strong>غسّان سعود


  • عن صاحب المكتبة الذي صار متسوّلاً يشحذ ثمن الجرائد اليومية

    «لا معلّق ولا مطلّق» يقول ألبير عن نفسه. يعيش فوق تلك الشعرة القصيرة التي تربط الحياة بالموت. ينظر إلى منزله من بعيد ويستعيد صور الحياة فيه. يمرّر أصابعه فوق جدران مكتبته السابقة، يتذكر ملامح وجه الرجل الذي خدعه وغيّر له حياته... تدمع عيناه وينغمس في القراءة علّه ينسى

    خلف مستودعات الأدوية التابعة للوزير ميشال فرعون بالقرب من مؤسسة الكهرباء في الأشرفية، تحوّل الطابق الأرضي في بناية قيد الإعمار إلى مسكن لرجل في نهاية العقد السادس من عمره.
    مساحة مشرّعة. لا جدران تحمي ساكنها من الأمطار أو من أشعة الشمس الحادة، ولا فراش يحضنه باستثناء لوح خشبي مهترئ يغفو العجوز فوقه ملتحفاً بغطاء سميك يخفي فيه وجهه وجسده. وتحيط بالرجل من الجهتين أكوام من الأكياس التي تمتلئ بالصحف المحلية والعربية، فيما تتقاسم الديدان والنمل رغيف الخبز المتروك قرب اللوح ــ السرير.
    يمرّ أهالي البناية المجاورة يومياً من أمامه كأنه شخص غير مرئي. يكتفي بعضهم بالدعاء إلى الله أن يساعده ويكملون طريقهم من دون سؤاله حتى كيف وصل إلى هذا المكان. أما هو فلا يستيقظ من نومه قبل الساعة التاسعة صباحاً مهما علا الضجيج من حوله. يرتدي جواربه وحذاءه الذي يبدو بوضوح أنه أكبر من قياس قدميه، يطمئن إلى الأوراق التي يخبّئها في إحدى زوايا «العمارة»، ويغادر بعد مسح وجهه بقليل من المياه المبتذلة التي يستعملها العمّال في تهيئة مواد البناءيسير العجوز ببطء وسط أزقة حفظت رسم خيال عصاه التي تجرّ قدميه على طول الطريق من الجميزة حتى ساحة ساسين. هنا صاحب مكتبة جديدة يرحّب بنظراته التي تمرّ مسرعة كالعادة فوق عناوين الصحف. وهنا تنتظره إحدى النسوة لتعطيه قميصاً وبعض الطعام. وبين هذا وتلك يُسلّم العجوز على بعض أهالي تلك الأحياء الداخلية القديمة بأسمائهم ويُقابَل في بعض الأحيان بتحيات حارّة.
    في ساحة ساسين يتسوّل ألبير، كما يسميه معظم الذين يلقون عليه التحية، لا لشراء طعام أو دواء كما درجت العادة، بل للحصول على صحيفة. فهو يسارع بعد أن يجمع قرابة عشرة آلاف ليرة إلى أقرب مكتبة ليختار صحفه المفضلة ويعود إلى زاويته قرب شركة الكهرباء حيث يمضي طوال فترة بعد الظهر في القراءة.
    تنقّل ألبير بين عدة مدارس خاصة في بيروت وصيدا حتى أنهى دراسته الابتدائية وتفرّغ للعمل مع والده في المكتبة. يقول إن تلك المرحلة كانت أيام عزّ فيما «وصلنا اليوم إلى الرقم القياسي في العاطل». يواكب كلامَه بريقٌ مميزٌ في عينيه، وخصوصاً عندما يتذكر صحن الفول الذي كان يبتاعه بربع ليرة من مطاعم البرج، ويشير إلى تهافت أبناء جيله على المطبوعات الأجنبية التي بدأت مكتبة نوفل باستيرادها في بداية الخمسينيات.
    يأسف ألبير لأنه «ليس كل ما يتمنى المرء يدركه، تجري الرياح بما لا تشتهي السفن»، موضحاً أنه عدة مرات زار فرنسا حيث كانت تعيش خالته التي أحبها الرئيس شارل حلو، وكان يقصد منزلها مباشرة حين يزور باريس، وكذلك كان يلتقي السفير اللبناني في فرنسا الحاج أحمد الداعوق، وعدداً كبيراً من السياسيين والمثقفين.
    لكن كيف انتقل من تلك الحياة المميزة إلى بؤسه الحالي أو إلى «لا معلّق ولا مطلّق»، كما يقول، ليتجنّب وصف نفسه بالمتسوّل. يشدّد قبل أن يبدأ روايته على القول إن ما في قلبه على لسانه عكس كثيرينطريق التشرد بدأت قبل انتهاء الحرب ببضع سنوات حيث كان يعيش وحيداً، مذعوراً من «إرهاب» الميليشيات، وقلقاً من ازدياد الصعوبات المالية التي تواجهه. وإذا برجل من بلدة العربانية في المتن الجنوبي يزوره ويقدم له عرضاً بالانتقال إلى الأرجنتين حيث يوفر له مسكناً محترماً ومبلغاً مالياً كبيراً لقاء تنازله عن العقارين اللذين يملكهما في بيروت. تكررت زيارات الرجل عدة مرات، كان يعرض خلالها لزبونه صوراً عن رفاهية الحياة في الأرجنتين فرضخ ألبير للضغوط ووقّع وكالة غير قابلة للعزل في العقارين اللذين يملكهما للرجل قبل أن يتبين له بعد عدة شهور عدم صدقيته، ونصبه أفخاخاً مماثلة لكثيرين غيره، وذلك لدى تلقّيه بلاغاً من القوى الأمنية بضرورة مغادرة منزله لأن المالك الجديد ينوي تأجيره.
    وبعد تنقله بين عدة محامين، فقد كل الأموال التي كان يملكها. واكتفى شقيقه بالاستهزاء به ودعوته لتحمّل مسؤولية الخطأ الذي قام به وحده، فيما يجمع أهل الحي على صدقية كلام ألبير، وينقلون عن مستأجري منزله الذين يرفضون التحدث مع وسائل الإعلام تعاطفهم معه.
    «من ينظر في حالتي» يسأل ألبير. ويشرح أن ثمة عائلات مترابطة وأخرى متفكّكة. وهو من النوع الثاني «لا أحد أمامي، آخر أقربائي تخلّوا عنّي لقاء بعض الأموال. أشعر أن الأوادم انتهوا». ويقول والدموع تخرق الغبار الذي يعلو وجهه إن حل مأساته يكون من خلال «صحوة ضمير الرجل الذي نصب عليه، والندم على العذابات التي سببها له، أو أن يجد من يقف بجانبه معنوياً ويدعمه في مواجهته القانونية مع مستغلّي بساطته».
    وإذ ينهي الكلام على مشكلته هذه، يلفت إلى «مأساة» أخرى تعرض لها، وتتمثل في فقدانه أكثر من خمسين ألف مطبوعة، بحسب قوله، من صحف ومجلات وكتب كان نقلها من منزله إلى أماكن محايدة في مؤسسة كهرباء لبنان، لكن بعض موظفي المؤسسة عمدوا خلال إعادة ترميمها إلى طرده بقساوة، الأمر الذي دفعه إلى الاستسلام وترك آخر ما كان يربطه بماضيه خلف ظهره والمضي ليتنقل من زاوية إلى أخرىويؤكد ألبير أن خسارته المطبوعات كانت أقسى من خسارته منزله، وخصوصاً أنه يعبد الصحف بعد الله، ويشعر بجاذبية خيالية تجاه الورق. ويعتبر أن أفضل صحافي في التاريخ العربي هو رشدي المعلوف الذي تابعه منذ بدأ الكتابة في صحيفة الجريدة ثم في «لسان الحال» وأخيراً في النهار. ويشيد بمقالات الراحل النائب إدوار حنين، منوّهاً في الوقت نفسه بأسلوب الأستاذ أنسي الحاج على رغم استصعابه المضمون. من جهة أخرى، يعترض على صدور بعض الصحف يوم الأحد، لحاجته والكتّاب إلى يوم راحة. ويأمل نهاية أن توسع صحيفة النهار المساحة المخصصة للأديان والمذاهب، وأن تصدر الصحف اللبنانية ملحقاً شبيهاً بالوجه الآخر الذي تصدره صحيفة الأهرام المصرية.
    متابعته اليومية للجرائد جعلت منه صاحب رأي في السياسة. لكنه على رغم ظروف الحرب وإعجابه الشديد بمؤسّس حزب الكتائب بيار الجميل، الذي كان يقصده باستمرار في صيدليته، لم ينتم إلى أي حزب وفاءً منه لوصية والده. وحين يتحدث ألبير عن بيار الجد يعلو صوته وتزداد حماسته قبل أن يترحّم على الورثة الذين «ابتلت الكتائب بهم». ويعود إلى نبرة الصوت المنخفضة، للقول إن «كثرة الطباخين في الحرب أحرقت الطبخة، وأُجبر اللبنانيون على تناولها».
    خلال كلامه، يمرر ألبير عدة عبارات باللغة الفرنسية، يقول إنه يشمئز من راحته ومظهره ثم يمنّي نفسه بأن «المسيح كان يجول حافي القدمين». وحين يريد أن يطلب المال يحتال على الكلام. يقول «الختيار»، كما يسميه أطفال الحي، إنه تعب وسئم التنقل بين بيروت وصيدا لمتابعة المعاملات القانونية، ولا يخفي شعوره الدائم بأن ثمة من يتربّص به لقتله، شعور يعززه عدم اكتراث القوى الأمنية والناس الذين قد يقولون «هذا أفضل له». يأسف «العجوز» لحقد البعض والكره الذي يسكن قلوبهم بحيث لا يقبلون بوجوده حتى على هامش الحياة.