عمر نشابة


انفجار أول من أمس في كسروان راح ضحيته الشهيد بيار الدهني وثلاثة جرحى، وأدى الى خراب كبير في الأملاك الخاصّة والعامّة. ولا شكّ في أن هذا الانفجار دليل إضافي على إخفاق الأجهزة الأمنية في مهمة حماية المواطنين. الشهيد بيار يضاف الى لائحة طويلة من الشهداء تضمّ مواطنين وسياسيين ووزراء ونواباً وإعلاميين، سقطوا جميعاً منذ الأول من تشرين الاول 2004. ومنذ ذلك التاريخ الذي سجّل محاولة اغتيال الوزير والنائب مروان حمادة وراح ضحيتها الشهيد غازي أبو كرّوم، سقط 42 شهيداً و426 جريحاً.
صباح أمس فتح المواطنون الصحف ليقرأوا سلسلة من الأخبار المتناقضة عن التحقيقات الأمنية والقضائية على جاري العادة بعد كلّ حادث يهزّ البلاد. فبعض الصحف نقل عن مصادر أمنية أن الارهابيين كانوا يعملون بإشراف ضباط سوريين، وبعض آخر قال إن خلايا تابعة لتنظيم «القاعدة» تقف وراء التفجيرات والاغتيالات ويديرها أصوليون إسلاميون من مختلف الجنسيات. وذكر بعض الصحف أن التحقيقات تدلّ على ترابط بين الانفجارات التي حصلت منذ اغتيال الحريري. بينما تميّز صحف أخرى حلقة التفجيرات الخمسة الاخيرة التي وقعت في الاشرفية وفردان وعاليه والبوشرية وآخرها في الزوق أول من أمس، عن سابقاتها. وغيرها الكثير من الأخبار التي تضيّع المواطن الذي يقرأ أكثر من صحيفة وتُشعِر قرّاء الصحيفة الواحدة بالنقص في المعلومات أو «التوهم» في أسوأ الحالات.
خلفية التناقضات
ما هو سبب التناقضات في الأخبار الأمنية والقضائية وخاصة الأخبار التي تتعلّق بالتحقيقات الجنائية؟ من المفترض أن يتضمّن الجواب تذكيراً بالانحياز السياسي للصحف المحلية، عن حقّ أو عن باطل. فالصحف التي يعتبرها الناس منحازة للموالاة ترى أن البلاد تتعرّض لمؤامرة أمنية سورية وربّما إيرانية، وأن الخلل الامني الحاصل هدفه ابتزاز المحكمة الدولية وإلغاء انتخابات رئاسة الجمهورية المقبلة. ولا بدّ أن يكون محرّرو تلك الصحف مقتنعين اقتناعاً كاملاً بأن النظام السوري هو من اغتال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وأن يكون ذلك الاقتناع قد ترسّخ في أذهانهم منذ اللحظات الأولى التي تلت انفجار 14 شباط 2005 وقبل ساعات من انطلاق التحقيق المحلّي، وأشهر من انطلاق التحقيق الدولي، وسنوات من انطلاق عمل المحكمة. وبغضّ النظر عن نتيجة التحقيقات والمحاكمة وإذا كانت ستثبت تورّط السوريين أو عدم تورّطهم، يقلّل استباق التحقيق من احترام منهجية العدالة الصحيحة.
أمّا الصحف التي يعتبرها الناس منحازة للمعارضة، فنادراً ما تتضمّن إشارة إلى احتمال ضلوع النظام الأمني السوري في عملية اغتيال الحريري والإرهاب الذي يستهدف البلاد. وينطلق محرّرو تلك الصحف من اقتناعهم بأن كلّ ما يحصل في لبنان من إرهاب وترهيب يخدم مصالح إسرائيل التي تعاني من هزيمتها أمام المقاومة اللبنانية. ولا يخفَى أن المقاومة تلقت في السابق دعماً عسكرياً من «العمق العربي» المتمثّل بسوريا. ويتمسّك المثاليون من هؤلاء الصحافيين بمبدأ أن كلّ شخص ينبغي أن يُعدّ بريئاً حتى تثبت إدانته أمام المحكمة العادلة. لكن التمسّك بهذا المبدأ يُعد انحيازاً في ظلّ الاحتقان الداخلي السائد.
«المصادر» عوض «المتحدّث الرسمي»
على كلّ حال، إنّ ما يدفع الصحف لنقل أخبار عن التحقيقات الامنية والقضائية، نقلاً عن مصادر متابعة، هو غياب متحدّث رسمي باسم الاجهزة الامنية الرسمية اللبنانية كافّة. ورغم التطمينات التي أُعلن عنها أخيراً عن تنسيق تام وكامل بين كلّ الاجهزة الامنية، تنقل الصحف عن مراجع أمنية مختلفة وجهات نظر متباينة لا بل متناقضة أحياناً. فهل تعمل «فتح الاسلام» بإشراف المخابرات السورية؟ أم هي تعمل لمصلحة «القاعدة»؟ أم الاثنان معاً؟ أم هي تعمل لحساب جهة ثالثة بالتنسيق مع جهة رابعة؟ فتّشوا في الصحف اللبنانية تكتشفوا عشرات الأجوبة... وجميعها نقلاً عن مصادر أمنية أو قضائية «موثوقة»!
إن غياب متحدّث رسمي باسم الجهات المسؤولة عن أمن المواطنين التي تتبع لوزارتي الداخلية والدفاع بإشراف النيابات العامّة التابعة لوزارة العدل، يقلّل ما بقي من ثقة الناس بالدولة. وليس المطلوب ظهور وزير الداخلية أو المدير العام لإحدى المؤسسات الأمنية ليُعلن كشف مجموعة إرهابية تعمل لحساب المخابرات السورية كما حصل في 13 آذار الماضي دون اتخاذ قرارات جدية بتوقيف جميع أفراد المجموعة ودون التوصّل الى أدلّة أكيدة تسمح بمقاضاة الجهات الخارجية والداخلية التي تُتهم بالوقوف وراء التفجيرات، بل المطلوب ان يطلّ على المواطنين ضابط أمن يتمتّع بالكفاءة العسكرية والبوليسية ويعلمهم عن سير التحقيقات والجهود المبذولة لكشف الجرائم دون الدخول في تفاصيل تخالف مبدأ سرية التحقيق ودون تسمية المشتبه فيهم واتهامهم بطريقة غير مسؤولة وغير دقيقة بحسب المعايير المهنية.
انحياز المؤسسات الأمنية؟
إن تعيين متحدّث رسمي باسم جميع المؤسسات الأمنية المعنية بأمن الناس قد تعترضه عقبات سياسية جدية. فمن الصعب اقتناع فريق الموالاة من جهة وفريق العارضة من جهة اخرى بمتحدّث رسمي لا يتّفق مع توجهاتهما، فيما تروج معلومات كثيرة بين المواطنين عن انحياز بعض الضباط الى جهات سياسية.
يُفترض إبعاد التجاذبات السياسية عن مؤسسات الدولة وخصوصاً تلك المعنية بأمن المواطنين وسلامتهم. فالجيش وقوى الأمن وأمن الدولة والأمن العام مؤسسات رسمية يحظر القانون على ضباطها وأفرادها تعاطي السياسة. إن اتّهام اشخاص أو جهات بارتكاب جرائم وتسميتهم علناً ليسا من وظيفة المؤسسات المذكورة ولا من وظيفة الوزراء والحكومة بل هما وظيفة القضاء. أمّا الإدانة فهي مسؤولية المحكمة دون غيرها. المواطنون في حاجة الى حماية مؤسسات أمنية رسمية بعيدة عن التجاذبات السياسية. فهل من يستجيب؟