بدأت ظاهرة تسييس التاريخ والمكتشفات الأثرية مع الحركات اليمينيّة المتطرفة في بداية القرن العشرين التي لم ينجُ لبنان منها وخصوصاً إبّان الحرب الأهلية.

ولأن هذه الظاهرة لا تزال مستمرة إلى اليوم وإن بشكل أقلّ حدة، فقد شكّلت عنوان لقاء Archaeology café الثاني الذي دعت إليه جريدة «الأخبار» يوم الخميس الماضي في مطعم L’Atelier، على طريق الشام. وكانت مديرة متحف الجامعة الأميركية في بيروت الدكتورة ليلى بدر، وأمينة متحف بيروت الوطني سوزي حكيميان ضيفَتي اللقاء وشاركتا الحضور خبرتيهما في هذا الإطار.
بدايةً عرض تاريخي لنشوء هذه الظاهرة التي انتشرت مع الحركات اليمينية المتطرفة التي كانت تحاول بشتى الطرق إثبات نظرية «العرق السليم». وقد استعمل النازيون التاريخ لهذا الغرض، وهكذا فعل شاه إيران حينما أعاد ترميم مدينة برسيبوليس الفارسية وأقام فيها احتفالاً ضخماً تقدّمه بلباس ملوك الإمبرطوريات الفارسية. واستعمل الرئيس العراقي الراحل صدام حسين الآثار أيضاً لأغراض سياسية، فأعاد بناء مدينة بابل وصوّر نفسه بثياب الملك البابلي نبوخذ نصر الذي سبا اليهود من القدس.
أما بالنسبة إلى لبنان فقد بدأ تسييس التاريخ مع الحرب الأهلية، حينما استعملت فئة من المسيحيين اللبنانيين شعار «نحن فينيقيون» لتميّز نفسها عن المسلمين. فيما استعمل بعض من المسلمين شعار «نحن عرب» ليميّزوا أنفسهم عن المسيحيين. وكان تعليق من الحضور على هذه الشعارات المضحكة والمبكية التي تجزّئ التاريخ إلى حقب وتستعمل واحدة منها لخلق الهوية المنشودة. ويتغاضى أصحاب هذه المبادئ عن الحقيقة البحتة القائلة بأن التاريخ تسلسل مراحل لا تتجزأ.
وشاركت الدكتور بدر الحضور خبرتها في هذا الإطار من خلال مقاربة أجرتها على حفريات الصرفند التي شاركت فيها بين 1970 ـــــــ 1975 وبين تنقيبات وسط بيروت. فلفتت إلى أنه «خلال الحفريات الأثرية في العاصمة، كنّا إذا ما وصلنا الى المستوى الفينيقي المعروف علمياً بالعصر الحديدي نُجابَه بأسئلة الصحافيين عن أهمية هذه الفترة وعن هوية هذا الشعب. أسئلة لم أسمعــــــــها خلال حفريات موقع الصرفند الفينـــــــيقي بامتياز الذي كانت اكتشافاته تتابَع باهتمام علمي من دون أيّ «هلع» للحصول على المعلومات مثلما جرى في بيروت».
و«جابهت» بدر هذا التهافت على النظريات المتعلّقة بالفينيقيين بالعلم، فأوضحت: «كنت أعيد تحديد مصطلح الفينيقيين في كل لقاء صحافي وأعمل على إبراز الدور الذي لعبه هذا الشعب في تطوّر الحضارات من دون أي مبالغة. وكان لذلك تأثير إيجابي جداً أعطى للحفريات وجهها العلمي. لذلك عملنا وفق المبدأ نفسه في متحف الجامعة حيث خصّصنا واجهات للتعريف بالحضارة الفينيقية وبدورها من دون أي مزايدة».
في المقابل، شرحت سوزي حكيميان كيف أن المتحف الوطني في بيروت «لا يعاني مشكلة تسييس التاريخ لأنه لايتبع لأي إيديولوجيا سياسية بل هو مكان لالتقاء كل الحقب التاريخية التي عرفها لبنان من دون استثناء وبالتوازي التام بينها وبين المواقع كلّها». أما بالنسبة إلى شبه انعدام استعمال كلمة «فينيقيين» في المتحف الوطني، فردّت السبب إلى «التقيّد بالمصطلحات العلمية البحتة التي تعرف بهذه الفترة على أنها العصر الحديدي». ويأتي ذلك في إطار الموضوعية التامة والمجردة في العمل التي يحاول المتحف الوطني التقيد بها.
وهنا كان اختلاف في الرأي بين الضيفتين إذ رأت بدر «أن للمتاحف ولوسائل الإعلام دوراً كبيراً في الوصول إلى الناس وإطلاعهم بشكل سهل على حقائق علمية للحدّ من التلاعب بالمعطيات». وشرحت كيف أنها واجهت «تسييس» مبدأ العروبة بمعرض عن تاريخ الكتابة العربية أظهرت خلاله القطع المعروضة بأن اللغة العربية كانت مستعملة قبل نشأة الديانتين المسيحية والإسلامية.
وشارك الحضور في النقاش، فكانت هناك مداخلات عن كيفية تحوّل التاريخ والآثار إلى علم بحت ما يحدّ من تسييس المعطيات المكتشفة.