ثائر غندور


ما زالت الجامعة اللبنانية حاضرة على الساحة الفنية، ولم تستطع الجامعات الخاصة أن تسرق منها الصدارة التي عوّدتنا عليها «اللبنانية» في مجال أفلام الطلاب

لم يكن «مهرجان أفلام الطلاب الخامس» الذي نظمه «نادي لكل الناس» على مستوى تطلعات جمهور شبابي رافقه منذ بداياته. مستوى الأفلام افتقر إلى التميّز، بمعزل عن الجانب التقني الذي لفت النظر غالباً، في غياب الأفكار الجديدة التي لم تجد لها مساحة كافية. كما ان الجمهور بقي محدوداً، ولو أنه تجاوز عدد الحاضرين في العام الماضي، بحسب القيّمين على النادي. قاعة سينما «ميتروبوليس» في مسرح المدينة، لم تمتلئ ولو للحظة واحدة، وجاءت حركة الدخول والخروج لتعكر على المشاهدين صفاءهم وتركيزهم. وهؤلاء بشكل عام، لم يتابعوا الأفلام القصيرة حسب تسلسلها، بل كان معظمهم ينسحب بعد الفيلم الأوحد الذي جاء لمشاهدته. هل إن الأفلام خيبت ظن الجمهور؟ أم ان كل مجموعة جاءت فقط لمشاهدة عمل واحد حققه قريب أو صديق؟ ويمكن الجزم بأن قلّة، تابعت جميع الأفلام، حتى المخرجين الشباب أنفسهم لم يتابعوا أعمال زملائهم، خلافاً لما كان يحدث في السنوات الماضية.
على الصعيد التقني، استطاع الطلاب تقديم أفلام جيدة، لكنها لم تلامس المشاهدين. كما ضاع بعض المخرجين بين أكثر من نوع سينمائي، وانزلقوا إلى السهولة في سعيهم إلى «التجريب»، ما دفع إحدى المشاهدات إلى القول: «لا يحق لرسام أن ينقل الواقع بطريقة غريبة، إذا لم يكن يجيد تصويره بطريقة واقعيّة».
في زحام الأفلام التي عرضت طوال يومين، تمحور الاهتمام العام غالباً حول شريطين: A SHEHRAZADE TALE لرامي قديح في اليوم الثاني والذي نال الجائزة الأولى وFLAMENCO لعلي بيضون في اليوم الأول الذي حلّ ثانياً. كل من الشريطين تناول، على طريقته، جانباً من الواقع المعيش من خلال قصة متخيلة عرفت كي تجد طريقها إلى قلوب المشاهدين، واستطاعت أن تحبس أنفاسهم حتى اللحظات الأخيرة. لذا تناول النقاش الذي تلا فيلم قديح شخصيات الفيلم، وكيفية ابتكارها، وبقيت أسئلة كثيرة معلّقة برسم المخرج الآخر، أي علي بيضون الذي غاب عن العروض لوجوده في إيطاليا.
وبرهنت كلية الإعلام والتوثيق في الجامعة اللبنانية أنّها قادرة على إعداد مخرجين يقدمون أفلاماً وثائقية مبتكرة... علماً بأن الجمهور حرم من أفلام مميزة حققها طلاب الإعلام، وأتلفت في الغارات الإسرائيلية الصيف الماضي. واستطاع وثائقي ليال نصر «ألم وأمل» (15 دقيقة) أن يرسم معاناة الأسير المحرر أنور ياسين وعائلته، من دون أن يغفل أيّ محطّة: من العملية إلى الأسر وردّ فعل الأهل ومعاناة السجن، فالحريّة. وتمكنت منى طحينة في فيلمها «سارة»، من الإضاءة على دور الصورة في المعركة مع العدوّ من خلال صورة لرمزي حيدر، انتشرت على صعيد عالمي، وتمثل طفلة وأمها الجريحتين في حرب تموز 1993. وبقيت عبارة سارة في الأذهان: «لمّا بيطلع ضغط عيني بحس أن الحرب بلشت مش مع العالم الخارجي، معي أنا بس».
أما طلاب الجامعات الخاصة، فقد قدموا أفلاماً جيدة على المستوى التقني، لكن الفكرة غابت عنها بشكل عام. ولفتت نظرنا الحدّة التي تحدث بها هؤلاء الطلاب خلال النقاش مع الجمهور، فتشابهت الإجابات الفوقية التي تحتقر الجمهور: «مش مشكلتي إذا ما فهمتوا». كما سيطر التوتر على أجوبة الطلاب، وهو ما يُمكن ربطه بالضغط الذي يعيشه المواطن اللبناني، وإن كان هذا التبرير لا يكفي. ومثل هذه الوقائع تطرح علامة استفهام حول المناهج التي يدرسها هؤلاء في جامعاتهم، هم الذين يستندون لإنتاج أعمالهم إلى موازنات مرتفعة نسبياً، وتتوافر لهم إمكانات وتقنيات مميزة. وهذا كلّه غائب تماماً عن كليات الجامعة اللبنانية التي أبدى طلابها، رغم ذلك، تفوقاً إبداعياً في «مهرجان أفلام الطلاب الخامس» الذي نظمه «نادي لكل الناس». لكن تبقى في الأذهان صرخة عمر زين الدين من LAU ضد النظرة التنميطية والتعميمية التي يعاني منها وزملاؤه: «لا تظنوا أننا كلنا نملك سيارات... أهدانا إياها المامي والبابي، فأنا أعمل من أجل أن أدفع قسط الجامعة».
انتهى المهرجان الخامس، مع نقد كثير قيل ويُقال للمنظمين والطلاب... لكنّه يبقى الفسحة الطالبية الوحيدة للتعبير، فهل من يدعم هذا النشاط كي يصمد ويتطور؟