strong> فداء عيتاني


حين وصلت أولى مجموعات فتح الإسلام إلى مخيم نهر البارد، استشعرت الشخصيات الفلسطينية في المخيّم خطراً قادماً إليها مع عشرات الشبان الذين قطنوا أطراف المخيم. لم تكن هذه القيادات تعرف الكثير عن شاكر العبسي أو أبو ليث أو غيرهما من الشبّان الصامتين الذين يتجوّلون في محيط المخيّم حاملين السلاح، وينتقلون أحياناً بين البارد ومخيّم البداوي، ويتلقّون زيارات من شخصيات دينية وسياسية طرابلسية من تيارات سلفية وسنّية معيّنة.
القلق الذي ساور عدداً من القيادات الفلسطينية ما لبث أن نضج بعد أسابيع من وصول هذه المجموعات العربية واللبنانية التي تبدي لطفاً تجاه أطفال المخيّم، وحرصاً في التعامل مع الفلسطينيين من أهل البارد. فطلبت القيادات الفلسطينية في المخيم اجتماعاً مع قيادة المجموعات، ولبّى الدعوة حينها شاكر العبسي ومعه بعض القياديين الشبان من حركته، يرافقهم عشرات من المسلحين الذين بقوا خارج مبنى الاجتماع.
خلال اللقاء الذي استمر ساعات، كان العبسي يقدم نفسه بصفته مقاتلاً من حركة فتح ومن سلاح الطيران فيها. خدم في ليبيا إلى أن برز انشقاق داخل فتح، فاختار الانضمام إلى فتح الانتفاضة، وتابع مسيرته العسكرية فيها. ومع بداية تلاويح الحرب الأميركية على العراق عام 2003، «وبعد سماعنا الخطب الحماسية التي كنتم تتفوّهون بها ودعواتكم للأمّة العربية إلى نجدة العراق، ومتأثّرين بكل الحماسة التي ضمّنتموها خطاباتكم»، توجه العبسي إلى العراق برفقة آلاف المقاتلين العرب الذين هبّوا لنجدة بلاد الرافدين، ليكتشفوا أنّ تنظيم القاعدة هو آخر ملاذ لهم. هذا ما جاء على لسان العبسي خلال لقائه أحد القياديّين اليساريين في مخيم البارد.
لم تكن القاعدة أكثر من ترجمة عربية لكلمة «الأصل» في الإنكليزية، بحسب ما يقول أحد علماء الدين الناشطين في طرابلس. وهي ضمت هؤلاء العرب واللبنانيين ضمن صفوفها، إلى أن قرّرت التخلّص من ثقلهم، فأرسلتهم إلى لبنان، وإن كانت الصلة التنظيمية الفعلية ليست مع القاعدة، بل صلة داخلية تحظى بدعم محلي لبناني. وحين اشتد القتال، وبدأت التغييرات على مستوى قيادة فتح الإسلام، نطق أحد القادة في تنظيم فتح الإسلام بجملة مهمّة أمام أحد زوّاره: «نحن في القاعدة نعتبر أننا وُرِّطنا في معركة البارد ضد الجيش اللبناني». قال ذلك من دون أن يشوب عبارته أيّ غموض.
أما شاكر العبسي وعدد من القياديين في فتح الإسلام، فـ«لا شك بأنّ في خلفية ذهنهم صورة المناضل غيفارا، وهم يسعون إلى التشبه به»، كما يؤكد أحد علماء الدين الذين خبروا التجربة الماركسية قبل التحوّل إلى الإسلام الثوري والإيمان بأنّ الإسلام يمكنه تغيير المجتمعات وتحرير شعوبها.

دعوات بالجملة

لا يوجد أفضل من الانقسام السياسي (الطائفي والمذهبي) في لبنان أرضاً خصبةً لنشوء القاعدة أو المجموعات التي تحمل فكر القاعدة كفتح الإسلام ولتحرّكها. وليس ما هو أفضل منه إلا ترافقه مع قاعدة من الفقر، ومن الظلم السياسي، إذ لا تزال آثار الاعتقالات التي جرت خلال معارك الضنية ماثلة في الذاكرة، إضافة إلى الاعتقالات الدورية أو شبه الدورية التي تطال عدداً من المناطق الشمالية السنية. أضف إلى ذلك تسرّباً مدرسياً وأمّيةً مرتفعين، فضلاً عن ممارسة أطراف سياسية لبنانية التحريض بعضها على بعض، وخصوصاً التحريض السنّي على الشيعة والعلويّين، والتحريض السياسي المضمر على الجيش اللبناني بصفته «جيشاً بقواعد شيعيّة، وبعقيدة تركتها سوريا خلفها». ولا يزيد الوضع ملاءمة لعمل القاعدة إلا وجود 12 ألفاً أو أكثر من الجنود الغربيّين على أرض الجنوب اللبناني، فيما تحظى التيارات السلفية الجهادية برعاية قوى السلطة التي ترى فيها ميليشيا محتملة في وجه المدّ المعارض، والشيعيّ خصوصاً.
كل ذلك شكل أكثر من دعوة لمجموعات انضوت تحت اسم فتح الإسلام، واستفادت من فراغ في الطبيعة لتحتل حيّزاً في الشمال، في السياسة والعسكر والأمن والعمل المباشر. حتّى وجود تيارات سنيّة كتيار المستقبل في الشمال تحوّل مع الوقت، وخصوصاً بعد الانتخابات النيابية، إلى حالة من خيبة الأمل والفراغ المضاعف. فبدلاً من أن تشق مجموعات فتح الإسلام طريقها السياسي والأمني بصراعات فكرية، حصل العكس تماماً. إذ جاء الطلب لوجودها أكبر من العرض الذي كان يحلم به شاكر العبسي أو أي من أركان مجموعته.
حين يتحدث القيادي اليساري الفلسطيني عن شباب حركة فتح الإسلام، وهو الذي يعلم جيداً أنّه لا إمكانية للتعايش مع طروحاتهم، يقرّ بأنّ هؤلاء هم «خيرة المناضلين العرب» الذين استجابوا لقضايا الأمّة، وخصوصاً قضية فلسطين والعراق. ويرى أنّ الاستجابة جاءت بهذا الشكل نتيجة فشل التجارب التحرّرية السابقة في تقديم إجابات وحلول ونتائج طال رجاؤها وانتظارها.
«فلتأتِ القاعدة» هي الصرخة التي أطلقها منذ نهاية حرب تموز العديد من الناشطين السنّة الذين يرون في أمّتهم الواسعة سعة مليار ونصف مليار شخص، حالاً من الهزيمة التي يمكن إصلاحها، وإن عبر العنف الفوضوي. وهم يراقبون امتداد المشروع الأميركي في لبنان، ممثلاً بقوى الرابع عشر من آذار، ولا يرون في قيادة المعارضة اللبنانية قدرة على فرض جدول أعمال مواجه، إلا من خلال التقاطع مع سوريا وإيران. ويعتبر هؤلاء الشبان والكوادر أن إيران وسوريا ستساومان على الملف اللبناني عند المفترق الأول للطرق، في حين أن الإمبراطورية المقابلة للإمبراطورية الأميركية (أي القاعدة) لم تدخل في مساومات حتى اليوم، وهي قادرة على استنزاف الأميركيين ومشاريعهم حيثما حلّت.
إذاً، «فلتأتِ القاعدة إلى لبنان». وما زاد الوضع تعقيداً، وصول شحنات المساعدات العسكرية الأميركية المقدّمة كديون مؤجلة إلى لبنان. فوصلت مع هذه الأسلحة معلومات عن تطوّع خمسة آلاف شاب من القاعدة للمجيء إلى لبنان لمواجهة المشروع الأميركي نفسه.
سلاح الأيديولوجيا
الشبان الخمسة آلاف، كما الشبان والكوادر الموجودة في لبنان ضمن إطار المجموعات الجهادية، يتسلّحون بأفكار واضحة ومطلقة، منها ما هو مستمدّ من قراءة جزئية للقرآن، ومنها ما هو مستمدّ من أعمال أئمّة صالحين. ومن القرآن تؤخذ سورة الأنفال كمرشد أعلى، إذ يرد فيها «وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ» (الأنفال 60). ومن سورة الحشر، يؤخد «لأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنْ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ» (الحشر 13).
ومن الأيديولوجيا يستمدّ الجهاديون والقاعدة قدرة لامتناهية على المواجهة، إذ لم تُحسم وتُنهَ أي من المعارك ضد هذا التنظيم أو التنظيمات المشابهة عنفاً في أي مكان في العالم، من لبنان ومعارك الضنية التي لا تزال في ذاكرة الشماليين من أهل السنّة، إلى أفغانستان والعراق والصومال وأرض الشيشان وغيرها. وكأن عام 2000 كان بداية صراعات لا تنتهي في العالم ضد عدوّ يعتبر نفسه الخير المطلق بينما يسعى أخصامه من دول وأنظمة إلى تصويره فئةً ضالّةً وشرّاً مستطيراً.
كلّ الحلول السياسية توضع جانباً حين يقرر طرفان متنازعان أنّ الآخر هو شرّ مطلق، وأنّ الخير المطلق يقتضي إلغاءه. أمّا أفضل الأساليب لتدمير بناءٍ قاعديٍّ فهو حلّ القضايا المركزية، وأحياناً تقديم حلول جزئية قد تؤدي إلى فك ارتباط بين شباب يشعرون بحاجة هائلة إلى التغيير أو الموت، وبين تنظيم إمبراطوري عابر للقارات كالقاعدة. إلا أنّ إطلاق النار أسهل من استخدام العقل والدخول في مفاوضات طويلة ومشاريع تنموية وتوفير تعليم متوسّط.
يبدو إطلاق الشعارات الوطنية أكثر تعبويّة من معالجات طويلة، وخصوصاً في ظل وضع المؤسسة العسكرية في مواجهة مشكلات بناها النظام السياسي نفسه مدى عقود. وينتفض المراهقون السياسيّون وأتباع نظريات الانتقام العشائرية، لكرامة الجيش. وغالبية هؤلاء شاركت في ضرب الجيش في الأعوام الخالية، وبعضهم ورّط الجيش في حروب مدمرة. ينتفضون لسمعة الجيش وهيبته، متناسين أنهم اكتفوا بالصمت والتبرّم حين ضربت الطائرات الإسرائيلية الجيش اللبناني في أكثر من مناسبة، من عام 1996 إلى عام 2006 خلال حرب تموز، وأودت بحياة العشرات من الشبان والضباط. يتناسون أنهم كانوا شهوداً على نثر الأرزّ على الجيش الإسرائيلي، ويطالبون الجيش اليوم بالقضاء على فتح الإسلام بالقوة لاستعادة هيبته. وكأن هيبة الجيش في توريطه في تنفيذ رغبات سياسية مريضة، أو في دفع المزيد من القتلى في مواجهة عبثية لن تؤسس إلا لانتشار أوسع لتنظيم القاعدة، أو في شفاء غليل من يرغب بشدة في رؤية شعاره «الفلسطيني الجيد هو الفلسطيني الميت» يتحقّق ولو على حساب قتلى مدنيين وعسكريين لبنانيين، علماً بأن غالبية مقاتلي فتح الإسلام من اللبنانيّين.

العالم الدائريّ

يتوه مقاتلو القاعدة في دائرية العالم. يرسلهم التنظيم من مكان إلى آخر للشهادة والجهاد ضد أعداء الدين والأمّة، أي ضدّ «أعداء الله». ويمتلك الأميركيون آلاف الأسباب للوقوف في وجه القاعدة، ويكتفي اللبنانيون كعادتهم بتقليد ببّغائي لمسميات مجهولة: من «الاقتصاد الحر» الذي أوقع البلاد في إعاقات حُمِّلت حرب تموز كل نتائجها، إلى «مكافحة الإرهاب» التي ستزيد عدد الطائرات المحملة بالعتاد والسلاح وقذائف 155ملم العالية التفجير (بعد القذائف الكلاسيكية التي كانت بحوزة الجيش) المترافقة مع مزيد من رغبات المتطوعين القاعديين في المجيء إلى لبنان للجهاد.
لم يعد هناك من مشاريع سياسية لتستوعب المناضلين العرب والكوادر التي صارت ترغب في الموت أكثر من رغبتها في تحرير شعوبها. ولم يعد هناك من مشاريع سياسية يمكنها الحياة إلا خلف بنادق الجنود اللبنانيين الذين مات منهم العشرات دفاعاً عن أخطاء كارثية سياسية وأمنية.