strong>مهى زراقط


يابانيّ الهوية... فلسطيني الهوى... عالمي الانتماء

«على خط النار... كوزو. شباب ثوّار... كوزو. ضد الرجعية... كوزو. والصهيونية... كوزو». هتافات تردّد صداها في بيروت قبل سبع سنوات للمطالبة بإعطاء المناضل الياباني كوزو أوكوموتو حقّ اللجوء السياسي الذي كان الأول (والأخير) في لبنان... منذ ذلك التاريخ اختفى كوزو عن الأنظار، فأين هو اليوم؟

لم يكن العثور على كوزو أوكوموتو صعباً، رغم أن «مفاتيح» الوصول إليه اختلفت، غير أن الصعب هو إجراء مقابلة معه. يوضح العضو في قيادة «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» والمسؤول عن متابعة حالته، سميح رزق أن كوزو ممنوع من إجراء أي مقابلة صحافية وفق ما تنصّ عليه شروط الحصول على بطاقة «لاجئ سياسي».
وبعد الإصرار على زيارته والكتابة عنه من دون طرح أي سؤال عليه نكتشف أن كوزو غير قادر أصلاً على إجراء أي نوع من المقابلات أو الحديث مع أحد حتى لو أراد ذلك بسبب حالته النفسية، فهو لا يحسن التعبير غالباً عمّا يفكر به وإن كان يفهم كلّ ما يدور من حولهعندما زرنا كوزو في منزله كان مشغولاً. «busy» يقول مبتسماً وهو يشير بعينيه إلى أثاث المنزل الذي يجري توضيبه تمهيداً للانتقال إلى شقة ثانية غير بعيدة عن تلك التي يعيش فيها اليوم في الضاحية الجنوبية لبيروت. فهو يقيم في بناية مواجهة للمكان الذي ألقى منه مرّة السيّد حسن نصر الله احد خطاباته. يومها، وقف قليلاً على الشرفة ثم دخل «لأنه لا يتحمّل العجقة» لكنه يحب السيّد لأنه «جميل» ليس أكثر، ذلك أنه «لا يتابع الأخبار ولا يعرف شيئاً عن تطوّرات الصراع العربي ــــ الإسرائيلي».
هذا ما يقوله سميح الذي يتولى رعاية كوزو مباشرة منذ مطلع عام 2006. قبل ذلك كانت مسؤولية «الجبهة الشعبية» تقتصر على تأمين مستلزماته والأشخاص الذين يرعونه. يوضح: «بعد حصوله على اللجوء، تولى اليابانيون رعايته وكانوا يزورونه في لبنان. لكن الشخصين اللذين كانا معه في المرحلة الأخيرة غادرا لبنان نهائياً بسبب صعوبة العيش هنا». بعد مغادرتهما وجدت الجبهة نفسها أمام مسؤولية إيجاد من يرعى كوزو «خصوصاً أنه عاش أزمة نفسية حادة وتعرّض لنوبات عصبية». ويتذكر سميحبتأثر كيف كانت حالته: «زرته وسألته عمّا حصل معه فقال لي «كوزو يبكي.. (kozo is crying)». فكان من الضروري البحث بسرعة عمن يعتني به لأنه لا يستطيع خدمة نفسه: «يستطيع أن يقوم بالأشياء الضرورية فقط، يدخل الحمام، يأكل، يرتدي ثيابه... ويذهب إلى الحلاق».
عندما عُرض موضوع كوزو للنقاش داخل الجبهة تطوّع «الرفيق» بلال لهذه المهمة وانتقل مع عائلته (زوجته دارين وطفلتهما) من صور إلى بيروت للإقامة في بيت كوزو. وهذا التعبير تشدّد عليه دارين: «أنا أقيم عنده» وتستنكر السؤال «كيف وافقتُ على الأمر؟ إنه بطل... هذا أقلّ ما يمكنني القيام به من أجله» قبل أن تسرد لنا يوميات كوزو: «يستيقظ عند الساعة السادسة والنصف صباحاً، أحضر له فطوره علماً أنه لا يأكل أي شيء له علاقة بالحليب. يتناول الغداء عند الساعة الحادية عشرة والنصف. أما العشاء فموعده عند الساعة الخامسة والنصف، وعند السابعة والنصف يبدأ عملية تنظيف أسنانه التي تستمرّ أكثر من نصف ساعة. خلال النهار يستمع إلى الموسيقى الكلاسيكية، وأحياناً بصوت مرتفع جداً قد يصل إلى مسامع كل المقيمين في البناية. ومساء يتابع مسلسلاً يابانياً كان ينتهي عند العاشرة لكن يبدو أنهم أخّروا الساعة الآن في اليابان لأنه بات يسهر حتى الحادية عشرة»هناك أمور كثيرة يحرص كوزو على القيام بها منها شراؤه فرشاة أسنان مرة كلّ شهر، حلاقة شعره في يوم الجمعة الأول من كلّ شهر «موعد لا يتغيّر» تقول دارين. ومحل الحلاقة هو المكان الوحيد الذي يذهب إليه كوزو منفرداً «الحلاق تحت البيت».
تعدّ حالة كوزو أوكوموتو مستقرّة اليوم بالنسبة إلى ما كانت عليه عشية خروجه من السجون الاسرائيلية في أيار 1985 في إطار عملية تبادل واسعة للأسرى. عضو قيادة الجبهة الطبيب عامر المسكي كان من الاشخاص الذين رأوه في ذلك الوقت: «أتذكّر أنه كان مدمرّاً بشكل غير عادي، لم يكن قادراً على تفسير ما حصل معه». ويستطرد مضيفاً التفاصيل: «كان ظهره محنياً ورجلاه مقوّستين. أسنانه ملتهبة ومسوّسة بحيث بدا فمه أسود، وكان يصدر أصواتاً تعبّر عن حالة الخوف والطلب، وكان يضحك ضحكة بلهاء فيما ضحكته اليوم هي أكثر تعبيراً عن الواقع».
لكن ماذا حصل مع كوزو خلال 13 عاماً من الأسر في السجون الاسرائيلية؟ عن هذا السؤال يجيب رفيقه في «الجيش الأحمر الياباني» آداشي عبر البريد الإلكتروني: «نحن في «الجيش الأحمر الياباني» حصلنا على تقرير عمّا تعرّض له كوزو من تعذيب من خلال بعض ما رواه لنا هو شخصياً». ويقدّم أمثلة معدودة منها «بقاؤه في زنزانة إفرادية لفترة طويلة تعرّض خلالها لمختلف أنواع التعذيب الجسدي والنفسي». ويوضح آداشي: «كانت معركة كوزو في السجن أن يحتفظ لنفسه بصورة المناضل الثوري، خصوصاً أن هذا ما كانوا يحاولون تدميره فيه من خلال أساليب التعذيب النفسي التي مارسوها ومنها أنهم وضعوه في زنزانة واحدة مع يهودي شاذ جنسياً، ووُضع في مرحلة ثانية مع أسير فلسطيني كان قد اعتقل منذ ثلاثينيات القرن الماضي ولا يعرف شيئاً عن تطوّرات معركة التحرر الوطني الفلسطيني. كلّ ذلك في إطار مخطط لإفقاده معنوياته».
أما عن حالته بعد عملية التبادل، فيكتب آداشي نقلاً عن رفاق في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين: «لم يكن يستطيع أن يستعمل يده ليأكل، لا أنه لا يحسن استخدام الملعقة أو السكين، بل لا يحسن استخدام يده... وكان قد فقد كلّ معرفة بنظام الحياة اليومي مثل غسل وجهه، تنظيف الأسنان، الاستحمام».
بعد الإفراج عنه، تولّت الجبهة الشعبية رعايته، وانضم إليه لاحقاً رفاق من «الجيش الأحمر الياباني» عاشوا معه في البقاع الغربي حتى شباط 1997، عندما دهمت القوى الأمنية اللبنانية منزل أمية عبود (ابنة عم الشهيدة لولا عبود) وقبضت على كوزو وخمسة يابانيين آخرين حوكموا بتهمة الدخول خلسة إلى لبنان... وكان ذلك بعد وقت قصير من انتهاء أعمال «مؤتمر اصدقاء لبنان» الذي وعدت فيه اليابان بتقديم مساعادت اقتصادية إلى لبنان للمساهمة في إعادة إعماره.
كوزو اليوم طفل كبير. يتمتع بحاسة قوية تكشف له من يحبه فعلاً ومن يشفق عليه. لا يتأخر عن تناول أدويته المهدئة التي يعرف مفاعيلها، فقد عرض مرة على سميح أن يتناول حبة «لكي تنام يومين» قال له ضاحكاً. وهو يطيع دارين عندما تحذّره من كثرة التدخين، ويفتح العلبة ليري سميح كم سيجارة يدخّن في اليوم. وفي خضم كلّ هذه الحياة، يتذكّر كوزو أنه كان طالب جامعة يدرس العلوم الطبيعية في اليابان.


أرقام وتواريخ 30 أيار 1972: ينفّذ كوزو أوكوموتو (أحمد) عملية عسكرية في مطار اللد مع رفيقيه في «الجيش الأحمر الياباني» ياسويكي ياسودا (صلاح) وتسويوشي أوكودايرا (باسم). والأخيران استشهدا خلال العملية التي أسفرت عن مقتل 26 شخصاً وجرح أكثر من ثمانين.
  • 20 أيار 1985: يفرج عن كوزو في إطار عملية تبادل واسعة للأسرى بين الفلسطينيين والإسرائيليين (عملية الجليل). وتستقبل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أوكوموتو على الأكتاف في منطقة البقاع اللبنانية.

  • 15 شباط 1997: تدهم قوة أمنية لبنانية منزل أمية عبود في جب جنين وتقبض على كوزو وخمسة يابانيين آخرين ويسجن اليابانيون ثلاث سنوات بتهمة الدخول خلسة إلى لبنان.

  • 2 آذار 2000: يشهر كوزو إسلامه داخل سجــــــــــن رومية مع رفيقه كازيو توهيرا في محاولة للحصول على لجوء سياسي في لبنان مع قرب انتهاء مدة الحكم فيما تبدأ مجموعة من الشباب اللبناني اعتصاماً مفــــــــــتوحاً مقابل وزارة الداخلية للمطالبة بإعطاء كوزو أوكوموتو ورفاقه حق اللجوء السياسي.