strong>إبراهيم الأمين


عمـر موسـى يركـض بيـن لبنـانيين لا يثقـون ببعضهـم

مباشرةً من المطار توجّه الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى والوفد المرافق له، برفقة السفيرين السعودي عبد العزيز خوجة والمصري حسين ضرار الى عين التينة للقاء الرئيس نبيه بري، فبدأ بقراءة قرار مجلس الوزراء العربي. ثم تحدث بري فعرض نسلسل الأوضاع، منذ مغادرة موسى قبل شهور، وكرّر ما سبق أن قاله عن المحكمة وتلازمها مع الحكومة وصولاً الى الحوار مع النائب سعد الحريري. وقال إن «ما يحصل الآن في لبنان، كما في فلسطين، يعود الى غياب السلطة الموحّدة، وإن المطلوب تأليف حكومة وحدة وطنيّة تعالج كل الأمور. وهذه تجربة فتح الإسلام في نهر البارد تعطينا إشارة عن المصاعب، ولو كنا في سلطة موحدة لكان الأمر مختلفاً، لو كانوا 300 رجل هبطوا من السماء، فإن التوافق اللبناني يعطّلهم، ولو كانوا قادمين من سوريا فإن دمشق لن تخرب استقراراً أتى نتيجة اتفاق أُقر مع حلفاء لها في لبنان، وبالتالي لا مهرب من ضرورة قيام حكومة وحدة وطنية وخصوصاً أن الموالاة سقط شرطها بإقرار المحكمة الدولية في مجلس الأمن الدولي».
ثم تحدّث بري عن المبادرة التي خرجت بها قوى 14 آذار بعد إقرار المحكمة وأنها تريد الآن الرئاسة، وكان المناخ محبطاً، لكن فجأة جاء حديث النائب سعد الحريري التلفزيوني عن التوافق ومدّ يده للحوار، ثم تبعه الرئيس فؤاد السنيورة بعرض 13 مقابل 17، «فقلنا إنه أمر جيد ويمكن أن تكون هناك أمور أفضل، ثم بدأ السفير السعودي تواصله مع النائب علي خليل والحاج حسين الخليل، وتحدّث هو أيضاً عن 13 مقابل 17 ثم عاد الى 11 مقابل 19. لكن خرج علينا قائد القوات اللبنانية سمير جعجع رافضاً حكومة الوحدة الوطنية ثم أعلن النائب وليد جنبلاط أنه لم يسمع بمبادرة لا من هنا ولا من هناك».
غادر موسى بعد تأكيد السعي الى إطلاق الحوار، وانتقل الى كليمنصو لمقابلة النائب وليد جنبلاط، ثم أمضى ليلته متنقّلاً بين السنيورة والحريري، وسمع من الثلاثة كلاماً كثيراً عن الخلافات وعن أولويات فريق السلطة والمطالب والضمانات وخلاف ذلك. فيما كان مساعدوه يرتبون له مواعيد مع شخصيات أخرى من الفريقين.
في صباح اليوم التالي، اتصل موسى طالباً اجتماعاً عاجلاً مع بري، وحدّد له موعد في الثانية والنصف بعد الظهر. جاء موسى وقال إن لديه أفكاراً معيّنة ثم أخرج من جيبه ورقة قرأ فيها أنه يجب البدء بالحوار من أجل تأليف الحكومة الجديدة، مشيراً الى أن لديه ثلاثة بنود: أولها الدعوة الى حوار على مستوى صف ثان يجري في المجلس النيابي قبل نهاية الشهر. هنا وقف بري وجلس خلف مكتبه وطلب من موسى أن يملي عليه ما في ورقته من بنود، وأعيدت الصياغة بالتفاهم قبل أن يطلب من موسى نسخة عن الورقة الأصلية، التي تنص على:
1ــ انطلاق الحوار بين ممثلين مفوّضين عن القادة الذين كانوا ممثلين في طاولة الحوار.
2ــ تأكيد قيام حكومة وحدة وطنية.
3ــ تهيئة المناخ لتوافق قبل إجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها الدستوري.
4ــ البحث في تعزيز قوى الأمن والجيش.
وتشير الورقة إلى أن الممثلين المفوضين يعودون لاحقاً إلى قادة الصف الأول لعرض ما توافقوا عليه في الحوار الذي يتم في المجلس النيابي.
رحّب بري بالفكرة، ووجد فيها نقاطاً إيجابية لناحية التأكيد على الحكومة، فارتاح موسى وسأل: «متى يكون عندك جواب؟». سأله بري عن مدة إقامته، فأجاب الأمين العام: «حتى الخميس وربما الجمعة»، فقال رئيس المجلس: «سأجري مشاورات ونلتقي على الغداء الخميس».
بقي بري وحيداً مع ورقة موسى، وأخذ يفكر بما فيها ويبحث عن الألغام التي تتضمنها، لشكوك واضحة في نيات الفريق الآخر وسلوكه. يريدون حواراً على مستوى صف ثان. حسناً، ولكن لماذا العجقة؟ ليتم اختيار لجنة ثلاثية أو رباعية من كل طرف. أما أن تنقل مداولاتها الى قادة الصف الأول، فهذا يعني أن تموز يمكن أن يمضي من دون نتائج. ثم يأتي آب والمهلة الرئاسية وخلافه، فهل هناك مسعى لتضييع الوقت؟ كما أنهم يريدون جدول أعمال يتناول الرئاسة وملف الأمن والحدود؟حسناً، لكن إذا لم يحصل الاتفاق على بند فماذا يحل بالحكومة؟ هل يريدون ربط الحكومة بالرئاسة كما فعلوا يوم المحكمة؟
قصد موسى، في نهاية تلك الليلة النائب الحريري في قريطم. وسمع منه ترحيباً: «أحتاج إلى بعض الوقت». ثم شرح وجهة نظره في الأمر برمّته متحدثاً عن حاجة فريق الموالاة الى «ضمانات لعدم تعطيل عمل الدولة لأننا لا نعرف ما الذي يمنع المعارضة من الاستقالة عند كل قرار يتخذه مجلس الوزراء، وما الذي يمنعهم من تعطيل نصاب جلسة انتخاب الرئيس. ثم إن المسائل التي تخصّ ملف الأمن والحدود مع سوريا تتطلّب بحثاً جدياً وهو موضوع غير قابل للتأجيل، وله ضرورة قصوى». وخرج موسى ليبلغ أعضاء فريقه أن الأمور جيدة «وأعتقد بأننا سنتوصل الى حلّ. ما وصلت اليه مع بري والحريري مشجع بقوة، وأمامنا تفاصيل لمتابعتها».
اتصل موسى ببري سائلاً إذا كان لديه أي جديد، فأجاب رئيس المجلس: «لم أتلقّ أجوبة بعد». لكن بري كان قد جمع في اليوم التالي كتلة التحرير والتنمية وصدر عنها بيان يركز على أن «المخاطر تستدعي ضرورة قيام حكومة وحدة وطنية في أسرع وقت ممكن».
واصل الأمين العام للجامعة العربية لقاءاته وتشاور مجدداً مع بري والسنيورة والحريري وجنبلاط، وكان يعدّ للاجتماع مع الأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصر الله، بعدما كوّن صورة عن مواقف الأطراف المسيحية، وعندما اتصل لاحقاً ببري قال له الأخير: «أنا وغيري نخشى أن تكون هناك لعبة تضييع للوقت، ثم إن الأمر الخلافي الوحيد الذي يحتاج الى علاج هو مسألة تأليف الحكومة، ولا أُخفيك أن الرئيس إميل لحود في مناخ تأليف حكومة ثانية، وهو أمر جدي...». قاطعه موسى: «هل توافق على خطوة كهذه، أنت تعرف أنه لن يعترف بها أحد في العالم»، فردّ بري: «لا يهم موقفي من هذه المسألة. المهم هو أننا نواجه استحقاقات مهمة ويجب ألّا نضيع الوقت. فليجرِ الاتفاق على حصر جدول أعمال الحوار هذا بنقطة واحدة: تأليف حكومة وحدة وطنية. أما المهمات الأخرى المطلوبة فلا تحتاج الى أي نوع من الحوار».
ردّ موسى: «هل تريد أن تحصر الأمر في نقطة الحكومة فقط؟ وماذا تفعل بالنقطتين الأُخريين؟». فرد بري: «الأمر لا يحتاج الى حوار. نحن موافقون مسبقاً، افترض أن لك في ذمتي مبلغاً من المال، وجئت تطلبه مني، فأعطيتك إياه، فهل تذهب الى الشرطة وتتقدّم بشكوى أم ترى أن الأمر قد انتهى؟». وتابع: «أنت تريد التوصل الى اتفاق وأن تعلنه. وأنا أقترح عليك الآتي: تعقد مؤتمراً صحافياً تعلن فيه الاتفاق على بدء حوار بين ممثلين عن الفرقاء على مستوى الصف الثاني بهدف تأليف حكومة وحدة وطنية تتمثّل فيها كل الأطراف، وبعد خمس دقائق على انتهاء مؤتمرك الصحافي أعقد أنا مؤتمراً صحافياً، وأعلن فيه أن أولوية الحكومة التي ستؤلّف ستكون تحضير المناخ المؤاتي للانتخابات الرئاسية في موعدها الذي حدّدته أنا، وستعمل على تعزيز قدرات الجيش والقوى الأمنية لمواجهة أعمال الإرهاب التي تستهدف لبنان».
حاول موسى التهرّب من الاقتراح سائلاً بري عن السبب، فقال له الأخير: «أنا أصلاً من حدّد موعداً للانتخابات الرئاسية، وأنا أعمل مع البطريرك الماروني على التوافق. لكن إذا لم يحصل التوافق مع هؤلاء فماذا نفعل؟ هل نجمّد البلاد؟ ماذا يريدون من ربط الحكومة بالرئاسة في جدول الأعمال نفسه؟ هل يريدون ربط النتائج بعضها ببعض؟ كنا قد توصلنا في الأحاديث السابقة الى أولوية الملف الحكومي، وأريد أن أُبلغك أنه، خلال الحوار بيني وبين الحريري، قال لي: لماذا تصرّ أنت على نصاب الثلثين، هل تريد مشاركتنا في اختيار الرئيس؟ فرددت عليه: نعم، وهل هو أمر غير وطني؟ وهل من المخجل لك أو من المعيب أن أُشاركك في اختيار الرئيس المقبل أم العكس؟ ثم إذا كان الحضور في المجلس النيابي سلوكاً ديموقراطياً فإن الغياب هو أيضاً سلوك ديموقراطي».
في هذه اللحظات، جاءت المفاجأة من أحد السفراء الحاضرين الذي توجّه الى موسى بالقول: «سعادة الأمين العام، لقد سمعت صراحة من أحد أقطاب الفريق الآخر بأنهم يريدون ضمانة من المعارضة بأن لا يستقيلوا من الحكومة وألّا يعطّلوا نصاب جلسة انتخاب الرئيس».
في هذه اللحظة، تبدّلت ملامح بري وموسى، قال رئيس المجلس: «الأمور واضحة. هم يريدون مقايضة، ولا يريدون لا الحوار ولا الحكومة، بل يريدون تضييع الوقت ليسيطروا على الرئاسة، وإذا كانوا لا يثقون بموقف المعارضة من المحكمة الدولية فنحن لا نثق بموقفهم من مسألة الحكومة، وها هم يضيّعون الفرص تلو الفرص».
عندئذ أُسقط في يد موسى، فالتفت الى مساعده هشام يوسف الذي يدوّن المحاضر، وكان قد كتب بحبر أزرق على ورقة زهرية اللون النص الذي كان يُفترض بموسى أن يذيعه في مؤتمره الصحافي، وورد في القسم الأعلى منها: «يعقد اجتماع لممثلين مفوضين عن أطراف طاولة الحوار، يوم الخميس 28 حزيران 2007 للاتفاق على تأليف حكومة وحدة وطنية»، وتدخّل بري لكي يجعل الورقة تنص في قسمها الثاني ما يخص البنود الأخرى. وكتب يوسف «بعد شكر الجهود...»، في اشارة الى أن بري سيشكر الجهود التي قامت بها الجامعة العربية، ثم يؤكد على «أولوية دعم القوى الامنية لتثبيت الامن والاستقرار في البلاد...». وقف بري وأخذ الورقة من يوسف ثم فصلها الى جزءين، أخذ الجزء الذي يخصه وأعطى موسى الجزء الذي يخصه.
ارتبك الجميع، وبدا موسى منزعجاً للغاية، وعبّر عن ذلك في الطريق من عين التينة الى مقر الشيخ عبد الأمير قبلان حيث عقد اجتماعاً سريعاً قبل أن ينتقل الى الاجتماع مع السيد حسن نصر الله. بينما توجه النائب علي حسن خليل لوضع السيد نصر الله والعماد عون في أجواء الاجتماع مع بري. ولدى وصول خليل الى مكتب الحاج حسين الخليل، بدأ بعرض سريع للأمر على أن يتحدث هاتفياً مع السيد نصر الله. ولم تمرّ دقائق قليلة حتى وصل الوفد العربي الى مكتب الخليل تمهيداً للانتقال الى لقاء نصر الله. تم توزيع الوفد على اكثر من مجموعة وتولت سيارات خاصة نقلهم اكثر من مرة قبل أن يصلوا الى شقة حيث كان السيد نصر الله في انتظارهم.
بدأ الرجل بالترحيب بالوفد، والاعتذار عن الإجراءات، ثم قدم مداخلة طويلة حول ما مرت به البلاد من احداث وحوارات. وكرر أن الحزب والمعارضة يريدان تسهيل مهمة الوفد والتوصل الى نتائج عملية. وبدا سريعاً للوفد أن نصر الله ليس في كامل الصورة عما دار من محادثات مع بري.
سأل نصر الله موسى: كيف كان الاجتماع مع الرئيس بري؟، فرد الأمين العام: «لقد خرجت محبطاً. لم اعرف ما الذي تبدل حتى قرر تعديل صورة الاتفاق. لم يعد يريد جمع النقاط الثلاث في ورقة واحدة وطلب ترك ملف الحكومة وحده والملفات الاخرى وحدها».
قال نصر الله: «لنكن واقعيين، الحوار لم يثمر على مستوى الصف الاول وليس بالضرورة أن ينتج عند الصف الثاني، لكن مع ذلك، اذا كان الامر كذلك فليكن، علماً أنني شخصياً أفضّل ان يتم الأمر ثنائياً، اي بين بري والحريري، ولا حاجة إلى التوسّع. لكن السؤال عن الحكومة هو على أي قاعدة ستؤلّف: 13 مقابل 17 ام 11 مقابل 19؟». فرد موسى موضحاً: «هذا الموضوع يهمنا لكنه ليس من اختصاصنا. هذه أمور متروكة لكم انتم. نحن معنيون بأن يصار الى إعلان عودة الجميع الى الحوار. واذا كنتم قد وافقتم على الذهاب الى سويسرا او الى فرنسا وترسلون من يمثلكم فلماذا لا تفعلون الأمر نفسه في بيروت؟».
قال نصر الله إنه لا مانع في المبدأ، «لكن المشكلة تتعلق بأن ملف الحكومة يجب ان يكون واضحاً، وألا يعود البحث الى النقطة الصفر، وخصوصاً أن السفير السعودي كان قد طرح المشاركة على أساس 13 مقابل 17 ثم تراجع الى 11 مقابل 19 وقال إن الجميع موافق على هذه الصيغة».
كان واضحاً للوفد العربي أن هناك حاجة لدى «حزب الله» الى توضيح هذه النقطة. وحصل نقاش مكثف انتهى الى إعادة صياغة البند المتعلق بالحكومة على نحو يضاف اليه ما يوضع بين مزدوجين وفيه: «من حيث انتهى اليه السفير السعودي من نتائج». وهذا الامر تطلّب بحثاً من نوع آخر منه ما يتصل بالعودة الى خوجة لسؤاله عن مسألة توزيع الحقائب والحصص، وعن طلب السلطة ضمانة بعدم الاستقالة من الحكومة، والامور الاخرى التي تتعلق بالبيان الوزاري والعودة الى البحث في ما صدر عن حكومة السنيورة من قرارات.
اما في ما خص البند الثاني المتعلق بالرئاسة، فشدد نصر الله على انه لا يمكن فريق الأكثرية أن يربط الموافقة على قيام الحكومة باتفاق مسبق على الرئاسة، وبالتالي فإن الكلام عن تهيئة المناخ لإجراء انتخابات رئاسية في موعدها الدستوري، يفترض توضيحاً يتم إلحاقه ضمن مزدوجين وفيه: «شرط ان لا يتم اشتراط الاتفاق على الأسماء او على طريقة التعامل مع النصاب الخاص بالجلسة».
أما في ما خص البند الثالث المتعلق بدعم قوى الامن والجيش والعلاقات مع سوريا، فقال نصر الله إنه «ليس لدى المعارضة اي مشكلة في القيام بكل ما يلزم، لكن دون ان يذهبوا بنا الى معارك اضافية او يفتحوا لنا ابواباً جديدة من اجل تحقيق أهداف اخرى»، لافتاً الانتباه الى رغبة فريق 14 اذار في جر الجيش الى مواجهة مع «الجبهة الشعبية – القيادة العامة» في الشوف والبقاع.
حصل التفاهم مع نصر الله على هذه البنود، وخرج الوفد من عنده بغية التوصل الى نقاش مستفيض. شعر موسى بأنه عوّض مع نصر الله عما فاته مع بري، فعادت معنوياته لترتفع، وتوجه مباشرة الى قريطم حيث كان الحريري بانتظاره. عرض عليه الأمر وانتزع منه موافقة مبدئية بانتظار مشاورة الحلفاء.
آخر العروض
في الساعات الأخيرة كان موسى ينتظر جواب الحريري على الورقة المعدلة بعد زيارته لنصر الله. طلب الاخير مهلة ثم أجابه بالموافقة شرط ان تكون الأمور محصورة في ألا يتم الإعلان عن الضمانات التي طلبتها المعارضة، التي رفضت ذلك. وتولى الحاج حسين الخليل إبلاغ هشام يوسف أن ما ورد ضمن الجمل الاعتراضية التوضيحية يجب ان يكون جزءاً من الاتفاق الذي يعلن، وان يقال صراحة إن البحث ينطلق من حيث توقف السفير السعودي وإن الملف الرئاسي لا يُلزم أحداً من الان بالتفاهم على اسماء او فرض النصاب. ورد مساعد موس بالحديث عن شكل اخر من الضمانات بينها أن يوقّع موسى على هذه المطالب او الإضافات على ورقة منفصلة لا تعلن في المؤتمر الصحافي، أو أن يتحدث موسى عن صيغة الحكومة ليس من خلال البيان الذي يتولى قراءته بل في سياق رد على سؤال صحافي خلال المؤتمر. ثم جرى الحديث عن ان السفير السعودي يعد بياناً ويقرأه في افتتاح جلسة الحوار المفترض عقدها.
شعر موسى بأن الأبواب أُوصدت من جديد. المعارضة تريد ضمانات علنية، والموالاة ترفض فصل ملف الحكومة عن ملف الرئاسة، وألا تكون هناك تفاصيل مسبقة كالتي نسبت الى السفير السعودي لان الموالاة نقلت عن خوجة عدم اقراره بمطالب المعارضة.
ربط نزاع
وحتى لا تكون الامور سوداء، وخشية ان يخرج موسى بكلام يحمل المعارضة مسؤولية انهيار مهمته. لفت بري البعض الى انه مستعد لقول كل شيء، ثم اتفق مع الحاج الخليل على التقدم بعرض اخير لموسى بواسطة هشام يوسف جاء فيه: ان الامور باتت واضحة، وهناك ارضية للبحث قد انجزتها، وبات معلوماً لديك ان الأكثرية لديها الحريري لينطق باسمها، كما لدى المعارضة الرئيس بري ليتحدث باسمها. واذا كان الامين العام غير قادر الان على البقاء، فليعُد بعد اسبوع او اكثر ويتولّى إدارة مفاوضات مكوكية بين بري والحريري حتى يخرج باتفاق متكامل.
بعدئذ طلب الى الصحافيين الاستعداد لأن موسى سيعقد مؤتمراً صحافيا. وفي عين التينة جلس بري ومن حوله الحاج الخليل والنائب خليل وآخرون للاستماع. راهن بري الحضور بأن موسى سيكون هادئاً ولن يدخل في لعبة تحميل أحد مسؤولية عدم التوصل الى اتفاق نهائي، وأنه سيتعامل مع اقتراح الخليل الأخير بإيجابية!.



◄ وصل عمرو موسى والوفد المرافق مساء الثلاثاء 19 أيار إلى بيروت، وتوجه مباشرة إلى عين التينة ليعقد اجتماعاً لساعة ونصف الساعة مع الرئيس نبيه بري، قبل أن ينتقل إلى كليمنصو للقاء النائب وليد جنبلاط لساعة، ثم إلى السرايا للاجتماع مع الرئيس فؤاد السنيورة وتناول العشاء إلى مائدته.
◄ في اليوم التالي زار الوفد الرئيس إميل لحود وقائد الجيش العماد ميشال سليمان والرئيس بري والنائب الحريري ثم مفتي الجمهورية محمد رشيد قباني، فالنائب جنبلاط مجدداً. ثم استقبل موسى في مقر إقامته النائب إيلي سكاف قبل أن يزور مجدداً الرئيس السنيورة، ويتناول العشاء مساء عند وزير الدفاع الياس المر، ويلتقي هناك مدير المخابرات في الجيش اللبناني العميد جورج خوري.
◄ في اليوم الثالث استقبل موسى الوزير ميشال فرعون والنائبين بطرس حرب ونسيب لحود، ثم زار العماد ميشال عون في حضور النائبين ميشال المر وأغوب بقرادونيان، قبل أن يلتقي المر على حدة. ثم انتقل إلى بكركي للقاء البطريرك الماروني نصر الله صفير، فالرئيس أمين الجميل في بكفيا، ثم قائد «القوات اللبنانية» سمير جعجع في بزمار. وبعدها انتقل مجدداً إلى عين التينة ليجتمع مع الرئيس بري قبل أن يزور لاحقاً نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ عبد الأمير قبلان، ثم توجه للقاء الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله،
◄ وفي اليوم الأخير زار موسى الرئيس نجيب ميقاتي ثم الرئيس السنيورة قبل أن يقوم بزيارتين إلى النائب سعد الحريري ليعقد عند التاسعة مساء مؤتمراً صحافياً ويغادر بعدها بطائرة خاصة وضعها الحريري في تصرفه.
◄ عقد موسى ومساعدوه اجتماعات غير معلنة مع النائب الحريري ومع النائب علي حسن خليل ومع الحاج حسين الخليل.
وقال مساعدون لموسى إن مجموعة ساعات العمل التي أمضاها الأمين العام في اتصالاته تجاوزت 45 ساعة.

ميشال عون: الزيارة والمفاوضات والمقايضةلم يخف عون تشاؤمه. كان يراقب تصرفات فريق الأكثرية، ويدقق في ما يصدر عن الجانب الأميركي من مواقف، وهو كان كثير الحذر إزاء المبادرة برمّتها، ربطاً بما كان يجري مع الاتصالات التي باشرها السفير السعودي عبد العزيز خوجة وجهات أخرى، وهو الذي تلمس موافقة فرنسية ـــ سعودية على قيام حكومة وحدة وطنية تمثل الفرقاء كافة.
بعد وصول موسى إلى بيروت، كان عون لا يجد ضرورة لعقد اجتماعات تنسيق لقوى المعارضة. كان وفريقه يتابعان الاتصالات مباشرة مع قيادتي «حزب الله» وحركة «أمل» والوزير السابق سليمان فرنجية، وقيادات أخرى من المعارضة. وكان مسؤول العلاقات السياسية في التيار جبران باسيل في قلب هيئة متابعة تضمه والنائب علي حسن خليل والمعاون السياسي للأمين العام لـ«حزب الله» الحاج حسين الخليل. بدا لعون منذ البداية أن هناك محاولة لإعادة الأمور إلى الوراء، لذلك تساءل: «ما الذي طرأ؟ لقد تحدث السنيورة عن حكومة اتحاد وطني من 13 مقابل 17، ثم عاد السفير السعودي وأعدّ صيغة قال فيها إن الموالاة توافق على 11 مقابل 19. فلماذا يريدون العودة الآن إلى البحث في ملف الحكومة من النقطة الصفر. إنها لعبة لتضييع الوقت».
قبل وصول موسى إلى الاجتماع مع عون، كانت ورقة المقترحات قد وصلت إلى الرابية. فاضطر الجنرال إلى مصارحة موسى بالقول: «لسنا هنا في معرض التفاوض على الحقوق. أنت والوفد تأتون إليّ لأنكم ترون فينا تمثيلاً حقيقياً، هذا التمثيل واضح ولا يحتاج إلى ما يثبته، وما نريده من الآخر هو الإقرار علناً بهذه الحقوق، وإذا كان هناك من سؤال حول ترجمتها فإن المطلوب هو حكومة وحدة وطنية تعطي لكل فريق حقه بحسب حجمه ونفوذه. ونحن في التيار الوطني والكتلة النيابية نرى حصتنا خمسة وزراء في حكومة ثلاثينية وأربعة وزراء في حكومة من 24 وزيراً. ولا مجال عندنا لأي نوع من التفاوض. ثم إن الأمور التي يتحدثون عن كونها خلافية، ليست من النوع الذي يعنينا الآن، كل شيء قابل للحوار داخل الحكومة».
وتحدث عون مطولاً عن الأزمة وعن العلاقات بالخارج، وسخر من اتهامه بأنه جزء من مؤامرة تقودها سوريا وإيران لتقويض لبنان. وقال للوفد: «يتحدثون عن مسؤولية سوريا عن الإرهاب، لا أحد يعفي سوريا أو يمنع اتهامها، ولكن لماذا لا يقدمون لنا في هذه الحكومة معلومات ووقائع وأدلة، أعطوني إياها وأنا أذهب إلى الجامعة العربية وإلى مجلس الأمن وأطلب إدانة كاملة لسوريا. أما في الملف الرئاسي فهم يريدون منا أن نبصم على ما يريدون. لنذهب باتجاه تأليف الحكومة، وهذا وحده ما يمنع الفوضى ويمنع قيام حكومتين».
خلال يومي المفاوضات، كانت الاتصالات مع مساعدي عون، تتركز على الموقف من الورقة، فشدد الأخير على أن المطلوب، وبوضوح، الآتي:
أولاً: تثبيت موافقة الموالاة على تأليف الحكومة وفق قاعدة 11 مقابل 19 وتثبيت مطلب المعارضة بأن تكون على قاعدة 13 مقابل 17.
ثانياً: التأكيد على وجوب أن ترد في البند الخاص بالرئاسة عبارة «ضمن الأصول الدستورية». وشدد عون على أن «هذه الأمور يجب أن تعلن مباشرة أمام الجمهور ولا تظل ضمن ملاحق سرية أو تعهدات ضمنية. أما بقية الأمور فلا مشكلة فيها. لا يمكن أن نقبل بأي شرط مسبق». وتابع: «أصلاً لم يفرض أحد أي شرط، ولم نسمع من السفير السعودي أي شرط في ما يتعلق بما تريده قوى السلطة من تعهد من المعارضة بعدم الاستقالة من الحكومة. أما بشأن الرئاسة فليس هناك من يفرض شرطاً».
في اللحظة الأخيرة، أبلغ عون إلى حلفائه في المعارضة موقفه النهائي ومفاده: «إذا كنتم تجدون في ما هو معروض ما يناسب، فلا بأس أن تذهبوا إلى الحوار، ولكن من دوننا، وعندما تنجزون البند المتعلق بتأليف حكومة الوحدة الوطنية ننضم نحن على الفور. علماً بأننا لا نجد ما يبرر ذلك. وحتى لا يجري الكلام على موقفنا هذا، فنحن لا نهتم أن يقال غداً إننا كنا عنصراً مانعاً لإنجاز اتفاق، لأننا لا نريد تسوية من هذا النوع ولا يمكننا أن نقايض عقداً رئاسياً لمدة ست سنوات بعقد حكومي لمدة ثلاثة شهور».

  • برّي وإيمييه والمبادرة الفرنسية


  • زار السفير الفرنسي برنار إيمييه الأمين العام للجامعة العربية خلال وجوده في بيروت وسأله عما إذا كانت فكرة الحوار على مستوى صفّ ثان، التي دعا إليها في بيروت، تمثّل التفافاً على الدعوة الفرنسية المماثلة، وشرح من جانبه وجهة نظره. وردّ موسى مكرراً أن «من يوافق على حوار في باريس أو في أي مكان آخر، فلماذا لا يوافق عليه في بيروت؟».
    موسى الذي استغرب الأمر، تذكّر أنه في اليوم الثاني على بدء مفاوضاته مع الرئيس نبيه بري سمع منه كلاماً حول هذا الأمر. يومها قال له بري: «الحوار الذي تدعو إليه مفترض في تاريخ 28 من الشهر الجاري، وهو التاريخ نفسه لجلسة الحوار التي دعت إليها وزارة الخارجية الفرنسية. (قبل أن يصدر بيان فرنسي يرجئ الجلسة الى منتصف تموز)، وأخشى أن يفهم الأمر على أنه إشارة سلبية إلى المبادرة الفرنسية»، فردّ موسى: «لماذا؟ أليس هناك سوى رجل واحد في الصف الثاني لديكم ولدى الآخرين من القوى المحلية؟ يمكنك أن ترسل آخرين إلى باريس. ثم إذا كنتم تريدون حواراً في باريس فلماذا لا تريدون حواراً في لبنان؟ هل أنتم ضد الحوار؟». فانتبه بري إلى خطورة الأمر وقال له: «لا أمانع، فليكن الأمر كما قلت. هناك إمكان لإرسال وفد آخر. وأنا كنت قد فكرت بأن ينحصر الحوار بين لجنتين من الموالاة والمعارضة، لكن لا بأس. فلنسر بفكرتك الأولى».

  • أين سلاح المقاومة؟


  • أظهرت مداولات موسى في بيروت أنها المرة الأولى التي لا يأتي أحد على ذكر سلاح المقاومة. وقال الأمين العام للجامعة العربية لأحد المستفسرين عن الموضوع: «لم يذكر أحد من كل الذين التقيتهم هذا الأمر، والوحيد الذي أشار إليه هو سعد الحريري، عندما أكّد أن هذا موضوع غير مطروح الآن للبحث. ونحن لا ندرجه ضمن جدول الأعمال».

  • صفير و«حكومة الإنقاذ»

  • خلال زيارة بكركي، استفسر موسى عن تصور صفير لحل المسائل العالقة، وعرض عليه ما يفكر فيه بشأن الحوار، والمصاعب التي تواجه اللبنانيين، فلم يتأخر البطريرك الماروني في الرد قائلاً: «لقد شهد لبنان أزمة مشابهة عام 1958. كان هناك انقسام سياسي وتوتر أمني في البلاد. جاء اللواء فؤاد شهاب الى الرئاسة وألّف حكومة إنقاذ رباعية تولّت إعادة تنظيم الأمور في البلاد سياسياً وإدارياً وأمنياً. لماذا لا تؤلّف حكومة إنقاذ مصغرة، الآن، من المسلمين والمسيحيين لتتولّى إعادة توحيد البلاد وتثبيت الأمن والإدارة وتشرف على انتخابات رئاسية في موعدها؟».
    يشار إلى أنه في أعقاب أحداث عام 1958، ليل 14 تشرين الأول من تلك السنة، كلف شهاب الرئيس الشهيد رشيد كرامي ترؤس حكومة رباعية ضمّته هو وحسين العويني عن المسلمين، وبيار الجميل وريمون إده عن المسيحيين.


  • قائد الجيش: نحن على الحياد


  • رحّب قائد الجيش بالوفد المرافق وأكد أنه أمام تعاظم الصراع بين الفرقاء المحليين، وإذا قامت حكومة ثانية في البلاد، سيكون الجيش على الحياد. ولما سأله احد اعضاء الوفد المرافق من اي جهة سيتلقى الجيش الأوامر، أجاب العماد ميشال سليمان: «أنا أتعامل الآن مع حكومة الرئيس السنيورة بصفتها الحكومة القائمة، وإذا حصل انقسام فسأكون على الحياد».
    وكان موسى قد تلقّى نصيحة من مراجع في لبنان بأن يلتقي قائد الجيش في اطار دعمه في مواجهة مسلحي «فتح ـــ الإسلام»، وللاستماع إلى رأيه وإلى معلومات مدير المخابرات في الجيش العميد جورج خوري في شأن الوضع الأمني في لبنان ومسألة الحدود مع سوريا. وقد التقى الوفد العربي بالعميد خوري في منزل وزير الدفاع الياس المر.


  • مزحة أمنية في السرايا


  • لما أبلغ الرئيس فؤاد السنيورة موسى والوفد المرافق له بأن لديه ما يطلعهم عليه عن «الدور السوري في الأعمال الإرهابية الجارية في لبنان»، استنفر الوفد وجلس بانتظار سماع أمور خطيرة، ولم تمر دقائق أولى على بدء العرض التقني حتى بدأ أعضاء الوفد ينظرون بعضهم إلى بعض، وتوقف البعض عن تدوين ملاحظاته بعدما تبين أن ما ورد هو مجرد معلومات أولية صادرة عن أجهزة تحقيق أمنية، ولا صفة قضائية لها، ثم لكون ما ورد لا يؤلّف أرضية للاتهام على رغم أن الذين أعدّوا الملف المعروض حرصوا على تقديم «اعترافات ومعلومات عن علاقة إرهابيي فتح الإسلام المالية والأمنية بالمخابرات السورية».


  • جنبلاط والفرس والقتل


  • الإشكال البروتوكولي الأول الذي حصل مع الوفد العربي الذي كان في طريقه إلى مقابلة النائب وليد جنبلاط نتج من أن مرافقين لأعضاء من الوفد ظنوا أن الاجتماع سيكون في المختارة، بينما توجّه آخرون إلى كليمنصو. ولما بدأ الحديث عن مشكلة مع الوزير القطري أصر موسى على ترتيب لقاء آخر يحضره الجميع.
    وفي المرة الأولى استمع موسى والوفد إلى «مناحة» من جنبلاط حول ما تقوم به سوريا من أعمال قتل واغتيال، وقال: «يصطادوننا كالعصافير واحداً تلو الآخر. ونحن ننتظر ماذا؟ عليكم أن تكونوا معنا في مواجهة إجرام النظام السوري وفي مواجهة الحملة الفارسية». وأفرد أمام الوفد مجموعة من المؤلفات العائدة الى شخصيات شيعية دينية وثقافية، عارضاً إهداء مجموعة كتب لعالم الاجتماع وضاح شرارة لمن يرغب بقصد «فهم جماعة الفرس في لبنان»، طالباً «تدخل العرب للدفاع عمّن يواجه معركة العروبة والإسلام بوجه سوريا وإيران».
    وبينما كانت علامات التوتر بادية على كلام جنبلاط ووجهه، كان الوزيران مروان حمادة وغازي العريضي يسعيان إلى توضيح بعض المسائل كيلا يبدو جنبلاط رافضاً للحوار. إلا أن رئيس «اللقاء الديموقراطي» بدا في اللقاء الثاني أكثر هدوءاً من اليوم الأول، من دون أن ينسى أن الأولوية هي لتطويق النظام «الإرهابي» في سوريا.