البداوي ـ عبد الكافي الصمد


كأنّ معاناة أهالي مخيّم نهر البارد خلال القصف لم تكن كافية، فجاء خروجهم من المخيّم حافلاً هو الآخر بالدموع، إذ أُطلقت النار على عدد من السيارات النازحة، وأُسمع النازحون كلاماً معيباً


«ما تعرضنا له في الأيام الأخيرة من رعب، لم أشهد مثيلاً له حتى على أيدي اليهود في فلسطين منذ غادرتها مع أهلي عندما كان عمري ثماني سنوات». هكذا تصف مريم عبد العال (67عاماً) المعاناة التي عاشها مدنيو مخيم نهر البارد الذين غادروا منازلهم بالآلاف إلى مخيم البدّاوي، مستغلين فترة الهدنة بين الجيش اللبناني ومسلحي «فتح الإسلام»، هرباً من جحيم المعارك.
دموع الحاجة مريم تسيل بغزارة وهي تروي تفاصيل ما تعرض له المدنيون في مخيم نهر البارد، إن كان أثناء الاشتباكات منذ اندلاعها فجر يوم الأحد الماضي، أو خلال نزوحهم جنوباً في اتجاه مخيم البدّاوي على بعد نحو 12 كيلومتراً: «ما يحصل معنا حرام وظلم لا يقبله مسلم أو غير مسلم». وتشير إلى أنّ لها أبناء لا يزالون مقيمين مع عائلاتهم في مخيم نهر البارد، متمنية أن «يجمعني الله بهم وبإخوتهم الموجودين في مخيمات الجنوب».
ولعلّ الأكثر إيلاماً لـ«الحاجة» ما تعرضت له وعدداً كبيراً من النازحين في منطقة المنية، إذ «أُطلقت النار على عدد من السيارات النازحة، ورفض بعضهم استقبالنا، وأسمعونا كلاماً معيباً، ورفضوا أن يبيعونا في بعض المحال والدكاكين حتى ربطة الخبز!».
هذه الأجواء تركت انزعاجاً كبيراً في الأوساط الشمالية تحديداً، وخصوصاً وسط أهالي وفاعليات المنية الذين رأوها «حالات فردية وشاذة، ولا تعبّر عن تضامن أهالي المنطقة التاريخي مع إخوانهم الفلسطينيين»، لافتين في بيان لهم إلى أنّ «قسماً كبيراً من بيوت المنية قد فُتحت أمام النازحين، وتمّ تقديم المساعدات الضرورية لهم».
وقال نازحون آخرون من مخيم البارد لـ«الأخبار» إنّ «مسلحين لم تعرف هويتهم كانوا يطلقون النار على النازحين، وإنّ شائعات كثيرة تقول إنّهم ينتمون إلى تيار «المستقبل»، وإنّهم يطلقون النار من مواقعهم عند تخوم مخيم نهر البارد على مواقع «فتح الإسلام» داخل المخيم، وعلى نقاط الجيش اللبناني في الوقت ذاته، بهدف افتعال المشاكل وتوريط الطرفين».
وفيما أشار شهود عيان في مخيم البدّاوي إلى أنّ حاجز «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ــــــ القيادة العامة» عند المدخل الجنوبي في اتجاه محلة القبة في طرابلس، «تعرض لإطلاق نار مساء أول من أمس، مصدره المباني السكنية القريبة من المخيم، التي انطلقت النيران منها في الوقت نفسه في اتجاه نقطة الجيش اللبناني في الجهة المقابلة»، أوضحت أوساط متابعة لـ«الأخبار» أنّ «ما حصل أتى ردّة فعل على المسيرات التي انطلقت في البدّاوي، والتي ردّد المشاركون فيها هتافات ضد الرئيس فؤاد السنيورة والنائب سعد الحريري، ما جعل الأمور تتوتّر إلى هذا الحدّ غير المقبول من أحد».
مخيم البداوي تحوّل إلى ما يشبه المخيمين بعد انضمام نازحي البارد إليه، وهو ما أدى إلى اكتظاظه بالسكّان بشكل غير مسبوق، ودفع فاعلياته إلى استنفار طاقاتهم من أجل مساعدة النازحين وتقديم العون لهم.
وفي ظلّ تضارب التقديرات حول العدد الفعلي للنازحين، الذين بدأوا بالتوافد من مساء أول من أمس إلى مخيم البدّاوي، أكدت نائبة مدير مكتب الأونروا في الشمال سناء علي أبو فرج لـ«الأخبار» أنّ عددهم «فاق الـ15 ألفاً، غالبيتهم من النساء والأطفال وكبار السنّ»، مشيرة إلى أنّه «تم استيعابهم في المدارس السبع الموجودة في المخيم، إضافة إلى روضات الأطفال، والأندية الشعبية والرياضية، والمؤسسات الاجتماعية، فضلاً عن البيوت التي فتح أصحابها الأبواب أمام إخوانهم».
وبدوره، أشار مدير مركز الأونروا الطبّي الدكتور أكرم يوسف إلى أنّ المركز عالج، منذ مساء أول من أمس، أكثر من 200 مدني مصاب». وأوضح أنّ «اتصالات تجري مع عدد من مستشفيات طرابلس من أجل استقبال الحالات الطارئة التي لا قدرة لنا على استقبالها»، مشيراً إلى «أنّنا أعددنا خطّة أولية لمواجهة أيّ تطورات سيئة».