strong>كامل جابر


  • تقاضى المتضرّرون جزئياً تعويضاتهم كاملة أما أصحاب البيوت المهدّمة فينتظرون

    تقدّر أضرار الدمار الشامل الذي لحق ببلدة حاروف بنحو ثلاثين بيتاً، وهو رقم صغير نسبة إلى غيره في العديد من القرى المنكوبة جنوبي نهر الليطاني. على رغم ذلك ينتظر أهالي هذه البلدة ــ المدرَجة ضمن لائحة الدول التي تبنّت الكويت إعادة إعمارها ــ التعويضات التي «لن تستطيع أن تعيد البيوت إلى ما كانت عليه»

    لا يبدّد الانتظار السائد منذ العدوان الأخير، وبعده، قلق أصحاب البيوت المدمرة في حاروف، جارة النبطية. هناك الأهالي متخوّفون من ضياع ما يعتبرونه حقوقهم عند الدولة، في ظل التأخير في دفع التعويضات الذي يشمل غير مدينة وقرية، بعد ثمانية أشهر من توقف الحرب.
    في حاروف، الصورة الطاغية هي لأطلال الدمار أو بقاياه في نحو ثلاثين موقعاً في البلدة، أسبغت عليها صفة «أضرار شاملة» بعد سلسلة من الكشوف العينية من قبل مجلس الجنوب وشركة «خطيب وعلمي». ويسود انطباع لدى أصحاب هذه المنازل «أن الدولة ربما تنتظر حصول عدوان اسرائيلي آخر، لذلك لم تدفع حتى اليوم المبالغ المتوجبة ليبدأ أصحابها بلملمة شمل عائلاتهم، بدل النزوح المستمر حتى اليوم هنا وهناك»، يقول نائب رئيس بلدية حاروف الدكتور حسين نصر.
    في الحديث عن الجهة التي ستتولى التعويض عن الأضرار والدمار الكليّ، لا يذكر أبناء حاروف إلا اسم مجلس الجنوب. هم لا يعرفون أن بلدتهم مدرجة على لائحة الدول التي تبنّت الكويت إعادة إعمارها، ولا يعرفون الترتيبات المتبعة بين مجلس الجنوب والهيئة العليا للإغاثة، «تعوّدنا أن يقوم مجلس الجنوب بهذه المهمة بعد كل عدوان».
    أما مَن سمع منهم بأن دولة الكويت هي التي تبنّت البلدة فيتمنى لو أنها تتولى مباشرة عملية دفع التعويضات وإعادة الإعمار، على نحو ما جرى سابقاً في بلدات حانين وعين عرب وحي الحيادرة في مرجعيون، وكذلك في سجد وغيرها «بدل هذا الانتظار»، بحسب جودت كركي الذي يرمي كلماته ويسرع إلى دراجته النارية في اتجاه دارة ربّ عمله (نزيه أيوب) المدمرة في محلة مراح الزعفران... «هناك سيارة توقفت أمام البيت، قد يكون جاء الفرج».
    وإذ يتلهّى أصحاب البيوت المدمرة باتصالات ومراجعات، وانتظار لجنة ستحضر، وأخرى حضرت وذهبت، مرّة من مجلس الجنوب، ومرّة من شركة خطيب وعلمي، وبمصائر الملفات المعدّة، يقرّر خضر مصطفى حرب البالغ 77 سنة أن يعيد بناء منزله على حسابه الخاص.
    فإلى ما كان يدّخره من تعويض نهاية خدمته في مصرف سوريا ولبنان، يضيف مبلغَي «الإيواء» اللذين تقاضاهما من مؤسسة «جهاد البناء» التابعة لـ«حزب الله» عن بيته وبيت ابنه مصطفى، وتصل قيمتهما إلى عشرين ألف دولار أميركي، ليطلق ورشة «يتيمة» في حاروف، من بين ثلاثين كان من المفترض أن تشكل حركة اقتصادية تستبدل هذا الركود. وهو يأمل أن تعوّضه هذه الورشة السريعة عن سكنه الموقت في بيت مستأجر في البلدة «لا يذكّرني بغير البهدلة»، يقول متحسّراً على «المبنى الحجري المؤلف من ثلاث طبقات، تبلغ مساحتها 750 متراً، دمرتها الطائرات بلحظة»، بعدما كان قد بدأ العمل في بنائها منذ عام 1962.
    لا يعتقد حرب أنه سوف يعيد بناء ما كان «من إنجاز العمر. فلا قدرة لي على بناء منزل صخري مماثل للذي كنت بنيته، علماً أنه لم يعد من السهل إيجاد معلّمي بناء لمثل ذلك النمط من الحجر الصخري ذي القطعة الواحدة، بعد استسهال التلبيس، واليوم بلغ ثمن طن الحديد أكثر من ألف دولار أميركي، وتجاوز ثمن طن الترابة مئة دولار، بعدما كان ثمنه قبل العدوان لا يتجاوز 45 دولاراً». ويرى حرب أن مبلغ «الإيواء» الذي تقاضاه من جهاد البناء، مع المبلغ الذي يدخره في المصرف «لا يكفيان لأكثر من بناء الهيكل الإسمنت. وإذا لم يدفع مجلس الجنوب المبالغ المقررة، فلن أتمكّن من إتمام بيتي قبل الشتاء المقبل». هذه العملية الحسابية لم تشمل الأثاث بعد: «يعرف كل أبناء البلدة أن أثاث بيتي لم يكن له مثيل في بيوت النواب والوزراء... لا أعتقد أني قد أستطيع شراء أثاث مماثل له، أما البستان المحيط، فلم يبق منه ما يشير إلى ما كان عليه». أصيب في بيت خضر حرب ابنه علي وابنته رباب وصهره علي نصر، وتلقى كلّ منهم مبلغ 600 أو 700 دولار أميركي، «أما العلاج المستمر حتى اليوم، فهو على نفقتنا الخاصةوكانت الطائرات الاسرائيلية استهدفت في اليوم الثالث للعدوان، مبنيين يعودان للحاج نزيه أيوب في حاروف، يقع الأول في محلة «مراح الزعفران» وكان يتألّف من ثلاث طبقات، تبلغ مساحة كلّ طبقة 240 متراً، فضلاً عن خزانات مياه تحتها تتسع لنحو 380 متراً مكعباً «تبلغ تكلفة بنائها أكثر من طابق، لأنها من الإسمنت المسلّح، قد لا يشملها التعويض، لأنني لا أعرف ماذا سجّل وما سيحسب، وضاعت بين مجلس الجنوب ووزارة الزراعة». يقول أيوب ويردف: «راجعت مجلس الجنوب، ولا أعرف الجهة العربية التي ستغطي التعويضات في حاروف. قيل لنا إنها الكويت، وعلمت أن التعويض سيكون عن ثلاث وحدات سكنية مع أثاثها، أي نحو 180 مليون ليرة، كيف لهذا المبلغ أن يعيد بناء فيلا «تري بلكس»؟».
    أما المبنى الثاني، فيقع في محلّة «السكران». دُمّرت الطبقة العليا فيه بشكل كامل، وأمكن تأهيل الطبقة السفلى على نفقة «جهاد البناء»، يقول أيوب: «يقيم فيه الأولاد حالياً، بانتظار تعويض الهيئة العليا للإغاثة».
    لكن أي تعويض، وهو الذي يعدّد خسائر أخرى منها مزرعة الأبقار التي كانت تنتج نحو 1200 كيلوغرام من الحليب تورّد إلى أحد مصانع الأجبان والألبان في النبطية، و«جاء العدوان ليحاصر المزرعة وفيها 120 رأس بقر، فصار حليبها يدلق يومياً في الحقول المجاورة». واتّبع القيّم عليها جودت كركي نظام طعام مقنّن «ما تسبب في نفوق ثلاثين رأساً، وفطام العديد منها، فقلّ إنتاجها وتراجع إلى نحو خمسين في المئة». في المقابل: «ارتفع ثمن طن العلف بعد العدوان من 250 ألف ليرة إلى نحو 450 ألفاً، فيما بقي سعر دلو الحليب على ما هو عليه، أي ثلاثة آلاف ليرة فقط، ولم نجد حتى الآن من يعوّض هذه الخسارة»، يقول كركي.
    تسبب العدوان في حاروف في تدمير ثلاثين وحدة سكنية وتضرّر 673 وحدة بشكل جزئي أو متوسط، «دفعت مبالغ نهائية وكاملة للمتضررين جزئياً، قبل إعداد ملحق للمعترضين. وتراوحت مبالغ التعويض ما بين 500 ألف ليرة وخمسة ملايين. وسقطت شهيدتان جراء غارة على منزل محمد كركي، هما ابنتاه سارة وفاطمة ولم يدفع للعائلة أي مبلغ تعويض حتى الآن، وكذلك لعائلة علي وهبي التي سقط منها خمسة أفراد في الضاحية الجنوبية»، يقول نائب رئيس البلدية الطبيب نصر معدّداً خسائر البلدة.
    ويعتبر نصر «أن سبب التأخير في دفع التعويضات سياسي بامتياز، والموضوع له علاقة بما يجري في البلد»، متسائلاً: «هل ما يجري من تجاهل هو انتقام ممّن صمد وضحّى وناضل واستشهد؟ نحن نقدّر جهود حزب الله وما قدمه حتى الآن للبلدة من مبالغ إيواء ومساعدات وهبات، لكن أين مسؤولية الدولة؟ ثمانية أشهر مرت بعد العدوان، ولولا الورشة اليتيمة التي قامت في البلدة على نفقة صاحبها خضر حرب، لما كان هناك أي مظهر من مظاهر الإعمار، والأهالي قلقون من هذا التأخير ويخافون من ضياع حقوقهم». ويعود إلى عام 1996 والتعويضات التي لا تزال تنتظر منذ عدوان نيسان 1996 الذي خلّف في البلدة تدميراً مشابهاً، «لم تدفع التعويضات إلى اليوم، وهناك من يشعر بنوع من المهانة والذل خارج بيته وحقله. هذا التأخير وهذه اللامبالاة لا يجوزان».


    المحال التجارية محرومة من التعويضات
    وقد تسبب العدوان الأخير في إصابة العشرات من هذه المحال بأضرار مباشرة، أو بتحطيم كل الزجاج وأبوابها الجرّارة، نتيجة الغارات القريبة من حاروف، أو قرب مدخل زبدين، أو غربي مدينة النبطية، فضلاً عمّا خلّفه هذا العدوان في الطرق التي لم تكن في حال جيدة قبل الحرب.
    وضاعفت الحـــــــــرب الأخيرة عدد الحفر والخنادق التي تعوق حركة المواصلات وتتسبب في أضرار جسيمة للســــــــــيارات «المغامِرة» بالسير نحو منطقة تشكل ثلث قضاء النبطية.
    على رغم هذه الحال، يؤكد معظم أصحاب المحال والمؤسسات أنّهم لم يستقبلوا أي لجنة للكشف ولم يسألهم أحد عما حلّ بأرزاقهم ومصادر عيشهم، «وخصوصاً في ظل ما يُشاع باستمرار عن أن التعويضات لا تشمل المحال التجارية أو المؤسسات الصناعية».
    ويوضح أحد أصحاب هذه المحال، محمد علي شمعون صاحب مؤسسة شمعون للكهرباء والإنارة، الوضع بقوله: «أنا صاحب مؤسسة تبيع قطع ولوازم الكهرباء والتمديدات والإنارة، لم أر من يسألني عن خسارتي، هذا فضلاً عن تعطيل استمر 33 يوماً خلال العدوان، وأسبوعين بعده ريثما أُزيل الركام من الطرق وأُصلحت أبواب المحال والمؤسسات».