صيدا ـــ خالد الغربي


غطت الأكاليل أسماء القضاة الشهداء المحفورة على اللوحة التذكارية، حتى ليخيّل إلى المرء مع الورود البيضاء، أن معرفة الجناة قد أينعت ولكن أين الجناة؟


مرت الذكرى الثامنة لاغتيال القضاة الأربعة على قوس المحكمة في قصر العدل بصيدا، هادئةً، على عكس الدوي الذي احدثته عملية الاغتيال في عام 1999. وكادت الذكرى أن تضيع في قاعة «الخطى الضائعة» في قصر عدل بيروت، والتي كان مقرراً أن تشهد احتفالاً بالذكرى يوم أمس، لولا أن القضاة لا يزالون أحياء في نفوس زملائهم. فصباحاً، نظفت القاعة وكان النصب التذكاري للقضاة الأربعة متأهباً في يومه، إلا أن قرار وزير العدل بتأجيل الاحتفال «الى موعد يحدد لاحقاً بسبب الظروف الراهنة» أوقف الاستعدادات المتبقية، فيما علمت «الأخبار» أن التأجيل (الإلغاء؟) يعود الى «ارتباطات بعض القضاة» وعدم تمكّنهم من حضور الاحتفال.
أما في صيدا حيث مكان الجريمة، فقد سجّل حضور خجول في احتفال رمزي بسبب «الظروف الأمنية». وحضر الاحتفال المدير العام لوزارة العدل القاضي عمر الناطور ممثلاً وزير العدل شارل رزق، والنائب العام الاستئنافي في الجنوب القاضي عوني رمضان، والرئيس الأول أكرم بعاصيري، وقلة من القضاة وممثل نقابة المحامين في بيروت المحامي محمد شهاب وعدد من أفراد عائلات القضاة الأربعة.
استياء الجسم القضائي
أما موضوع التحقيقات وملاحقة الجناة، فكان سيّد «الهمسات والعلانيات» في صيدا وبيروت. مرجع قضائي في بيروت استنكر ما يجري مع «عصبة الأنصار» (المتهم بعض أفرادها باغتيال القضاة) ورآه «عنوان يأس للجسم القضائي ودليلاً على عجز الدولة، فأكثر أعضاء «العصبة» صدرت في حقهم أحكام عن مختلف المحاكم، والآن يجري استخدامهم لضبط الأمن!». ومرجع آخر يستغرب كيف أن «أمن بعض القضاة لا يزال معدوماًً رغم متابعتهم لملفات موقوفين خطرين وإرهابيين، فهم لا يتمتعون بالحماية الامنية»، ومنهم القاضي الذي يحاكم أمامه صهر شاكر العبسي الموقوف منذ يوم تفجير عين علق.
من جهته، يأمل أحد المدعين العامين ألّا تمر الذكرى التالية للقضاة ويصبح خلالها عناصر «فتح الاسلام» قوة أمنيةً تفصل بين القوى الامنية اللبنانية ومجموعة متشددة جديدة!. أما القضاة، فتلمس حالة الاستياء لديهم مما يجري، وخاصة أن «جميع التسويات تتم على حساب دمائهم وعدالتهم» كما يقول أحدهم. ويضيف آخر أنه «رغم ما أكّده مجلس الوزراء في مقرراته عن عدم المساومة على دماء الشهداء العسكريين وإحالة المتهمين الى القضاء العسكري، يبدو أنه ساوم على دمائنا، في ظل ازدواجية لمعايير العدالة». وبين اندفاع القضاة وإهمال الدولة، تبدو الدهشة واضحة في التنسيق غير المعلن بين من قتل القضاة والاجهزة الامنية «مما يؤكد أن دم القضاة ودم العدالة أصبح رخيصاً». أمّا أحد المحامين الذي كان يقف بجانب النصب التذكاري في قصر عدل بيروت، فرأى انه من الأفضل إزالة النصب إكراماً للقضاة الشهداء «لأن قاتليهم صنفوا أصدقاء».
وفي صيدا، قال القاضي عمر الناطور كلاماً مقتضباً، استجابة لإلحاح الإعلاميين: «نتمنى الوصول الى الحقيقة. ولا يموت حق وراءه مطالب. نتابع الأحداث وإن شاء الله تتضح الحقيقة ونردّ لهم (القضاة الأربعة) حقهم، هؤلاء الذين هم من سلسلة الشهداء». أما المحامي سالم سليم، الذي أصيب في المجزرة، فقد رسم علامة استفهام بقوله لـ «الأخبار» إنه، وبعد مرور ثمانية أعوام على الجريمة، لم يتصل به أحد ليسأله: «شو شفت؟ وشو صار؟». وتساءل عما اذا كان التحقيق قد توصل الى اتهام أشخاص و«إن كانت قضية الاعتداء على العدالة لم تعد أمراً مهماً».
القضاة الشهداء
وكان مسلحون (البعض يتحدث عن مسلحين اثنين) قد نفّذوا في الثامن من حزيران 1999 جريمة مروعة ضد الجسم القضائي استهدفوا فيها اربعة قضاة جالسين على القوس، عبر نافذة خلفية لإحدى قاعات المحكمة في قصر العدل القديم في صيدا، الذي يطل على الكورنيش البحري، فأمطروهم بوابل من الرصاص. واستشهد كل من الرئيس الأول الاستئنافي في الجنوب القاضي حسن عثمان، ورئيس الغرفة لدى محكمة استئناف الجنوب القاضي عماد شهاب، ورئيس الغرفة لدى محكمة الدرجة الأولى والمستشار بالاستئناف القاضي وليد هرموش، والمحامي العام لدى النيابة العامة الاستئنافية في الجنوب القاضي عاصم أبو ضاهر. كذلك جرح خمسة من الحضور بينهم المحامي سالم سليم ورئيس قلم المحكمة كميل رحال الذي أصيب في يده وبترت أصابعه.
وفي هذا الإطار، شدد الرئيس اميل لحود على ملاحقة مرتكبي هذه الجريمة والاقتصاص منهم «في خيار ثابت ومطلب متواصل الى ان يتم ذلك»، مشدداً على مسؤولية الجميع بمن فيهم «القيّمون على الاماكن التي لجأ اليها هؤلاء».