عرفات حجازي


لم تصل الاتصالات والمساعي العربية والدولية لإنضاج تسوية تخرج الوضع اللبناني من مآزقه وانقساماته السياسية ومن توتراته وأحداثه الأمنية المتسللة من ثغرة الانكشاف السياسي إلى نتائج محددة بعد.
فسفير المملكة العربية السعودية عبد العزيز خوجة، الذي يتولى مفاوضات غير مباشرة بين أقطاب الأكثرية والمعارضة بتفاهم وتنسيق مع سفيري إيران محمد رضا شيباني وفرنسا برنار ايمييه، وبموافقة ضمنية من السفير الأميركي جيفري فيلتمان، يؤكد لزواره أنه لا يحمل مبادرة سياسية باسم بلاده، وأن تحركه هو استكمال للمساعي التي كان قد بدأها منذ فترة لحثِّ الأطراف على اتفاق يسرِّع في قيام حكومة وحدة وطنية. ويؤكد خوجة أنه لا ينوب عن الأطراف في العودة إلى الحوار، وإن كان يدعم بقوة مثل هذا التوجه ويعمل على تقريب وجهات النظر بين الفريقين، معرباً عن اعتقاده بأنه «آن الأوان بعد إقرار المحكمة الدولية، في ظل ما يشهده لبنان من تدهور أمني متفاقم يتغذى من أزمة سياسية مستعصية، لوضع خريطة الطريق لحل يبدأ بحكومة وحدة وطنية تعمل على احتواء الوضع وتوصل إلى انتخابات رئاسية سلسة في موعدها الدستوري».
وتؤكد مصادر المعلومات أن السفير السعودي حصل من الأقطاب الفاعلين في فريق 14 آذار على موافقة مبدئية على توسيع الحكومة على قاعدة 19/11، لكنه امتنع عن التدخل في التفاصيل لأنها متروكة للأطراف التي أبدت رغبة وإرادة في حل الأزمة، لافتاً إلى أن الاتصالات دخلت مرحلة تبادل الأفكار والشروط من دون أن تفضي إلى نتائج حاسمة. وإذ يعترف خوجة بأن أزمة الثقة بين الطرفين لا تزال تشكل عائقاً أمام الحوار المباشر الذي دعا اليه رئيس كتلة «المستقبل» سعد الحريري ويتحفظ عنه الرئيس نبيه بري والسيد حسن نصر الله انطلاقاً من تجارب سابقة أظهرت برأيهما أن الحريري لا يستطيع الابتعاد عن حليفيه وليد جنبلاط وسمير جعجع حتى يحين وقت الحسم واتخاذ القرار، وأنه غير قادر على الإيفاء بالاتفاقات والتفاهمات، فإنه ينقل بالمقابل قلق الأكثرية وشكوكها في مواقف المعارضة المتكررة التي جرى رميها للاستهلاك في مرحلة ما قبل إقرار المحكمة وبـ «قاسم تعطيلي مشترك». فالتسويق الذي اعتمدته المعارضة في حينه وسمّته مبادرات كان الهدف منه الالتفاف على المحكمة وعرقلتها، والأمر نفسه يتكرر اليوم، فهم يسوّقون لحكومة وحدة وطنية، وهدفهم تعطيل انتخابات الرئاسة الأولى.
وتقول أوساط سياسية مراقبة إن التباين في القراءة السياسية لطبيعة المرحلة الراهنة هو الذي يحول دون التقاء فريقي الغالبية والمعارضة على الحد الأدنى من الجوامع المشتركة في الطرح السعودي ــ الإيراني ــ الفرنسي.
وترى هذه الأوساط أن العقدة المستحكمة في موضوع توسيع الحكومة هو إصرار المعارضة على أن التوسيع لا يستلزم صياغة أي بيان وزاري جديد أو وجود أي التزامات جديدة خارج البيان الوزاري للحكومة القائمة، وتالياً ليس هناك أي موجب للتفاهم على برنامج سياسي جديد، اللهم إلا إذا أراد فريق الأكثرية السير بخيار تأليف حكومة جديدة، فعندها تستقيل الحكومة، والمعارضة جاهزة للبحث والنقاش في كل العناوين السياسية. أما الموالاة فتبدي استعدادها للتنازل عن الثلث المعطل، لكنها تشترط تحديد دور هذه الحكومة في المرحلة الفاصلة عن الانتخابات الرئاسية، مع التشديد على استكمال الإجراءات العملية للمحكمة الدولية وتسهيل إقرار التشريعات المواكبة لمؤتمر باريس 3 وإتمام الاستحقاق الرئاسي في موعده الدستوري، وقبل ذلك كله إعطاء الضمانات الكافية لإجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها بحيث لا يؤدي توسيع الحكومة إلى تعطيل الانتخابات، كما كان يخشى قبلاً من تعطيل إنشاء المحكمة.
إلا أن المتابع لسير حركة الوساطة العربية يلحظ وجود تباين واضح في الآراء داخل قوى 14 آذار بين قابل بتوسيع الحكومة الحالية بعدما زال هاجس الخوف من تعطيل إنشاء المحكمة الدولية التي أصبحت أمراً واقعاً، ومن يتحفظ من هذه القوى عن توسيع الحكومة، ويربط عملية التوسيع بالتفاهم على موضوع رئاسة الجمهورية، فضلاً عن أن توسيع الحكومة سيثير خلافاً داخل قوى الأكثرية على تسمية الوزراء الذين يمثلون المعارضة، ثم على توسيع الحقائب وتخلي بعض الوزراء الحاليين عن حقائب يشغلونها لبعض الوزراء الجدد. ويصر هذا الجناح في تجمع 14 آذار على أن تضمن السعودية وإيران وفرنسا إجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها، وأن تأخذ ضمانات من المعارضة بعدم تعطيل النصاب وعدم استقالة وزراء المعارضة عند الاختلاف على أي مواضيع تطرح على التصويت، بحيث لا تؤدي استقالة الثلث المعطل إلى إطاحة الحكومة.
وإزاء هذه التباينات والتعقيدات والمواقف التي تطرح شكوكاً فعلية متبادلة، ترى الحلقة الوسيطة بين الطرفين أنه لا بدّ من خوض حوار جدي بينهما، لأنه لا أحد من العاملين على خط الوساطة على استعداد للانغماس في تفاصيل الحل المطلوب لإنهاء الأزمة، لكن ينحصر دورهم في تهيئة الأرضية المناسبة لفتح نقاش في الأمور التفصيلية ومعالجة الهواجس والتحفظات ما دام الجميع سلّم بمبدأ المشاركة الفعلية، وبالتالي يمكن مقاربة الخلاف الذي يطال الكثير من القضايا من خلال الاتفاق على العناوين التي تبتها طاولة الحوار ووضع مهل زمنية للاتفاق عليها وعلى تنفيذها.
من هنا يأتي حرص الدول العربية والأوروبية على الدفع باتجاه حكومة وحدة وطنية تجمع جميع الفرقاء وتتحول إلى طاولة حوار مباشر تعيد ترتيب الوضع اللبناني قبل الانتخابات الرئاسية وتبعد مخاطر الفراغ الرئاسي وقيام حكومتين وتمنع حصول المزيد من التدهور الأمني والسياسي، ما يعني أن توسيع الحكومة ليس جزءاً من تصور لحل كامل، بل هو بوابة العبور والممر الإلزامي لهذا التصور الذي ستكون الحكومة طاولة حواره