جان عزيز


وحدهُ التاريخ، الأبكم عادةً في لبنان، يمكن أن يحسم صحّة أي من روايتي الموالاة أو المعارضة، عمّا جرى في مخيّم نهر البارد وطرابلس والشمال يوم الأحد الفائت.
رواية الموالاة واضحة: بعد أيام على زيارة مساعد وزيرة الخارجية الأميركية، دايفيد ولش، إلى بيروت، وإبلاغ الجميع وإدراكهم أن المحكمة الدولية باتت في حكم المنجزة وأن الاستحقاق الرئاسي هو الخطوة التالية، بما ينزع من شجرة الرهانات السورية آخر أوراقها، وبعدما بات مجلس الأمن ضامناً لأصوات قراره الجديد، قرّرت دمشق قلب الطاولة من إحدى أكثر زواياها هشاشة وعطوبة. شاكر العبسي عميل النظام السوري المجنَّد لمصلحته بعد سجنه في دمشق، أمر باستدراج الجيش والقوى الأمنية إلى حرب تفتح على الوضع اللبناني أبواب الجحيم، فيستدرك المجتمع الدولي ويرعوي، أو حتى يسقط لبنان في دوامة العنف التي تجنّبها في 25 كانون الثاني الماضي، وبعد اغتيال الزيادين.
وفي المقابل لا تبدو رواية المعارضة أقلّ وضوحاً، وفق المنطق الشكلي نفسه لرواية الخصوم: بعد أيام على زيارة ولش، وبعد سلسلة لقاءاته غير الحاسمة، وبعد الكلام غير المشجّع للمحقق الدولي سيرج براميرتس في أروقة الأمم المتحدة، وبعد تحديد يوم 28 أيار الجاري موعداً للمحطة الثالثة للاتصال الأميركي ــــــ الإيراني في شأن الملف العراقي، وبعد نحو عامين من المراوحة الداخلية، وخصوصاً بعد وصول هذه المراوحة إلى حافة الكلام عن حكومة انتقالية، أو حيادية، وجدت صدى في كلام للعماد ميشال سليمان... بعد ذلك كله، ثمّة مَن قرّر في بيروت أن يظهر أنه «قادر على التسليم»، وفق القاموس الأميركي. صودفت سرقة مصرف ــــــ وصودف أنه معروف الملكية السياسية ــــــ وصودف أن المشتبه فيهم باتوا محدّدي المواقع في إحدى الشقق الطرابلسية، وصودف أن محطتين تلفزيونيتين كانتا في عداد المداهمين، وصودف أن مراكز الجيش المتاخمة لمسلّحي «فتح الإسلاح» كانت عرضة للمباغتة، وأن عناصر الجيش يتنقّلون على الطرقات من دون استنفار، رغم إبلاغ قيادتهم بالعملية قبل حصولها، وصودف أن المال والشيكات المسروقة قابلة للضبط في المكان المُداهم، مع جثث متفحّمة... فانفجرت المواجهة.
التاريخ اللبناني الأبكم في حالات كهذه، منذ اغتيال نسيب المتني لتفجير ثورة 58، وحتى بوسطة 13 نيسان 75، سيجد بلا شك صعوبة كبرى في النطق حيال حقيقة 20 أيار 2007. لكن الأحداث المقبلة على المديين الأوسط والأبعد، ستكون أكثر بلاغة ودلالة. ذلك أن بعض المراقبين يعتقد أن كل «التركيبة السياسية» التي قامت في لبنان منذ عامين ونيّف، هي على المحكّ اليوم في نهر البارد، في جوهرها وفلسفتها. ويشرح هؤلاء أن مكمن هذا العمق لا يتعلق بالموازين العسكرية بين مؤسسة الجيش ومسلّحي الجماعة الأصولية السنية، ولا بخطر التورّط الفلسطيني الشامل، ولا حتى بمحظور الفوضى الأمنية، ولا طبعاً بمصير المحكمة الدولية، ولا بالتأكيد بغد حكومة فؤاد السنيورة ومطالب معارضيه.
جوهر هذا المحك ينطلق من السؤال: لماذا لزّمت واشنطن لبنان إلى حافظ الأسد طيلة 28 عاماً؟ وجواب المراقبين أنفسهم، لعلّتين: أولاً، ضبط الساحة اللبنانية المفتوحة على كل بؤر التفجّر، الفلسطينية منها سنة 76، والشيعية في الثمانينات. وصولاً إلى السنية مطلع الألفية الحالية، وثانياً تشجيع الأسد، بواسطة مروحة من الحوافز، بينها التلزيم اللبناني نفسه، على الانخراط في عملية السلام في المنطقة. ولهذين الهدفين المتوهّمين أميركياً، لم تكن مصادفة أن يأتي تلزيم كيسنجر الأوّلي سنة 76، عشيّة زيارة أنور السادات إلى القدس، وأن يأتي تلزيم بايكر النهائي سنة 1990، عشيّة انطلاق مؤتمر مدريد.
سنة 2004، كانت الصورة قد تغيّرت برمّتها. مات الأسد الكبير، سوريا لم تعد قادرة على تجديد مماطلتها بإيفاء العلّتين، سقط السلام العربي ــــــ الإسرائيلي الكبير. تغيّرت هوية بؤر التفجير بعد عولمة الإرهاب البنلادني. أقنع شيراك بوش برؤية جديدة، فأخرجت سوريا من لبنان.
في أيار 2005، كانت واشنطن تكرّر السؤال على كل زائريها اللبنانيين: أي نموذج ممكن لبيروت في غياب ضابط عنجر؟ نموذج الديموقراطية التعددية التوافقية القابلة للتعميم في زمن صراع الحضارات أو حوارها؟ أم نموذج الحكم الإسلامي السنّي الغربي الهوى، القابل للنقل إلى الجوار؟ لأسباب كثيرة، ولغايات أكثر، تردّدت واشنطن قبل أن تحسم قرارها لمصلحة الخيار الثاني. جيء بسعد الدين الحريري إلى البيت الأبيض، في حضور عرّاب النموذج المختار، بندر بن سلطان، ثم جيء به ثانية ليبلغه «كليم الله» المعاصر أن «كل أميركا تبكي على والدك». صدق الاتفاق: لبنان دولة يحكمها هذا النموذج، فتستوعب الأصولية «القاعدية» كما يفعل حسني مبارك في مصر والملك عبد الله في الأردن وآل سعود في مملكتهم، وتعطي مثالاً لنظام سني ليبرالي الوجه غربي الميل، وتساهم في تذليل قضية الصراع الكبير في المنطقة.
هذه الصورة بالذات، بكل تفاصيلها ورهاناتها وتصوراتها، هي على المحك بين مبنى عبدو وكوابيس ماضي «أبو عبده». لذلك فالمعركة وجودية، معركة حياة أو موت: إمّا سعد الدين الحريري، وإمّا شاكر العبسي.