يجد الفلسطينيون المدنيون المصير ذاته أينما حلّوا، فيكون الفقر والعذاب والموت لهم بالمرصاد على كل بقاع الأرض. وشيّع أمس لاجئو البداوي عدداً من الشهداء المدنيين الذين سقطوا في مخيّم نهر البارد، وسط الأجواء الحزينة والغاضبة التي عادةً ما ترافق اللاجئين الفلسطينيين.

تشييع أحد المقاتلين «الإسلاميين»
الحدث الأبرز على هذا الصعيد كان تشييع جثمان المقاتل في صفوف حركة فتح الإسلام محمود الجاسم، الملقب بـ«أبو الشهيد»، الذي قتل نهار الأحد الماضي خلال الاشتباكات التي دارت بين الجيش و«الإسلاميين» في منطقة الزاهرية.
قام الشيخ مازن، خطيب مسجد حربا في التبانة بتأدية الصلاة على جثمان الجاسم في المسجد نفسه، قبل أن يوارى في الثرى في مقبرة التبّانة. ورافقت موكب القتيل، هتافات «خيبر خيبر يا يهود، جيش محمد سوف يعود»، «لا إله إلا الله، الشهيد حبيب الله». وقاطع عدد كبير من الأهالي المناسبة، إذ قدّر الموكب بـ200 فرد من الأصدقاء والأهالي.
ورغم هذه المقاطعة، لم يجر أي إشكال بين المشيّعين والسكان، مع العلم بأنّ العناصر الأمنية اللبنانية غابت بشكل واضح عن التشييع، حتى بالثياب المدنية. ويشير معظم الأهالي إلى دعمهم للجيش ومؤازرتهم له، لتخطي هذه الأزمة «التي لا بد أن تنتهي بانتصار للبنان». ورأى بعض المواطنين أنهم لا يمكنهم التخلي عن الهوية اللبنانية، مستنكرين تصرّف الجاسم «إذا أراد التخلّي عن لبنانيته فليرحل عنّا وعن الوطن».
وأكد عدد من الشهود أنّ الجيش انتشر مساء أول من أمس في المنطقة وانسحب منها صباحاً «تفادياً لوقوع الحزازات». تجدر الإشارة إلى أنّ محمود الجاسم هو ابن خالة بسّام كنج الملقب بـ«أبو عائشة»، المطلوب الرئيسي في قضية الأحداث الأمنية التي شهدتها منطقة الضنّية أواخر عام 1999، ومطلع عام 2000.
تشييع شهيدين من «البارد»
في مخيّم البدّاوي، الذي يضمّ حوالى خمسة عشر ألف لاجئ فلسطيني، ودّع مئات المشيّعين بعد صلاة الظهر الشهيد محمود عزّام في أجواء من الغضب والتوتر، وووري في الثرى في مقبرة البدّاوي. ولام المشاركون الجيش الذي استهدف مخيّم نهر البارد بالقذائف الثقيلة، ما أدى إلى سقوط عشرات الشهداء المدنيين العزّل؛ ومن هؤلاء عزّام (42 عاماً)، الذي يملك محلاً لبيع السكاكر في المخيّم، وقد توجه لمساعدة شبان المخيّم في توزيع الإعانات التي أدخلتها شاحنة الـ UNRWA، فأصيب بإحدى شظايا القذائف التي استهدفت القافلة، فنزف حتى الموت لانعدام المستلزمات الطبية اللازمة.أما الشهيد نايف المستر، فشيّع عند صلاة المغرب، في المدفن ذاته. أثارت طريقة استشهاد المستر استهجان الجميع، إذ تعرّض الشهيد لطلق ناري في الرأس بعد خروجه من مخيّم نهر البارد، كذلك تعرّض أبناؤه للتعذيب بالكهرباء على أيدي عناصر ارتدوا بزات الجيش اللبناني. أدّت هذه العملية إلى ردّات فعل عصبية لدى جميع أبناء المخيّم، فأطلقت عبارات أدانت رئيس كتلة المستقبل النيابية سعد الحريري ووليد جنبلاط وسمير جعجع، إضافةً إلى: «الحريري غاضب بسبب وقوف الفلسطينيين إلى جانب حزب الله خلال الحرب الأخيرة»، «لو نحن مسيحيون أو شيعة لما قُتلنا»، «كيف يحلّل المفتي قبّاني قتلنا».
استنكر اللاجئون قصف الجيش لوسط المخيّم، «مع العلم بأنّ جماعات فتح الإسلام تتمركز على أطرافه»؛ فتساءلوا عن معاهدة جنيف وحقوق الإنسان.
وروى أحد الشهود العيان رواية أخرى عن حيثيات مقتل عزام، إذ أشار إلى أنّ الشهيد أطلق عليه النار مباشرةً في الرأس، وتزامن ذلك مع إطلاق شعارات «الله والشيخ سعد»، لتشديد الخناق على الجيش و«جره إلى معركة حاسمة مع الفلسطينيين، الداعمين له أو لا».
(الأخبار)