إبراهيم الأمين


المهمة الفرنسية الخاصة التي بدأها رئيس الاستخبارات الفرنسية السابق جان كلود كوسران في بيروت أمس، سوف تظلّ محلّ جدل حتى بروز نتائجها الإجمالية ليس قبل شهور عدة. ليس في الأمر ما يتيح القول الآن إنها مهمة خاصة بطيّ صفحة الحقبة الشيراكية في لبنان، لكنها إشارة قوية إلى أن فرنسا تتّجه صوب سياسة مختلفة إزاء التعامل مع تفاصيل الملف اللبناني. وما كان يحظى به فريق من اللبنانيين خلال الفترة السابقة لن يتوافر له من الآن فصاعداً على النحو الذي كان، لا الحرارة هي ذاتها ولا التفاصيل سوف تكون بالمستوى نفسه، علماً بأن الخبراء لا يتحدثون عن تغييرات جوهرية من النوع الذي يقلب الصفحة ويفتح صفحة في كتاب جديد. يشبّه أحد أبرز المطّلعين والمتابعين للسياسة العربية واللبنانية الفرنسية ما يجري الآن بأنه «إزالة البصمة الشيراكية عن ثوابت فرنسا إزاء لبنان والمنطقة». ويرى في هذه الخطوة أمراً مهماً لكنه يلفت الانتباه الى أمور أساسية منها:
أوّلاً: إن الرئيس ساركوزي لم يتسلّم بعد كامل ملف السياسة الخارجية، وهو مشغول الآن في مرحلة انتقالية وينتظر ما بعد الانتخابات النيابية حيث سيعود للإمساك بهذا الملف كاملاً تماماً مثل أي رئيس يحكم فرنسا. وقد يكون هو أكثر تشدداً من غيره ربطاً بما لديه من وضوح في الأولويات.
ثانياً: إن المساحة التي يتحرك فيها الآن وزير الخارجية برنار كوشنير تعكس من جهة الهامش المنطقي الذي يضطر رئيس يميني إلى أن يعطيه إلى وزير يساري في معرض التسويات الداخلية، ومن جهة ثانية، فإن كوشنير مضطر إلى إبراز هامش شخصي أو بصمة شخصية على عمل وزارته وإلّا فسوف تخرج عليه وسائل الإعلام بكلام قاس أقلّه أنه التحق باليمين من دون أن يضيف شيئاً، كما يعبّر من جهة ثالثة عن حركة احتجاج في وزارة الخارجية نفسها من عملية الاختزال غير العادية التي تعرّضت لها في ملفات حساسة مثل لبنان خلال الأعوام القليلة الماضية، حيث لامس كوشنير الأمر من باب إظهار نفسه قادراً على مواجهة مثل هذه الأمور.
ثالثاً: إن السياسة العامة لشيراك لم تحقّق نتائج استثنائية، بل تركت الكثير من الآثار السلبية التي أظهرت فرنسا في موقع المنحاز بطريقة واضحة ولا تشبه البتة دولة كبرى ذات مصالح متشعّبة، وأن ساركوزي لم يكن أصلاً معجباً بسياسة الرئيس السابق حتى لو كان موافقاً على بعض الثوابت التي عمل عليها سلفه، وهو في هذا الإطار مضطر إلى أن يقدم صورة مختلفة، آخذاً بعين الاعتبار فكرة التواصل والحوار مع الخصوم بمعزل عن النتائج، مغادراً مع أقرانه الأوروبيين سياسة القطع التامة التي قامت تأثراً بالسياسة الأميركية التي كانت تعزل الخصم وتقطع الاتصال به، ولهذا الأمر انعكاس على مستوى الحوار الذي سيقوده ساركوزي مع سوريا ومع إيران ومع جهات معينة في لبنان مثل حزب الله.
رابعاً: إن التحضيرات الجارية للقاء باريس اللبناني لا تزال تعكس مستوى منخفضاً من العمل السياسي، وقد يكون طابعها العام تحضيرياً، لكنه لا يمثّل نقطة اختراق من شأنها فتح الباب أمام تغييرات كبرى، وثمة الكثير من الكلام الذي سيقال من الآن وحتى فترة، قبل أن ترسو سياسة ساركوزي الخارجية على وضعية شبه نهائية. وبالتالي فإن الدعوات التي سوف توجه لن تقود حكماً الى نتائج مباشرة وإنّ الأمل منها أن تخرج طاولة الحوار هذه الى إطار لأفكار تعمل عليها الدبلوماسية الفرنسية في الفترة اللاحقة، وتوفّر علاجات تخص التواصل المنقطع مع البعض، وإزالة لآثار الحقبة الشيراكية بما فيها الدور الذي أدّاه السفير الفرنسي في بيروت برنار إيمييه.
من جانب آخر، تعكس نتائج الزيارة التي قام بها رئيس التيار الوطني الحر العماد ميشال عون الى العاصمة الفرنسية بعضاً من هذا النقاش، وهو إن كان قد قصد باريس لتوقيع كتابه، فإنه بعث الى المسؤولين هناك أنه في باريس وراغب في التواصل إذا وجد الفرنسيون مصلحة في ذلك. وهو ما وفّر له اجتماعات مهمة في وزارة الخارجية ومع بعض الشخصيات السياسية والبرلمانية الفرنسية، علماً بأن طبيعة الزيارة كانت تأخذ في الاعتبار التوجّه الى جالية لبنانية موجودة في العاصمة الفرنسية لديها كمّ كبير من الأسئلة الى عون بعد كل ما مرّ به منذ مغادرته باريس الى بيروت.
ويكشف متابعون لهذه الزيارة أن نقاط البحث مع عون شملت وانتهت الى الآتي:
أوّلاً: إن فكرة الانقطاع والمحاسبة السلبية ليس من شأنها توفير أي نتائج إيجابية، وإن الحوار يجب أن يأخذ بعين الاعتبار الوقائع اللبنانية، وهو أسهب هنا في شرح ما يراه من وجهة نظره مهماً على هذا الصعيد، من الدفاع عن تفاهمه مع حزب الله وحثّه السلطات الفرنسية على إطلاق حوار جدي ورفيع المستوى مع الحزب، وهو أمر يُتوقّع أن تكون له إشارات عملية في وقت قريب، إلى التوضيح أن المشكلة السياسية القائمة الآن لا يمكن أن تعالج من خارج برنامج مشاركة كاملة من خلال حكومة وحدة وطنية تتألف على قاعدة نسبية تمثيل القوى في المجلس النيابي (13 مقابل 17) وأن يكون جدول أعمالها إعادة الإمساك بالبلاد انطلاقاً من وحدة إدارية وسياسية، وأن يُصار الى تثبيت ما اتُّّفق عليه في اجتماعات الحوار السابقة، وأن تؤجل الأمور الخلافية، وأن يُصار الى توفير مناخ واضح لإنتاح انتخابات رئاسية في موعدها.
ثانياً: لم ينفِ عون احتمال أن يقود التعنّت من جانب فريق السلطة الى قيام حكومة ثانية في لبنان، كما لم ينفِ احتمال عدم حصول الانتخابات الرئاسية إذا استمر الخلاف قوياً. ورفض عون ربط مصير الحكومة الجديدة بمصير الرئاسة لناحية اشتراط أن تقوم الحكومة ربطاً باتفاق مسبّق على إجراء الانتخابات الرئاسية كيفما اتّفق. وتردّد أن عون قال للفرنسيين صراحةً إنه يؤيّد حصول توافق وتفاهم على الانتخابات الرئاسية، لكن إذا تعذّر ذلك فهو لا يؤيد ترك المجلس النيابي الحالي يتولّى هذه المهمة، وبالتالي فإن العلاج يكون من خلال انتخابات نيابية مبكرة أو الأخذ باقتراحه اللجوء الى الشعب مرة واحدة لاختيار الرئيس الجديد. وعندما سأله الفرنسيون عما إذا كان هناك متّسع من الوقت لإجراء مثل هذه الانتخابات كما يقول أقطاب 14 آذار، قال عون إن الانتخابات الرئاسية أمر مفصلي، وإن بمقدور حكومة الوفاق الوطني إدارة البلاد لبضعة شهور يجري خلالها ترتيب الوضع لإجراء انتخابات نيابية وفق قانون يوفر التمثيل الصحيح.
وفي انتظار ما سوف تؤول اليه مهمة الموفد الفرنسي فإن فريق 14 آذار لا يتعامل بإيجابية مع الموفد الجديد، وثمة أسئلة في الإدارة الفرنسية الجديدة عما إذا كان الأمر ينحصر في اعتراضات محلية تتطلب علاجاً خاصاً أم الأمر يرتبط بموقف أميركي. لكن الأكيد حتى الآن أنه لم يعثر على عنصر يفيد أن ما يقوم به فريق 14 آذار يعكس استمرار أي نوع من النفوذ للرئيس الفرنسي السابق أو للسفير فوق العادة إيمييه المغادر قريباً تصحبه أصوات الفخار المتكسّر على سلّم الطائرة!.