مرجعيون ــ عساف أبو رحال


لم يسلم التراث المتواضع في قرانا الجنوبية من شرّ الاعتداءات الإسرائيلية التي لم توفر أبسط المظاهر من البيوت ذات الأسطح القرميدية، التي استمرت شامخة طوال عقود من الزمن رغم هيكليتها القديمة وبنيتها المتواضعة الخالية من المواد المستخدمة حديثاً

من راشيا الوادي حتى مرجعيون، تكاد لا تخلو قرية أو بلدة في وادي التيم من عمارة تراثية مكلّلة بالقرميد الأحمر. وتتميز غالبية هذه القرى بوفرة البيوت القرميدية ذات الطراز القديم المبني من الحجر الصلب، وقد عُرفت هذه الأسطح الهرمية منذ عام 1850، وما زال قسم كبير منها شامخاً محافظاً على بنيته الأساس. بعض هذه الأسطح شهد عملية ترميم وفق الطرق الحديثة، والبعض الآخر يبقى متروكاً في عهدة السقوط بعد أن نخر «السوس» ما أمكن من أعمدته الخشبية ليتهاوى يوماً بعد يوم، بانتظار خطة إنقاذية يكون للبلديات ومديرية الآثار ووزارة السياحة دور أساس في الحفاظ على جمالية هذه المنازل وإعادة إحيائها، وخصوصاً القديمة منها.
وعلى الرغم من أن ترميم السوقين الأثريّتين في راشيا الوادي ومرجعيون من قبل وزارة السياحة وجمعية مرسي كور، شمل منازل القرميد الممتدة على جانبيهما، فإن معظم البيوت التراثية في هذه المنطقة تعاني الإهمال وضيق ذات اليد ويتهاوى قرميدها في غياب خطط الترميم وحفظ التراث المعماري.
وقد شكلت البيوت التراثية ومنازل القرميد خصوصاً، مادة حية استوحاها مدير محترف الفن التشكيلي شوقي دلال في العديد من لوحاته الفنية، ويقول: «إن فكرة القرميد أتت مع الإرساليات الأجنبية منذ عام 1850، وأول مبنى قرميد في راشيا الوادي كان لكنيسة السريان في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، شهدت بعدها المنطقة توسعاً في استعمال القرميد، وخصوصاً بعد ثورة عام 1925، حيث أعيد بناء المنازل التي هدمها الفرنسيون الذين عادوا وساهموا في الترميم وقدموا القرميد الأحمر الفرنسي المعروف بـ«النحلة».
ورأى أن بناء المنازل القرميدية «استمر تقليداً» حتى عام 1950، حيث بدأ العد العكسي لازدهار استمر قرابة مئة عام، وبدأ إهمال المنازل التراثية في راشيا وقرى المنطقة عامة.
وأشار الى أن الكثير من المنازل تنهار وسط غياب كبير للقيّمين على هذا الموضوع، معتبراً أن فقدان القرى والبلدات منازلها التراثية وقرميدها يحوّلها كتلاً اسمنتية تسيء إلى الذوق العام. ودعا دلال الى إحصاء المنازل التراثية، ووضع خطة طوارئ من قبل مديرية الآثار ووزارة الثقافة والبلديات، والتدخل الفوري للترميم، وإصدار قرار يمنع هدم القرميد كما يمنع إعطاء أي رخصة بناء لمنازل يهدم قرميدها».
وأكد رئيس بلدية مرجعيون المهندس فؤاد حمرا أن «أعمال الترميم الفردية للبيوت التراثية متواضعة لعدم توافر الإمكانات من جهة، ولغياب أصحابها من جهة أخرى، وهناك منازل عدة تلفظ أنفاسها الأخيرة، ولا أحد يحرك ساكناً لإنقاذها، وخصوصاً في البلدات المصنّفة سياحياً. وأضاف: «السوق القديمة وبعض المنازل المحاذية لها رمّمت على حساب جمعية مرسي كور، والبعض الآخر بمجهود شخصي، في حين تبقى منازل كثيرة يصعب ترميمها لغياب أصحابها. والبلدية تسعى لإيجاد خطة شاملة يتم بموجبها إعادة ترميم جميع المنازل القرميدية بالتنسيق مع مديرية الآثار ووزارة السياحة وفق مخطط توجيهي عام للترميم والصيانة».
المنازل التراثية، المنتشرة في قرانا الجبلية، تشكل منظومة مستقلة تصب في خانة الثقافة السياحية، يجب أن تلقى اهتماماً رسمياً وأولوية لدى المعنيين كافة، لعدم قدرة الأهالي على متابعتها وصيانتها والمحافظة عليها، كما ان المجالس البلدية في أقضية راشيا الوادي وحاصبيا ومرجعيون مطالبة بتأليف لجنة لإحصاء المنازل التراثية والوقوف على معاناتها بالتنسيق مع مديرية الآثار ووزارة السياحة للمساعدة في الترميم.
ولتشجيع هذا النمط المعماري، على وزارة الداخلية نصّ قوانين، تعمم على البلديات، يعفى بموجبها كل منزل قرميدي من ضريبة «المسقّفات» وإصدار تشريعات جديدة من قبل التنظيم المدني تصنّف البلدات التراثية وتمنع بموجبه البناء العشوائي للحفاظ على هذا التراث الفني.