strong>نيويورك ـــ نزار عبود


يصل رئيس الدائرة القانونية في الأمم المتحدة نيكولا
ميشال في الساعات الأولى لفجر يوم غد الى بيروت في مسعىً لإمرار المحكمة لبنانياً وقبل بحث إقرارها تحت الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة

حرص رئيس الدائرة القانونية في الأمم المتحدة نيكولا ميشال على استخدام عبارات غاية في الدبلوماسية قبل توجهه إلى بيروت من دون أن يغفل التذكير بأن مجلس الأمن الدولي لا يمنح لبنان أمداً مفتوحاً لحسم الأمر على المستويات الدستورية. وقال، «... الكل يعرف أن عامل الوقت وارد هنا لأنه ينبغي للمحققين أن يعلموا بوجود أفق لإنشاء المحكمة في الأمد غير البعيد». وعليه فإن ميشال، وحسب ما أعلن بعد خروجه والأمين العام من اجتماع مع أعضاء مجلس الأمن الجمعة الماضي، يود أن يؤدي دوراً وسيطاً لتبديد المخاوف من انشاء المحكمة الخاصة لدى فريق المعارضة.
ولما كان ميشال المشارك الرئيسي في وضع نظام المحكمة، فإنه يرغب في الرد على أي تشكيك في مبادرة قد تكون الأخيرة قبل انتقال المحكمة من يد الأمين العام إلى مجلس الأمن الدولي بضغط من الثالوث البريطاني الفرنسي الأميركي اذا لم تقف روسيا والصين موقفاً حازماً في هذا الصدد. وسيقدم ميشال تقريره لمجلس الأمن الدولي بعد عودته إلى نيويورك. فماذا عساه يقول لأطراف المعارضة في لبنان؟
تابعت «الأخبار» لقاءات ميشال الصحافية والتقته على حدة في عدة مناسبات. واستمعت لآراء كبار المسؤولين في المنظمة الدولية من سفراء ومستشارين بهذا الخصوص. ورغم أن المعارضة لم تعلن ملاحظاتها حتى الساعة، فإن العديد من رجال القانون سجلوا تحفظات على البعد السياسي للمحكمة التي تحظى بدعم من الدول نفسها التي ساندت الحرب الاسرائيلية على لبنان في تموز الماضي.
ميشال سيشرح وضع المحكمة الحيادي، بالقول إنها ستؤسس بموجب معاهدة ثنائية بين الأمم المتحدة والدولة اللبنانية انطلاقاً من هدف معلن يتحدث عن استقلاليتها بعيدا عن تأثير التيارات السياسية الداخلية. أما تطبيق المعاهدة فهو محدد بقضية اغتيال رفيق الحريري، ولكي تصبح صالحة للنظر في جرائم أخرى لا بد من أن تحصل على طلب من الحكومة اللبنانية، وقرار من مجلس الأمن الدولي الذي يخضع عادة لقاعدة الأغلبية.
تعيين القضاة الأجانب واللبنانيين
سيكون هناك قاض للادعاء، وآخر للإجراءات القضائية التمهيدية، وثلاثة قضاة لهيئة المحكمة. وفي قاعة الاستئناف سيكون هناك خمسة قضاة. المدعي العام، وقاضي ما قبل المحاكمة، وثلاثة قضاة في هيئة المحكمة سيكونون كلهم دوليين، وثلاثة قضاة من أصل خمسة في محكمة الاستئناف سيكونون دوليين أيضاً. واختيار القضاة سيتم من جانب الأمين العام للأمم المتحدة بموجب توصيات هيئة اختيار تؤلف بقرار من الأمين العام نفسه بعد إبلاغ مجلس الأمن نياته مسبقاً. وستتألف لجنة الاختيار من قاضيين دوليين يعملان حالياً في محاكم دولية أو شاركا في إصدار أحكام في محاكم دولية، فضلاً عن ممثل الأمين العام (نيكولا ميشال). وإذا كان اختيار القضاة من أهم عوامل الحيادية والاستقلال في نظام المحكمة، فإن ميشال يود إبلاغ قادة المعارضة اللبنانية أن الأعضاء الذين سيتولون اختيار القضاة يحرصون على الظهور بمظهر حيادي مقنع للجميع، لأنه بناء على هذا الاختيار تتوقف صدقية المحكمة. ولن يتمكن محامي الادعاء من اتخاذ القرار بمفرده بشأن المشتبه بهم من نوع إصدار مذكرات توقيف وخلافها. بل إن هذا سيقع على عاتق قاضي البداية بعد توصية من محامي الادعاء. وجميع قرارات المحكمة ستكون خاضعة للاستئناف.
بالنسبة لاختيار القضاة اللبنانيين، سيتم تعيينهم من جانب الأمين العام بعد تقديم قائمة باثني عشر قاضياً يختارهم مجلس القضاء الأعلى في لبنان. وسيتعين على الأمين العام اختيار قاض لبناني لهيئة المحاكمة، واثنين لمحكمة الاستئناف، وقاض مناوب. أي سيختار أربعة من أصل عشرة قضاة. وهذا يمنح الأمين العام فرصة للتأكد أن القضاة لم ينتخبوا لأسباب سياسية، أو لأسباب غير مستساغة. غير أن المعاهدة لا تنص على مثل هذا الاحتمال، وهنا يتعين على الأمين العام اختيار القضاة وفقاً لتقديره من قائمة أخرى.
المحاكمة الغيابية
القانون اللبناني يسمح، بخلاف القوانين المتّبعة في كمبوديا وسيراليون، بالمحاكمة الغيابية شريطة أن يمثل محامٍ عن المتهم في المحكمة نيابة عنه سواء باختياره الشخصي أو بتعيينه من المحكمة. ويستطيع المتهم طلب إعادة المحاكمة إذا لم يمثّله محام اختاره شخصياً.
مكان المحكمة وانطلاقها وتمويلها
نظام المحكمة الحالي يتضمن بنداً يقول بأنها ستدخل حيز التنفيذ عندما تبلّغ السلطات اللبنانية الأمين العام أنها نفّذت جميع الإجراءات اللازمة على الصعيد الداخلي، عندها يقرر الأمين العام متى يستطيع الانطلاق في عمل المحكمة. وهناك خطوات أخرى يجب أن تتخذ مثل تأمين التمويل. فتمويل المحكمة سيتم بالتبرع بنسبة 49 في المئة من لبنان و51 في المئة من جهات أخرى. ولن يستطيع الأمين العام إطلاق المحكمة قبل أن يؤمّن التمويل الكافي لتغطية نفقات عملها لعام كامل، وتعهدات بالتمويل لعامين لاحقين.
ولا بد أيضاً من إيجاد موقع لتأسيس المحكمة خارج الأراضي اللبنانية. وبعد وقوع الاختيار على الدولة المضيفة لا بد من إبرام معاهدة ثلاثية بين لبنان والأمم المتحدة وتلك الدولة. وينبغي تأمين قلم المحكمة وإدارتها، ومكان لإقامة المدعي والقضاة. ولكي تبدأ المحكمة العمل على إجراءات ما قبل المحاكمة، لا بد من وجود المدعي والقضاة. فبحسب نظام المحكمة الداخلي المطروح، لا يستطيع محامي الادعاء اتخاذ قرار بشأن المشبوهين بدون وجود القضاة أو بعضهم على الأقل في البداية. وهذا يعني أنه لا بد من مرحلة انتقالية بين تأسيس الهيئة وبداية نشاط المحكمة الخاصة بكامل زخمها. القضاة سيعملون على وضع قواعد العمل الداخلية، وهذا معناه أن قضاة الاستئناف سيتمكنون من العمل في مكان آخر. وعندما يبدأ نشاطهم في المحكمة سيكونون متفرغين. وسيستطيع القضاة العمل في أوطانهم إلى حين بدء مهماتهم بدوام كامل في المحكمة.
strong>مسؤولية الرئيس والمرؤوس
سيردّ ميشال على الشكوك المتعلقة بمسؤولية الرئيس الجنائية عن مرؤوسه والتي قد تُستغل لاستهداف رموز السلطة إذا وظفت لغايات سياسية بالقول إن نظام المحكمة في البند الثاني من الفصل الثالث ينصّ: «يتحمل المسؤول المسؤولية الجنائية عن أي جريمة ارتكبها مسؤوله كما نص عليها الفصل الثاني بالنسبة لاغتيال الحريري أو سواه، إذا ثبت أنه يعمل تحت سلطته الفعلية وسيطرته، في حال فشله في ممارسة السيطرة المناسبة على تابعه».
لكن هذا، حسب رأي ميشال، يتوقف على علم الرئيس وتجاهله عن وعي للعمل الذي يقوم به المرؤوس، وهو ما يشير إلى أن التابع كان يرتكب، أو على وشك ارتكاب الجريمة. وهذا لا يعني أي رئيس بالمطلق، بل الرئيس المسيطر على تابعه والذي يعرف أنه يرتكب أو سيرتكب جريمة، أو كان لديه اشارة واضحة بأن هذا هو ما سيفعله التابع وتجاهل ذلك عن عمد.
ويرى ميشال أن هذا النص لم يوضع لهذه المحكمة خاصة، بل هو متبع في الكثير من المحاكم الدولية السائدة. وقال ميشال في غير مناسبة، إن الذين وضعوا نظام المحكمة اعتمدوا في عملهم على المعاهدات المماثلة المطبّقة مثل المحكمة الخاصة بيوغوسلافيا السابقة، ومحكمة سيراليون، حيث بعض بنود النظام الداخلي لهاتين المحكمتين تتطابق كلياً مع نظام المحكمة المزمع إنشاؤها، وكذلك بالنسبة للضمانات التي تقدم للمشتبه بهم.
ميشال على مسافة واحدة من الجميع
ميشال لن يعود في لبنان إلى مبدأ إنشاء المحكمة، لأنه سيبني على أن المشاركين في مؤتمر الحوار الذي جرى في فترة ما قبل عدوان تموز الماضي أجمعوا على ضرورة إنشاء المحكمة الدولية. لذا فإن البحث سيتركز في لبنان على الجوانب التنفيذية بموجب ولاية الأمين العام التي تفرض عليه العمل مع الحكومة اللبنانية وفقاً لما ينص عليه الدستور اللبناني. ولا تفويض لديه بأي عمل آخر.
وبقي ميشال على مسافة متساوية من الحكومة والمعارضة، أو على الأقل هو حاول أن يبدو كذلك. لكنه نبه، وربما من باب التحذير للأطراف اللبنانية المعارضة، إلى أنه إذا فشل في إقناع اللبنانيين باعتماد السبل الدستورية، فإن أعضاء مجلس الأمن قد يفرضون المحكمة بموجب الفصل السابع على غرار محكمة جرائم الحرب في صربيا.
ميشال سيؤكد في بيروت، أن سوريا اعربت دوماً عن موقف متعاون مع المنظمة الدولية. وهم يتعاونون مع هيئة التحقيق التي يرأسها براميرتس والتي لا تعمل داخل حدودهم السياسية على الرغم من إعراب سوريا عن معارضتها لتسليم أي متهم لمحاكمته خارج أراضيها. لكن هذا الموضوع لا يزال افتراضياً لأنه لم يعلن بعد عن وجود أي متهم يحمل الجنسية السورية.
الضغط على روسيا والصين
هذه هي أهم الردود والحجج القانونية التي سيحملها ميشال الذي قال إنه يذهب إلى لبنان «بعقل وقلب مفتوحين». وفشله في مهمته في التقريب بين المعارضة والموالاة يفتح الباب على مصراعيه لتدويل القضية في مجلس الأمن، وهو ما تحرص عليه فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة خصوصاً. أما الموقف الروسي فهو داعم لفكرة المحكمة من حيث المبدأ لكن على أساس الوفاق اللبناني. ورغم أن المندوب الروسي في الأمم المتحدة قال الاسبوع الماضي إن لبنان أهم من المحكمة، لا يمكن استبعاد تغيير في موقف موسكو إذا ما تعرضت لضغوط كبيرة من الدول الأخرى. فموسكو لا تزال تماطل في إتمام محطة بوشهر النووية في إيران. ولقد أيدت العقوبات التصعيدية عليها في مجلس الأمن الدولي مرتين خلال ستة أشهر. وفيما استخدمت هي والصين حق الفيتو في شأن يتعلق بالوضع الداخلي في ميانمار قبل بضعة أشهر، لم تظهر الحزم نفسه في قضايا الشرق الأوسط. لكن إذا لم تكن العلاقات الروسية ـــ الإيرانية في أفضل أحوالها حالياً، فإن العلاقات السورية ـــ الروسية قوية بما يكفي لمنع أو تأخير إصدار قرار تراه سوريا مجحفاً في هذا الخصوص.
الوقت يدهم الفرنسيين والبريطانيين
إتمام المفاوضات بشأن إصدار المحكمة بموجب الفصل السابع في مجلس الأمن لن يكون قبل نهاية الشهر الجاري، بحيث لا يستفيد الرئيس جاك شيراك في الانتخابات الرئاسية منها. فالبريطانيون واجهوا صعوبة كبيرة في مجلس الأمن الشهر الماضي في اصدار بيان يطالب بالإفراج الفوري عن البحارة البريطانيين الخمسة عشر. ثم إن القرار سيتأخر أسابيع لأن نيكولا ميشال قد يمكث في لبنان أسبوعاً أو أكثر يكون بعدها الأمين العام بان كي مون قد زار قطر ودمشق بعد لقائه البابا ليعود إلى نيويورك في السادس والعشرين من هذا الشهر.
الامين العام لم يفقد الأمل
أمور كثيرة تغيرت في الأمم المتحدة بعد زيارة أمينها العام للشرق الأوسط وأفريقيا خلال الأسابيع الماضية. إذ عاد منها بإدراك أعمق للأوضاع عبّر عنه أخيراً بتلقف العرض الذي تقدم به رئيس مجلس النواب، نبيه بري لحوار بشأن المحكمة ترعاه السعودية. ولوحظ أنه تعرض لانتقادات من رئيسة الكنيست الاسرائيلي، ووزيرة الخارجية ووزير الدفاع الاميركيين، ومن رؤساء سابقين كان آخرهم بيل كلينتون. وربطت المصادر الدبلوماسية ذلك برحلته المرتقبة إلى دمشق وسط رهان على فصل المسار السوري عن المسارين الإيراني واللبناني.
مبادرة الرئيس بري تعطلت أو عُطّلت حتى الآن. لكن الأمين العام لم يفقد الأمل لأنه يدرك أن البديل من توافق اللبنانيين هو صراع كالذي يشهده العراق.