إعداد: جاد نصر الله


أنهت مجموعة من المعماريين والمهندسين في قسم «الهندسة المعمارية والتصميم في الجامعة الأميركية في بيروت» العمل على وثيقة تعرض فيها تصوّرها للأساليب البديلة لإعادة إعمار ما تهدّم من ضاحية بيروت الجنوبية. تأتي هذه الوثيقة حصيلة عشرة أشهر من البحث العلمي والنقاش، وهي ترمي إلى فتح نقاش عام عن إعادة الإعمار


تُقِّر الوثيقة الصادرة عن «ورشة التصميم المكثّفة» (الإطار المُشكّل لعمل الفريق) بأنها لم تهدف «إلى الخروج بحلول معمارية أو تصميم مدني يكون دقيقاً ومفصلاً». بيد أنَّ التحدي الأساسي الذي أثاره العاملون في «الورشة» يكمن في استحداث مقاربات لإعادة إعمار محيط حارة حريك يكون هدفها الأساسي تحسين شروط العيش في المنطقة.
وقد درست الوثيقة العوامل المكانية والاجتماعية والاقتصادية والقانونية والسياسية، وتمّت ترجمتها كتحديات في إمكانيات التواصل الاجتماعي وأماكن الراحة والمرافق العامة، وفي آليات تطبيق القانون، وفي التوجه العام لتصميم المباني المُعاد إعمارها.
وكان لا بدّ من اقتراح بعض التدخلات في الحقل العام، إذ ترى الدراسة في تغيير أنماط السير وخلق مساحات خضراء مفتوحة وتوفير الشروط الملائمة لركن السيارات، تطويراً لظروف العيش في المكان من خلال التدخل في حيّزه العام ومن خلال ترميم المساحات المفتوحة أمام المشاة وحمايتها.
وأوصى الفريق الراغبين في إعادة إعمار حارة حريك بضرورة العمل من خلال مبادئ سبعة تبلورت الرؤية إليها ضمن سياق تخطيط متشارك:
أولاً: تأمين أسرع إعادة توزيع ممكنة للنازحين ضمن الحيّز الجغرافي لإقامتهم وذلك للحفاظ على النسيج الاجتماعي الذي كان قائماً في المنطقة قبل الحرب.
ثانياً: تحسين نوعية الفسحات العامة، ويجب الاعتراف بالأمكنة العامة كحق للجماعة وكحاجة ملّحة في محيط يسكنه ذوو الدخل المنخفض.
ثالثاً: الموازنة بين حركة سير المركبات وحاجة المشاة.
رابعاً: توفير إمكانية الحصول على الإضاءة الكافية والتهوية الطبيعية في وحدات السكن الخاصة.
خامساً: توفير مساحة كافية لمواقف سيارات تابعة للقطاع الخاص من خلال ترتيب خيارات الركن في الأحياء السكنية والتجارية.
سادساً: جعل إعادة الاعمار جهداً تعاونياً بين القطاع العام الذي يمتلك دوراً مدعماً للحيّز العام، وبين السكان والعاملين الذين يجب أن يتولوا مهام إعادة إعمار الأبنية الخاصة.
سابعاً: الاعتماد على مقاربات بسيطة وسهلة الاستخدام في التخطيط، فتكون المشاريع المنجَزة أو المخططات المؤسساتية التي وُضعت، في مكانها، وهي تَحُدّ حيث أمكن، دائرة التدخلات ومداها، لتصبح ذات حجم يمكن بسهولة للجماعة المقيمة أن تتعامل معه.
دراسة المكان
تعرض الدراسة للعناصر المكوّنة لحارة حريك: بنيان مدني كثيف ومتعدّد الاستخدامات تسيطر عليه المباني السكنية التي توفر في طوابقها الأرضية والسفلية محالّ للبيع بالمفرق، ومساحات للتخزين ومصانع صغيرة (مفروشات، ملابس، تصليح السيارات، المطابع، الخ). وتنتشر المكاتب والعيادات بين وحداتها السكانية.
وفي تحليل تاريخي للإنتاج المديني قبل الحرب، أمكن تمييز ثلاثة أنواع من البنيان المدني:
1ـــــ الأحياء المنشأة قبل السبعينيات التي حافظت على طابع سكني مميّز، هي الأكثر كثافة على مستوى التمدين الأفقي، شوارعها أضيق، ويتكوّن بنيانها المُدني من خليط بين بيوت الطابق إلى طابقين القديمة وبين عمارات الشقق الشاهقة الارتفاع. يُمنَع دخول السيارات في بعض شوارعها فيتمكن الأطفال من اللعب. وهذا ما يميّز هذه المنطقة، لذلك وجب التدخل لترسيخ هذا العامل.
2 ــ التمدين التجاري منذ مطلع السبعينيات، وقد جرى تكثيفه خلال سنوات الحرب الأهلية. تحوي هذه الأحياء عمارات مكوّنة من 8 إلى 10 طبقات، وتتعدّد الشقق في الطبقة الواحدة، وتوفّر في مستوياتها الأرضية والسفلية مساحات مخصصة للبيع بالمفرق وللتخزين وللأغراض الصناعية. (القصف الاسرائيلي تركز في هذه المنطقة).
3 ـــــ تمدين مرحلة ما بعد الحرب الأهلية، وهي مرحلة تزامنت تقريباً مع قوة الدفع الذي رافق مرحلة التسعينيات. وتركز التمدين بشكل أساسي غرب شارع حارة حريك الرئيسي. يقع هنا نمو مدني نسبياً، يرافقه مستوى دخل أكثر ارتفاعاً ونسبة كثافة أكثر انخفاضاً وشقق أكثر اتساعاً تضم عائلات المهاجرين التي عادت إلى لبنان ما بعد عام 1990.
وتفيد الوثيقة أن حارة حريك عُرِفَت تاريخياً بعدد مدارسها المرتفع وبخضرة حقولها النسبية، ما جعلها مرغوبة كمقرّ إقامة ينتقل إليها أغنياء سكان الضاحية الجنوبية. واكتسبت خلال ثمانينيات القرن الماضي محيطاً سكنياً وتجارياً نابضاً بالحياة، واحتوت تنمية مدنية كبرى، واستقرّ فيها الكثير من موسري الطائفة الشيعية. وخلال التسعينيات باتت تُعرف بأنها قاعدة مؤسسات «حزب الله» السياسية والاجتماعية.
ترسم حدود منطقة حارة حريك، أربعة طرق رئيسية تفصل المساحة حالياً عن محيطها بخطوط سير سريعة هي: أوتوستراد الشياح، وطريق الحازمية ـــــ طريق المطار الجديدة (شرق/ غرب)، وطريق المطار القديمة وأوتوستراد السيد هادي نصر الله (شمال/ جنوب).
ويكشف مسح كلّفت بلدية حارة حريك بإجرائه عام 1993 عن اقتصاد متنوّع وغني تتمتع به المنطقة. وقد أحصى أكثر من 3300 محل بيع بالمفرق و200 موزّع بالجملة في المكان، بالإضافة إلى وجود قاعدة صناعية خفيفة وواسعة نسبياً يشير إليها المسح.
كثيرة هي العوامل التي تفرض التفكيرفي إعادة الإعمار من نواحي توفير صيغة عيش ملائمة بحدّها الأدنى، وذلك من خلال إدخال الفسحات العامة ومساحات اللعب. فالكثافة السكانية في المنطقة مرتفعة جداً. ينتج عن ذلك واقع أن معظم تقسيمات الأرض وعمليات البناء خلال الثمانينيات لم تأخذ في الحسبان أسس متطلبات المنطقة على مستوى المرافق العامة، ولا الدعائم الخلفية الضرورية التي توفّر الإضاءة الطبيعية والتهوية داخل الشقق وعلى الطرقات الرئيسية.
يكشف تحليل أنماط الشمس في اثنين من الشرايين الأساسية في المساحة موضع الدراسة عن أن معظم أحياء المنطقة فقيرة الإضاءة طوال أشهر السنة. وتعرّف إحدى الخرائط المرفقة بالدراسة بـ29 مبنى لا تتناسب وأبسط هذه المتطلبات.أدّت هذه الاكتشافات مجتمعة إلى اقتراح مساحات مفتوحة يُمكن إيجادها وأشكال من المناظر الطبيعية والكتل البديلة المقترحة، إذ تركت الإضاءة غير اللائقة والتهوية أثراً سلبياً على نوعية المساحات الداخلية التي عانت اتّكالاً مبالغاً فيه على الإضاءة الكهربائية خلال ساعات النهار، ودرجة رطوبة عالية.
دور الحقل العام
يمكن ترجمة أهداف المبادئ السبعة المذكورة أعلاه من خلال تقليص حركة مرور الشاحنات الكبيرة الحجم والآليات في الشوارع السكانية الضيّقة، وأيضاً خلق شبكة مساحات مفتوحة وخضراء تتكوّن من محور مركزي أخضر (شارع الشورى) وبلوك مؤسساتي في المنطقة (يتكوّن من كنيسة القديس يوسف وجامع الحسنين)، وتتصل بعدد من مساحات المنطقة المقترحة والمخصصة كلياً أو جزئياً للمشاة. ولإنجاز ذلك، سيكون ضرورياً تأمين طابق سفلي يكون مخصصاً لركن السيارات بحيث يغطي حاجة السكان المحليين بينما تكون مواقف السيارات على مستوى الشارع مخصصة للسكان من ذوي الحاجات الخاصة أو للسيارات الوافدة في زيارات محدودة الأمد.
من المرجّح أن تترك هذه التدخلات أثراً على الأنماط السائدة في استخدام الأرض مع الوقت، فتُنقّي التقاطعات السكانية العالية الكثافة من الصناعات غير المرغوب فيها والمخازن الكبرى التي تنتج حركة سير خانقة وتلوّثاً.
ولذلك اقترحت الوثيقة خطة سير وفق مقاييس يجب أن تطبّق من أجل تحسين الحركة في الشرايين الموجودة. ويتم ذلك من خلال إعادة توجيه المسار وانضباطه وتسهيل الحركة أمام المشاة، إضافة إلى تحسين شروط ركن السيارات بدلاً من زيادة قدرة الطريق على الاستيعاب، ويمكن التوصل الى تطبيق ذلك من خلال:
1ـــــ توجيه السير العابر للمنطقة كله في اتجاه الشرايين الرئيسية الأربعة (طريقان اثنان، يحوي كل منهما خطّيْ سير اثنين) التي تحيط بالمنطقة.
2ـــــ اعتماد معايير ملائمة في إدارة حركة السير على مستوى المنطقة والتجمّعات السكنية في ضاحية بيروت الجنوبية وخاصة بولفار الشياح الرئيسي (...).
3 ــــ تبديل أنماط السير: تحويل طريقي الشمال/ الجنوب الرئيسيتين إلى طرق باتجاه واحد من أجل تسهيل تدفق السير الآتي إلى المنطقة وتوجيهه. (...)
4 ـــ تحسين أماكن سير المشاة من أجل تشجيع الرحلات التجولية داخل المحور المركزي الأخضر في شارع الشورى.
إطار عمل مؤسساتي
لـ«وحدة إعادة الإعمار» التي أصدرت الوثيقة رأي في الجهة التي تقع عليها مسؤولية تنفيذ كل ما تم عرضه. والإطار الذي وُضِعَت فيه صورة المؤسسة التي تقع على كاهلها الأعباء لم يحمل مواصفات مؤسسة «وعد» التي أنشأها «حزب الله» قبل أسابيع.
ففي أساس مقترحهم، توصية بتدعيم دور البلديات ومؤسسات التخطيط العام ضمن القطاع العام، إذ يجب على ممثلي القطاع العام أن يؤمنوا التسهيلات العامة. وهم يعتقدون بوجوب النظر إلى الترتيب المؤسساتي لإنجاز التدخلات المقترحة على أنّه شراكة بين العام والخاص. وحتى في هذه الشراكة، تبرز توصية أخرى بأن يكون تدخل القطاع العام ضمن الحيز الخاص محدوداً لجهة تمكين هذا الحيّز وإرشاده. كما يجب على هذا الأخير أن يحمل مسؤولية إعادة إعمار المنشآت الفردية. ويجب أن يتمكن السكان من اختيار أفضل الترتيبات المؤسساتية القادرة على مساعدتهم في إعادة تشييد منازلهم، إن على نحو فردي أو جماعي. وفي بعض الحالات، سيكون من الضروري اعتماد ترتيبات مؤسساتية خاصة كشركات عقارية صغيرة أو مؤسسات عامة. أمّا عن تمويل المشروع فيجب تخصيص رأسمال عام ضخم لإعادة إعمار القطاع العام في حارة حريك من أجل تغطية الكلفة التي تستوجبها التدخلات المقترحة.
وأخيراً، توصية بضرورة خلق إطار تنظيمي لإعادة إعمار المباني الخاصة، إذ يمكن اعتماد تنظيم عام للمنطقة يُقيّد إعادة الإعمار بإرشادات قانون البناء اللبناني، معدلاً حصرياً في ما يخص معدل الارتفاع بين المبنى والشارع لتأمين التهوية والإضاءة الطبيعية اللازمتين.


مسابقة دولية


ذهب فريق العمل بعيداً في أحلامه. فقد خطّط منذ البداية لإقامة مسابقة دولية لإعادة إعمار الضاحية الجنوبية هادفاً إلى استقطاب معماريين معروفين عالمياً، بُغية الاستفادة من خبراتهم وسماع مقترحات وحلول عادةً ما تُقارَب من منظور مختلف. وسُجِّل الطَلب في منظمة المعماريين العالمية كما تقضي الأصول عادةً لإعطاء المسابقة صفتها الشرعية، غير أنّ هذه المسابقة تعطلت ولم يُعَرِّف عن جهد الجامعة الأميركية إلا هذه الدراسة القيّمة.


بطاقة تعريف

ترأس «وحدة إعادة إعمار حارة حريك» الدكتورة منى فواز. وتضم الوحدة كلّاً من سهير عاصي مبسوط، منى خشن، الدكتورة منى حرب التي تُنسّق «وحدة إعادة الإعمار في قسم الهندسة المعمارية والتصميم في الجامعة الاميركية في بيروت». وأنشئت هذه الأخيرة من أجل المساعدة في جهود إعادة الإعمار في لبنان، وخاصة في إعادة الإعمار الماديّة في الضاحية وقرى جنوبية في أعقاب حرب صيف 2006.
وضع مسوّدة الوثيقة كل من منى فواز ومروان غندور، عن «فريق عمل حارة حريك»، وقد جمع موادها، بالإضافة إليهما، كلّ من بسام قماطي وجالا مخزومي. وأُنجزت الدراسة ـــ الوثيقة بفضل جهود مجموعة متعددة الاختصاصات مكوّنة من مصممين مدنيين ومخططين ومهندسين مدنيين ومهندسي مرور، وفّروا الإرشاد والدعم للأطراف العامة وغير الحكومية. وقد ضمّ الفريق الاستشاري عدداً من المختصين والخبراء المعترف لهم في مجال التخطيط وتنمية الضواحي. أما عن فريق الدعم التقني فتألّف من عدد من المحترفين الشباب الذين ساهموا في تجسيد الرؤى المقترحة في خرائط مقروءة ورسوم توضيحية.
وتلقى فريق العمل دعماً من بلدية حارة حريك، وعرض له خلاصة ما أفضت إليه شهور من العمل الجاد الذي لم يؤخذ منه شيء غير الاستماع إلى الشروحات والتصفيق له، فهل صار وضعه حيّز التنفيذ أضغاث أحلام!