جان عزيز


كل أنظار السياسيين المسيحيين، وآذانهم، وخصوصاً الموارنة منهم، ستكون شاخصة وصائخة صبيحة اليوم، إلى بكركي. الحدث ليس استثنائياً في ذاته. فهو ختام خلوة عادية سنوية دورية لمجلس الأساقفة الموارنة. غير أن السياق السياسي غير عادي. والمنتظر من الجميع أن يأتي البيان الختامي للخلوة، على ذكر التطورات الراهنة، وتحديداً على ذكر الاستحقاق الرئاسي المقبل، وما قد يسبقه أو يليه، وهذا ما يترقّبه كل السياسيين المسيحيين في لبنان، وموارنتهم خصوصاً، وكل السياسيين الآخرين عموماً.
لماذا الترقّب الاستثنائي؟ لأن الحسابات المتقابلة باتت مكشوفة ومعروفة. وحدها حسابات بكركي لا تزال مقيّدة بلغة «الختيار» المبدئية، ولا تزال بالتالي موضع تجاذب واستقطاب ومحاولات استمالة من الطرفين.
للتبسيط، تبدو الصورة كالآتي: مسيحيو السلطة يتطلّعون اليوم، وبعد إقرار المحكمة الدولية عبر مجلس الأمن، إلى انتخابات رئاسية في موعدها. ويريدون لهذا الاستحقاق أن يتم كما لو أن كل الظروف السياسية والتمثيلية والكيانية في البلاد طبيعية. فينزل جميع النواب إلى ساحة النجمة في 25 أيلول المقبل، يقترعون لمرشحيهم المحتملين. ثم يفوز في الدورة الثانية مرشحهم بأكثرية 69 صوتاً على الأقل، في حضور يفوق الثلثين المطلوبين للنصاب الدستوري.
وعلى هذا الأساس، يطالب مسيحيو السلطة بكركي بموقف واضح وحازم، يدعو النواب عموماً، وبالتالي المسيحيين منهم خصوصاً والموارنة في شكل أخص، إلى المشاركة في الجلسة وعدم تعطيل النصاب والقبول بقاعدة الأكثرية والأقلية المنبثقة من قانون كنعان ــ الحريري، الذي ولّد المجلس الحالي قبل عامين.
في المقابل، ينظر مسيحيو المعارضة إلى الوضع في شكل مناقض. فهم يرون أن المجلس النيابي الحالي أفرز تناقضاً تمثيلياً فاضحاً. فمسيحيو الأكثرية لم يحرزوا إلاّ ربع أصوات المقترعين المسيحيين. فيما مسيحيو المعارضة حصدوا ثلاثة أرباعهم الباقية. وبالتالي فإن هذا الخلل المقصود عبر القانون المذكور، الذي تكرّس في المجلس ومن ثم في الحكومة، بات أمام فرصة لتصحيحه. بحيث يفرض النظام التوافقي اللبناني أن يتم اختيار الرئيس من الأكثرية المسيحية الشعبية، كما تجلّت في انتخابات 2005، أو أن يفرض النظام الديموقراطي العام، العودة إلى صناديق الاقتراع النيابية قبل الانتخابات الرئاسية.
واستناداً إلى هذا المنطق، يطالب مسيحيو المعارضة بكركي بأن تكون منسجمة مع موقفها المعلن في 12 أيار من ذلك العام، لجهة الخلل والخطأ في التمثيل. ويطالبونها بالتالي بأن تقف إلى جانب الدعوة إلى انتخابات نيابية مبكرة، كما أكدت في ثوابتها الصادرة في 6 كانون الأول الماضي ليصار بعدها إلى انتخاب رئيس جديد، أو أن تتفهّم في حال عدم حصول ذلك، ديموقراطية المقاطعة لجلسة 25 أيلول وما قد يليها من جلسات. حتى تقبل قوى السلطة بتصحيح الإجحاف المسيحي الذي طالما أثاره الصرح.
بين الحسابين والمطلبين والمنطقين المتقابلين حتى التناقض، تقف بكركي على طريقتها. وتتشبّث لغة البطريرك باعتبارات الموقع والمبدأ والعمومية. وفي هذه الوسطية الغامضة والملتبسة، وجد الصرح لنفسه عدداً من الضوابط، أبرزها الآتي:
1 ــ حسم مسألة النصاب الرئاسي بحضور ثلثي النواب. وهو ما يزكّي كلام مسيحيي المعارضة.
2 ــ التلميح إلى أن مقاطعة جلسة الانتخاب من جانب النواب، أمر غير مستحبّ. وهو ما يلاقي كلام مسيحيي السلطة.
3 ــ الدعوة إلى انتخاب رئيس جديد يحوز أكبر قدر من أصوات النواب المقترعين، وهو ما يتخطّى خطابي الموالين والمعارضين معاً في اتجاه خيار توافقي ثالث، لا يبدو اليوم متوافراً ولا متبلوراً ولا ممكن التحقيق.
هل تكفي الضوابط المذكورة لاستيلاد الحل، وبالتالي تجنّب المجهول والمحظور؟ يبدو جواب بكركي نفسها سلبياً. وهي تدرك أن هذه المبدئيات الثلاث عاجزة عن اجتراح المعجزة المطلوبة في الأسابيع القليلة الباقية. وبالتالي فإن احتمال الوصول إلى نهاية الولاية الرئاسية في ظل عدم وجود رئيس بديل، بات جدياً. وانطلاقاً من هذا الحساب سارعت بكركي قبل أيام إلى المطالبة الجدية بضرورة تأليف حكومة وحدة وطنية. وفي خلفية هذا المطلب أن تكون في البلاد سلطة توافقية تملأ الفراغ الرئاسي، وتحول على الأقل دون الوصول إلى إرهاصات الحكومتين والرئيس غير الدستوري والمجلسين المبتسرين والوطن المشلّع.
هذا المطلب بدا أقرب في الحساب الواقعي إلى موقف المعارضة. علماً أن منطلقاته البطريركية إنقاذية وطنية بحتة. وهو ما جعل مسيحيي السلطة ينتقدونه، ويفضّلون عليه ابتزاز الصرح باحتمال الانقسام، على أن يخضعوا هم لاحقاً لابتزاز المعارضة في قواعد الاستحقاق الرئاسي، أو في عمل السلطة التنفيذية الحالّة محل الرئيس، فيما لو تعذّر إجراء الاستحقاق.
غير أن تطوراً جديداً طرأ على الصورة: التحرك العربي والدولي، والمبادرات المطروحة والتوجه الغربي وخصوصاً حيال بكركي، لمواكبة المساعي المبذولة. تطور يحمل من الآمال بقدر ما يحمل من المحاذير والقلق والمطبات قياساً إلى التجارب السابقة. كلام بكركي اليوم سيكون مؤشراً هاماً، لكن الأهم ما سيليه، وللكلام حول المسألة صلة ومتابعة.