واحترام القوانين المرعية، كما لجهة النتائج السياسية المرتقبة لهذه الخطوة، من تأزيم أكبر للوضع القائم.
محصّلة هذه النقاط الأمنية، هي ما حضر في بيان المطارنة في بند «التعاقد»، ولذلك فإن «التوضيح» الجزئي من المعنيين، قد لا يكون كافياً.
ثانياً في المسألة العقارية، التي عبّر عنها البيان بالكلام عن بيع الأراضي لغير اللبنانيين. في هذا المجال تفيد معلومات المطّلعين أنفسهم أن أحد الأساقفة البارزين، يعكف منذ مدة على إعداد تقارير دورية عن البيوعات العقارية في بعض المناطق ذات الحساسية العالية، أو ذات الأهمية «الاستراتيجية». وإن هذه التقارير تتسم بالدقة، وخصوصاً أنها تستند إلى مسوحات عقارية رسمية. وذكر أن التقرير الأخير في هذا المجال جاء مقلقاً، وتضمّن الرقم الذي أورده بيان المطارنة.
غير أن همساً آخر تردد في المجال نفسه، ومفاده أن ما رفع سقف الحساسية البطريركية على هذا الصعيد، هو الكلام عن مساحات عقارية كبيرة اكتُشفت أخيراً في منطقة عكار، وهي مسجّلة لمصلحة جهات روحية لبنانية، بينما تعود ملكيتها الفعلية إلى أشخاص فلسطينيين. وكانت الطامة هنا، ما تردد أيضاً عن اتجاه المنظومة الحريرية إلى بيع عقارات تعود إلى الدولة، للجهات الروحية نفسها، رغم عدم وجود أي حاجة أو تبرير لذلك، بما يزكّي الخوف من التملّك الفلسطيني المقنّع والقائم خلف هذه الخطوات.
واللافت كما يذكر المطّلعون أيضاً، أن جهات فلسطينية معروفة، ومناهضة فعلاً لأي توطين ملتوٍ أو مستتر، هي مَن أطلع بكركي على هذا الأمر. ما جعل صدقيّة القضية كبيرة، وأعاد إلى الأذهان كل سوابق المنظومة الحريرية في هذا المجال، من القريعة إلى شرق صيدا. والأهم أن هذه المسألة الشمالية، تكتسب اليوم بُعداً خطيراً في ظل أحداث المخيمات الفلسطينية هناك، وخروج لاجئيها منها واحتمال عدم عودتهم إليها.
تبقى ثالثاً المسألة التربوية، وهي ملف قائم بذاته ويحظى بأولوية بطريركية قصوى. ذلك أن بكركي ترى أن هناك حرباً فعلية ومستورة تُشنّ على قطاع التربية لدى المسيحيين. ولا ينتهي تعداد أوساط الصرح للأمثلة في هذا المجال: الوزارة ولجنة التربية النيابية والجامعات الخاصة المستحدثة ولجنة المعادلات أخيراً وصندوق المعلمين قبلها وفعل المال والسلطة بعدها وفي كل لحظة. لذلك، وما إن أثير موضوع معاهدة حقوق الطفل في الإسلام، حتى دُق ناقوس الخطر في بكركي، على خلفية سابقة منظمة العلوم والتربية والثقافة الإسلامية (إيسيسكو). ذلك أن رفيق الحريري حاول إمرار انضمام لبنان إلى المنظمة المذكورة في تشرين الأول 2003. وبعد رفض مسيحي عارم، تراجعت حكومة الرئيس الراحل وسحبت مشروع الانضمام من المجلس النيابي. لكن الفضيحة أنه اليوم لا يزال اسم لبنان مدرجاً على لائحة المنظمة نفسها في الرباط، ولا تزال بعض المؤسسات اللبنانية، ومنها مؤسسة الحريري، ترتبط بها عبر بروتوكولات تعاون، وهي المنظمة التي تعمل «استجابةً لتطلّعات الأمة الإسلامية» ومن أجل «إضفاء الصبغة الإسلامية على كل مظاهر الفن والثقافة والحضارة"...
هكذا يفهم استنفار بكركي، وينتظر أن يستمر.