كامل جابر


في أيار عام 2000 استعاد لبنان قلعة
الشقيف ــ أرنون بعد أن استعملها الجيش الإسرائيلي مقرّاً عسكرياً. وبعد عام على التحرير، صنّفت القلعة على لائحة الجرد العام ووضعت دراسة لترميمها وتأهيلها... وبدأ البحث عن التمويل الذي لم يأت إلى اليوم لتغرق القلعة في النسيان والإهمال مجدداً


سبعة أعوام مرّت على التحرير، ولا تزال قلعة الشقيف ـــ أرنون تعاني «التهميش» عينه الذي عرفته أيام الاحتلال الإسرائيلي لها. فهي تبدو للزائر كصخرة، في العراء، تحتاج إلى معدّات التسلق في كثير من الأحيان. وبرغم وعد وزير الثقافة غسان سلامة (في الذكرى الأولى للتحرير) في البدء ببعض أعمال التحسين والترميم، فإن القلعة بقيت في رعاية «الإهمال» دون غيره. بل إن الطريق إليها شهدت حركة بناء عشوائية من دون حسيب أو رقيب، وكادت أن تضيع «بوصلتها» لولا تدخل بعض الجهات الرسمية. أما زوّارها وروّادها، فمعظمهم من البعثات والوفود العربية والأجنبية وبعض عناصر قوات الطوارئ الدولية، العابرة في زيارات سريعة. وتسجل محطات يتيمة فيها، لوفود محلية أو عائلات متفرقة تدور في فلكها المدمَّر، غير المنظّم حتى الآن. ولا يتوقف المشهد المأسوي على ذلك، إذ تبدو الشقوق واضحة في بعض جدران الواجهة الشرقية وأبراج القلعة، التي يلاحظ المراقب أنها في توسّع. فهل يمكن أن يؤدي ذلك إلى انهيار هذه الجدران فوق مجرى نهر الليطاني؟ وهل سيأتي إهمال الدولة ومؤسساتها ليزيد في ندوب القلعة ندوباً، بعد تلك التي أمعنت فيها القوات الإسرائيلية قصفاً واحتلالاً على مدى ثلاثين عاماً؟
تعتبر قلعة الشقيف، التي عانت الأمرّين جرّاء الاحتلال الإسرائيلي وما خلّفه فيها من تدمير منهجي أتى على معظم معالمها الخارجية القديمة، من أكثر المواقع الأثرية في جنوب لبنان أهمية. فلماذا وقعت اليوم في النسيان بعد أن انهالت الوعود عن اهتمام استثنائي من قبل الدولة بشأنها بعد التحرير، وزارها وزير الثقافة والتعليم العالي في حينها غسان سلامة ووعد بحرس يحمي القلعة من عبث الزائرين والجوّالين، وبالعمل على مخطط توجيهي لترميمها وتأهيلها؟
وفى الوزير في أول وعد قطعه لهذه القلعة. ففي سنة 2003، أعلن إتمام الدراسة التي تشرح الطرق الممكنة لترميم القلعة وتثبيت جدرانها وتلحظ تأهيل مسارات للزوار مع لوحات تفسيرية عن أهمية القلعة من الناحية المعمارية والتاريخية وذلك من فترة القرون الوسطى وصولاً إلى الفترة المعاصرة. كما لحظت هذه الدراسة إيجاد مواقف للسيارات بعيدة قليلاً عن القلعة واستحداث مبنى لاستقبال السياح، وتنظيم الدخول إليها عبر الموقع الأصلي للمدخل، وإبراز خندق القلعة وإنشاء مسار للزوار حولهأما بالنسبة إلى التحصينات الحديثة من فترة الاحتلال الإسرائيلي، فقد قرر المسؤولون عن الملف إبقاء أجزاء منها لكونها تشكل شاهداً على تاريخ القلعة والوطن. وقدرت كلفة مشروع الترميم بنحو مليوني ومئتي ألف دولار أميركي، ومدة تنفيذه بثلاث سنوات حداً أقصى اعتباراً من تاريخ التلزيم. وصرّح الوزير سلامة حينها بأن التمويل قد يأتي من مشروع البنك الدولي أو كهبات من أطراف أخرى. ولكن، بدأ العمل بمشروع البنك الدولي ولم تكن شقيف ـــ أرنون من بين المواقع المدرجة، ومن ثم تغيرت الحكومة وترك الوزير سلامة أرض الوطن فضاعت الدراسة في أدراج المديرية العامة للآثار ولم يلحظ أي مبلغ لترميم أو حتى إتمام تدعيم أوّلي للموقع. فبقيت القلعة مثل كل مرة من غير حماية، تجاري سكونها ووحدتها، واجلة أمام عبث محتمل.
يشرف موقع قلعة الشقيف الطبيعي الحصين على أهم مرافئ البحر من صور إلى عكا، ويرصد طريق الساحل الممتدة من عكا إلى بيروت. وكان كل فاتح يطمح بتوسيع أراضيه بين جنوب لبنان وشمال فلسطين مضطراً، بحكم الدفاع عنها، إلى امتلاك هذه القلعة المنيعة، وتحصينها وشحنها بالسلاح والرجال وأعتدة القتال. لذا، فقد تغيرت ملامحها الهندسية بحسب الفترات التاريخية. وتلاعبت أيدي الفاتحين والغزاة في هذه القلعة بين هدم وتعمير، تبعاً للخطط الحربية، وأعيد المدمر منها مرة من الصليبيين، وأخرى من المسلمين، وتارة من الحكام الاقطاعيين من أمراء سوريا ولبنان وجبل عامل طوراً. فهي انتقلت من الخلفاء الأمويين إلى العباسيين، من ثم الصليبيين ثم الطوليين، فخلفاء مصر العلويين، فالسلاجقة والأتابكة من الأتراك، ثم إلى أمراء البلاد الوطنيين وأخيراً الى الإسرائيليين.
والمعروف عن هذه القلعة التي أطلق عليها الصليبيون اسم Beaufort أي الحصن الجميل أنها من أجمل القلاع في منطقة الشرق الأوسط. فهي مبنية على انحدار صخري شاهق يرتفع إلى أكثر من ألف متر فوق مجرى نهر الليطاني. وقد شيّدها، بشكلها الحالي، الصليبيون وأنهوا العمل عليها عام 1139. وهي مبنية بحجارة مقطوعة من داخل الانحدار الصخري، ما يجعلها شبه خفية... فجدرانها بلون الصخر، ولولا الشبابيك ومرمى النبال لما أمكن لأحد أن يلحظها من الجهة الشرقية. أما من الجهة الغربية فترتفع جدران شيّدها الصليبيون وأعاد ترميمها كل حكام القلعة التي تتميز بصغر حجمها. فهي ترتفع على أربع طبقات، في الأسفل اسطبلات، وفي الأعلى كنيسة لاتينية ذات سقف من قناطر متقاطعة وباب صغير يؤدي إلى الدار الداخلية. بالقرب من الزاوية الشرقية آثار أبنية متصلة بأعلى القلعة كان يدخل منها إليها، وقد أضيف إليها في الفترة العربية معبد أو مصلّى من جهتها الشرقية.
إن ما وصفت به مباني القلعة لم يتناول إلا القائم منها والسالم من فتك الدهر والحروب، وأما المطمور تحت الأنقاض، وخصوصاً في القسم الجنوبي منها، فلا تزال صفحة التنقيب عنه محجوبة عن الباحثين. ولو أقيمت فيها حفريات أثرية بعد عملية الترميم لعرف هذا الحصن المنيع فترة جديدة من تاريخه ولعب دوراً إنمائياً ملحوظاً في المنطقة.




وعد بتأمين 500 مليون ليرة للترميم

في شباط (فبراير) 2003 أعلن وزير الثقافة غسان سلامة الانتهاء من إعداد الدراسة المقترحة لترميم قلعة الشقيف، على أن يبدأ التنفيذ بعد استدراج العروض للعمل الذي سيكلف مليوني دولار. وأشار سلامة آنذاك إلى أن الدراسة تضم تقارير وبيانات عن كل حجر وجدار في القلعة، بالإضافة إلى الخرائط. وعن مصادر التمويل قال سلامة «إن التمويل للدراسات والإشراف والأعمال الاحترازية هو من المديرية العامة للآثار، أما الباقي فسيؤمن من اتفاقية البنك الدولي لحماية الإرث الثقافي». وجاء إعلان سلامة بعد اجتماع ضمه ونائبي النبطية عبد اللطيف الزين وياسين جابر وخبراء أجانب وفريق عمل ترميم القلعةلم يمرّ وقت، حتى أُعلنت لائحة المواقع المستفيدة من قرض البنك الدولي الذي ينص على تأهيل وترميم الأماكن الأثرية والسياحية بمبلغ 62 مليون دولار أميركي، ولم تكن قلعة الشقيف مدرجة عليها.
ورداً على ذلك وجّه النائب ياسين جابر بتاريخ 3 تموز (يوليو) 2003 سؤالاً بواسطة رئاسة مجلس النواب إلى الحكومة بشخص رئيس مجلس الوزراء الراحل رفيق الحريري للاستفسار عن هذا الموضوع. وأشار في سؤاله إلى أنه كان قد أرسل في عام 2001 رسالة يسأل فيها عن المشاريع المقررة لقلعة الشقيف ـــ أرنون، وأكد أنه في بداية عام 2003 «دُعينا إلى وزارة الثقافة وأبلغنا من قبل وزير الثقافة الدكتور غسان سلامة أن دراسة الترميم أصبحت جاهزة وأن كل ما يلزم هو التمويل، غير أننا فوجئنا بعدم ذكر قلعة الشقيف من ضمن المناطق والأماكن الملحوظة في اتفاق البنك الدولي. فلا بد لنا أن نتساءل عن صدق نوايا الحكومة ووزارة الثقافة ومديرية الآثار، إذ إنه بالرغم من الوعود التي أعطيت لنا والتذرّع بالتمويل لعدم البت بأعمال الترميم في قلعة الشقيف، نكتشف أنه عندما يتوافر التمويل لا تُلحظ قلعة الشقيف في الخطة الموضوعة، بما يعنيه ذلك من إمعان في حرمان المناطق المحررة ودليل على الاستخفاف بعقول الناس، وبالوعود والتعهدات التي تعطى لنواب المناطق».
وجاء رد الحكومة على النحو الآتي: «جواباً عن السؤال النيابي المقدّم من النائب ياسين جابر بشأن إهمال قلعة الشقيف ـــ أرنون، نبدي أنه لدى استطلاع رأي وزارة الثقافة حول الموضوع، أفادت بأنها تعي أهمية هذه القلعة من الناحيتين الأثرية والتاريخية وأنها لم توفر أي جهد إلا بذلته للحفاظ عليها وحمايتها وإبراز معالمها الأثرية. فبعد تحرير المناطق المحتلة في الجنوب، عمدت الوزارة إلى إعداد دراسة عن وضع القلعة بغية تحديد المشاكل التي تعاني منها وتقدير الأضرار اللاحقة بها. كما طلبت من وزارة الدفاع الوطني إزالة الألغام من داخل القلعة ومحيطها تمهيداً لفتحها أمام الزوار، وقامت بإجراء الترميمات الملحة واتخاذ بعض التدابير الوقائية للحفاظ على سلامة الزائرين، وأمنت حارساً مؤقتاً لحراستها وطلبت من مجلس الخدمة المدنية حارسين آخرين. ثم عمدت إلى إعداد دفاتر الشروط اللازمة للأعمال الأولية التي تهدف إلى تجميد الوضع الإنشائي للمبنى، وهي ستقوم بتلزيم هذه الأعمال في أقرب وقت ممكن».
ولكن، بعد مرور سنين على هذه الرسالة، عاد الوزير جابر وقدم استجواباً قبل عطلة المجلس النيابي الأخيرة إلى الوزير طارق متري يسأله عن أموال ترميم قلعة الشقيف «فوعد بتأمين مبلغ 500 مليون ليرة كمرحلة أولى، إلى أن يتم البحث لاحقاً عن تأمين أموال من مصادر دولية، لكننا لم نر شيئاً حتى الآن».