نقولا ناصيف


قبل أن يذهب مشاركو الصف الثاني ممثلو الأقطاب اللبنانيين إلى مؤتمر الحوار الوطني، في سان كلو في ضاحية باريس، اتفقوا على تقليل أهمية ما يُنتظر من أعماله. ولا يعبّر هؤلاء عن حماسة مشتركة حيال انعقاد المؤتمر، إلى حدّ أن مواصفات بعض الأسماء التي رُشّحت للذهاب إلى العاصمة الفرنسية، هي مواصفات صالحة إما لتخريب أعمال المؤتمر بتصعيد لهجة التخاطب، وإمّا لتمييع مغزاه. وفي الحالين سينشر المؤتمر الغسيل اللبناني على سطوح باريس، نظراً إلى وطأة الانقسامات الداخلية على كل الملفات تقريباً، وعلى ترتيب أولويات الحوار المقطوع.
لكن دلالات مثيرة للانتباه تسبق انعقاده، وتكمن في ملاحظات توردها مصادر دبلوماسية معنية:
أولها، كلام منسوب إلى دبلوماسي فرنسي رفيع مفاده أن حكومته تعتقد أن لبنان أضحى على حافة الانهيار، ولا بد من عمل ما، داخلي وخارجي، للحؤول دون انزلاقه إلى الهاوية. ورأى الدبلوماسي الفرنسي أن نجاح المؤتمرين في التوصّل إلى نتائج إيجابية يغنمه اللبنانيون والدبلوماسية الفرنسية معاً، لكن فشلهم سيكون لبنانياً صرفاً ويترتب عليهم، هم، حمل وزر أكلافه.
ثانيها، أعدّت الحكومة الفرنسية ترتيبات خاصة للمشاركين في مؤتمر باريس، وسيكونون أشبه بركاب قاطرة فرنسية هي التي تحدّد، لأسباب أمنية متشددة، نطاق تحرّكهم. سيُدعون إلى حضور الاحتفال العسكري الرسمي في ساحة الشانزيليزيه يوم 14 تموز، الذي يترأسه للمرة الأولى الرئيس نيكولا ساركوزي. ثم يُنقلون إلى المكان الذي سيعقدون اجتماعاتهم فيه، في سان كلو، ويُتركون لأنفسهم في إدارة حوارهم.
وبحسب ما تلمّح إليه مصادر دبلوماسية معنية، فإن تفاهماً فرنسياً ـــــ أميركياً، إبان زيارة وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس لباريس في حزيران الفائت وبعدها في الاتصالات الثنائية، تركّز على هذا الجانب. وهي إشارة صريحة إلى عدم رغبة واشنطن، في الوقت الحاضر، في تحميل مؤتمر الحوار أكثر مما يحتمل، ولا إدخال أي تعديل جوهري على توازن القوى السياسي القائم حالياً والذي يرجّح كفة قوى 14 آذار على المعارضة. ولذلك لا يعدو انعقاد المؤتمر كونه محاولة متواضعة ومحدودة الفاعلية والنتائج. إنه محاولة لبعث حرارة فاترة، متأخرة، في علاقات الأفرقاء وحوارهم، من غير أن يكونوا مفوضين اتخاذ أي قرار، ومن غير أن يتحدثوا في المشكلتين المتلازمتين اللتين تمثلان الانهيار والحل معاً: تأليف حكومة وحدة وطنية والاستحقاق الرئاسي.
ثالثها، أياً تكن النتائج التي يمكن أن يخلص إليها المجتمعون في سان كلو، فثمة رابح فعلي واحد ـــــ وقد يكون وحيداً ـــــ من مؤتمر باريس هو حزب الله. والمكسب الذي يرجّحه الحزب يتعدّى المؤتمر إلى فتح قنوات اتصال علنية ومباشرة مع الإدارة الفرنسية. وهي المرة الأولى التي يزور فيها مسؤول حزبي، وزير وقيادي، باريس حاملاً معه صفة انتمائه إلى حزب الله. في حين أن زيارات سابقة للعاصمتين الفرنسية والأميركية قام بها الوزير طراد حمادة برّرها الفرنسيون والأميركيون بأنهم استقبلوا وزيراً قريباً من الحزب لا وزيراً حزبياً، وأن المداولات معه لم تكن تتخطّى نطاق مسؤوليته الوزارية، الأمر الذي أتاح حواراً بين فرنسا والحزب، في عهد الرئيس جاك شيراك، لم يوحِ ببناء علاقات ثنائية رسمية ومباشرة. فضلاً عن حوار غير علني غالباً ما دار في بيروت في الأعوام الأخيرة بين السفير الفرنسي برنار إيمييه والوزير محمد فنيش ومسؤول العلاقات الدولية في الحزب السيد نواف الموسوي الذي يمثل صلة وصل غير علنية مع السفارة الفرنسية.
تالياً يفتح اجتماع وفد الحزب بساركوزي في مقر اجتماع الممثلين اللبنانيين صفحة جديدة في علاقات الطرفين، أولى إشاراتها دخول وفد حزب الله الأراضي الفرنسية.
رابعها، خلافاً للموقف الأميركي من حزب الله إذ تعتبره واشنطن منظمة إرهابية، تقارب الإدارة الفرنسية الجديدة العلاقة معه على نحو جدي وبالغ التعقيد في آن واحد. لم تتخلّ باريس عن انتقاد الجانب العسكري في حزب الله وسلاحه الذي يقف عقبة في طريق استعادة الحكومة اللبنانية سيطرتها وسيادتها على أراضيها، وفي الوقت نفسه لم تنظر إليه على أساس أنه منظمة إرهابية. بيد أن هذا الموقف الذي رافق السياسة الخارجية لشيراك حيال لبنان والحزب في السنوات الأخيرة، وخصوصاً بعد عام 1996 مع الدور الحيوي لباريس في وضع «تفاهم نيسان» بين حزب الله وإسرائيل، طرأت عليه معطيات جديدة ودقيقة تنبّه إليها الرئيس السابق ويعدّها الرئيس الحالي تحدياً جدياً له، هو أن السلطة غير الرسمية الوحيدة في جنوب لبنان هي لحزب الله.
الأمر الذي يحمل باريس، كي تحمي جنودها والجنود الأوروبيين والقرار 1701، على تأكيد حاجتها إلى فتح حوار خاص مع الحزب، أكثر تقدّماً من ذاك الذي خبره إيمييه مع فنيش والموسوي. أضف أن الدبلوماسية الفرنسية وسلسلة مواقف لقادة الوحدة العسكرية الفرنسية في الجنوب انطلقت خلال سنة من مباشرة تطبيق القرار 1701، من كون الحزب لم يستعرض سلاحه جنوب الليطاني، ولا هرّبه إليه من الحدود مع سوريا، ولا اشتبك مع الجنود الفرنسيين والدوليين، ولا هاجم إسرائيل من الخط الأزرق. بل لاحظت الدبلوماسية الفرنسية أن الحزب، إعراباً عن تأييده للقرار 1701، كان يوعز إلى رؤساء بلديات القرى التي يسيطر عليها، وتمثّل غالبية قرى جنوب الليطاني، المشاركة في الاجتماعات التي كانت تدعو إليها وحدات القوة الدولية تأكيداً للتعاون والتنسيق بين الطرفين.
خامسها أن الحوار الأميركي ـــــ الفرنسي الأخير انتهى بما يشبه مقايضة أولويات بين الدولتين الكُبريين. قبلت واشنطن بانفتاح باريس على حزب الله، وتشددت في رفض فتح أبواب حوار فرنسي ـــــ سوري كان من الممكن أن يباشره السفير السابق والرئيس السابق للإدارة العامة للأمن الخارجي جان كلود كوسران عندما زار بيروت في 10 حزيران، وكان يُعدّ لزيارة دمشق وطهران. أُلغيت الأولى وتحقّقت الثانية. في خلاصة التفاهم أيد الأميركيون رعاية الفرنسيين حواراً عائماً على سطح الماء لا يُخلّ بالتوازنات الداخلية، ولا يُضعف قوى 14 آذار التي استجابت دعوته مرغمة.
كان الثمن المقابل للتنسيق الأميركي ـــــ الفرنسي حيال لبنان، أن أطلق ساركوزي موقفين متلاحقين أعاداه عن الاستدارة البطيئة التي كان قد بدأها غداة مباشرته صلاحياته الرئاسية: إقفال أبواب الحوار مع سوريا قبل أن تُفتح، وتأييده قوى 14 آذار.
على أن الحوار الجديد مع حزب الله يعيد فرنسا، وإن ببطء أكبر، إلى فكرة حاجة دبلوماسيتها إلى استدارة على الأفرقاء اللبنانيين جميعاً.