طرابلس- نادر فوز وعبد الكافي الصمد


الوصول إلى حيّ «المئتين» ليس بالأمر الصعب، إذ يعدّ أحد «أفخم» أحياء طرابلس فتراوح أسعار الشقق فيه بين ستّين ومئة ألف دولار؛ لكن السؤال عن السبيل إليه تثير ريبة المواطنين، فيشيرون بأصابعهم متمتمين بعض الكلام ليبتعدوا مسرعين خوفاً من أي عواقب ممكنة.
لا يزال الهدوء مسيطراً على الشارع منذ نهار الأحد الماضي، فتكاد تخلو الطريق من السيارات والمارة. مكان انطلاق الشرارة الأولى للأحداث، يثير عناصر قوى الأمن الداخلي المنتشرة في المكان بأقسامها وفروعها المختلفة؛ فيمنع اقتراب «من ليس له عمل» وتمتنع العناصر عن الإدلاء بأي معلومة تختص بسكان المبنى، حتى المدنيين منهم.
معظم قاطني المجمع، ومبنى عبده تحديداً، بدأوا أمس يستعيدون مشاهد، ويتذكرون أموراً لم يعطوا لها بالاً إلا أخيراً. فالمجمّع شهد منذ أكثر من عشرين يوماً حملة مداهمة قامت بها قوى الأمن الداخلي، بهدف البحث عن أحمد .س.م، نجل مختار سابق لمنطقة وادي خالد في عكار، ويمتلك وأهله واثنان من أشقائه أربع شقق في مبنى عبده، نظراً لتورطه في قضايا مالية متعلقة بتجارة السيارات وغيرها، وأنّ القوة الأمنية بقيت في المكان قرابة ساعتين من غير أن تتمكن من العثور عليه، بعدما باءت محاولاتها بالانتظار أمام باب شقته الواقعة في الطابق الخامس بالفشل. لكن المفاجأة التي حصلت هي أنّ أحمد غادر المبنى بسيارته بعد مغادرة القوة الأمنية للمكان بنحو ساعتين، ولم يلاحظ أحد من سكان المجمّع عودته إليه لاحقاً، مع أنّ شائعات لم تتأكد أفادت أنّه موجود في منطقة المنكوبين الواقعة على تخوم مخيم البدّاوي. إضافة إلى ذلك، فقد ترافق غياب أحمد عن الأنظار، مع مجيء سكان جدد إلى المبنى، وإقامتهم في شقة في الطابق الأول أواخر الشهر الماضي، كان قد استأجرها لهم من جمال .س، الذي يمتلك بدوره الشقّة الأخرى المواجهة لها في الطابق نفسه؛ لكنّ المفارقة الأخرى هي أنّ جمال اختفى بدوره عن الأنظار منذ ذلك الحين. غير أنّ السكان الجدد في المبنى، الذين لفتوا الأنظار بتصرفاتهم الغريبة التي أثارت الريبة عند قاطني المبنى، بقوا على مسافة بعيدة عن بقية السكان، ولم يختلطوا بأحد فيه، لا بل إنّ سيدات منقّبات كنّ يرفضنّ استخدام المصعد إن كان فيه رجال، أو حتى إن كانت فيه نساء.
فضلاً عن ذلك، فإنّ القاطنين في المبنى أفادوا أنّهم كانوا يسمعون في أوقات الليل، أصواتاً تصدر من الشقّة الواقعة في الطابق الأول، والأخرى الواقعة في الطابق الخامس، التي تخصّ أحمد .س.م، من غير أن تتضح حقيقة هذه الأصوات التي كانت تشبه صوت المقدح، وما إذا كانت مجرد تهيؤات أم أنّها حقيقية، وخصوصاً أنّ شقّة الطابق الخامس كانت قد شهدت أعمالاً قيل إنّها تهدف إلى إعادة تأهيلها، برغم أنّ المبنى لم يكن قد مرّ على الانتهاء من بنائه أكثر من ثلاث سنوات. وإلى جانب ذلك، شوهد تردّد شخص طويل الشعر على المبنى ثلاث مرات، إضافة إلى وجود سيارات أجرة تحمل لوحات خضراء، ما يعني أنّها تعود بملكيتها إلى شركات خاصة.
وبالقرب من أحد المباني المجاورة، تصطحب امرأة شقراء كلبها وتتمشّى بين المباني، فتبيّن أنها من أحد سكان «عبده» المهجّرين. رفضت الكشف عن اسمها، إلا أنّ لهجتها العربية «المكسّرة» كشفت عن جنسيّتها السلوفاكية الأصلية. روت هذه السيدة، التي تسكن مع زوجها وابنتها، منذ ثلاث سنوات، في الطابق الخامس من مبنى عبده، ما حصل عند الساعة الثانية من فجر نهار الأحد الماضي: «راح الكلب ينبح بشكل غريب، فاستيقظنا مرعوبين، وزاد من خوفنا رؤية رجال الأمن يحاصرون المبنى». طُلب إخلاء المبنى، فهرع معظم السكان تاركين أغراضهم، ليبدأ بعدئذ إطلاق النار. استمرار تطويق المبنى من جانب عناصر قوى الأمن أجبر السكان على تغيير أماكن سكنهم، فانتقلت هذه العائلة إلى العيش في منزل أهل الزوج، على بعد مباني قليلة من «عبده».
تحدثت السيدة عن سكان الطابق الأول من المبنى حيث يعيش أحد عناصر «فتح الإسلام»، فقالت إنّ ضيق المساحة اضطرّت العائلة إلى استئجار شقة أخرى في الطبقة الثانية من المبنى. كما أشارت إلى وجود شقة أخرى للعناصر الإسلاميين في الطابق الخامس من المبنى نفسه، «كانوا بمعظمهم من اللبنانيين». ومن الأمور الغريبة التي لاحظتها، الوجود الدائم لسيارات مستأجرة من جانب هؤلاء الأشخاص في الموقف المخصص للسكان، كما وصفت علاقتها بهم بـ«المعدومة»، بحيث إنهم نادراً ما كانوا يظهرون. ولفتت السيدة أيضاً إلى قدوم عناصر من قوى الأمن الداخلي إلى أحد طوابق المبنى عند الساعة الواحدة ظهراً من أحد أيام الأسبوع ما قبل الماضي، «إلا أنهم غادروا المكان بسرعة، دون أي نتيجة». وشكت السيدة من تصرفات الناطور، المدعو محمود، الذي كان يحاول تغطية أعمال هؤلاء الأشخاص، «فيسرع إلى حمل أغراضنا إذا كنّا موجودين، أو يقفل أبواب المبنى عند نزول أو خروج أحدهم». شكوى أخرى أضافها أحد أصحاب الشقق في «عبده» بحق محمود؛ إذ رأى حسام، كما سمّى نفسه، أنّ الناطور كان «يضيّق» على السكان، وغالباً ما يفقد أعصابه «حتى إنه حاول مراراً التعرض لي بالضرب». وأشار مصدر آخر إلى أنّ الناطور غادر عمله قبل ثلاثة أيام من مداهمة القوى الأمنية للمبنى المذكور، آتياً بأخيه عدنان ليحلّ مكانه في خدمة السكان وأنصار «فتح الإسلام».