أنسي الحاج


دعي الخيال يواصل إرهاقكِ
قَدَرُكِ أن تَرتعش لكِ المياه ويَقف زَغَبُ ترابِ الأرض، وتذوبَ الفضيلة لسيركِ كما يذوب الوجعُ تحت المعجزة.

إذا لا بدّ من شقاء، فليكن بواسطتكِ. إذا لا بدّ من تفادي الشقاء، فليس بأجمل من واسطتكِ.
أيّتها الكائن الوَسَط بين الدم والهواء، بين العجين والوهم، بين القبضة والنوم،
يا بنْت أبي الهول، يا سيّدة الإخفاء، يا ذاتَ اللعب الراقص ضاحكاً فوق الموت،
يا أُمَّ شَعْرها
شَعْرُكِ سرٌّ عليكِ أنتِ أيضاً، لذلك هو جميل،
تُمشّطينه فإذا هي الظلال تستحمّ.
عليكِ يأخذ أشكالكِ ولا يأخذ شَعْرُ الرجل على الرجل أَشكاله.
يا أمَّ شَعْرها
أيّتها الشَعْب الأرستقراطيّ، تُهدى إليكِ القوّة كما تُهدى إلى الآلهة القرابين
ولا غاية للقوّة أَعلى من أن تُمتّعكِ.

العالم مخيف لأنه يحكمه الرجال. الرجال الرجال وأشباه الرجال. والمثليّون من الرجال. بمجرد أن يولدوا ذكوراً يُخيفون. أشكالهم، افتقارهم إلى الاستدارات، أصواتهم، نوع سلطويّتهم الفظّ المباشر والمنتصب كالعصا، أغبى ما في الطبيعة بعد الديك، هذه وغيرها من الماضي والحاضر والمستقبل، تجعل الرجل مرادفاً للإرهاب والغلظة، يرفل بالبشاعة كما يرفل الصخر بالظلمة والظلمة بالصخر.
الرجال الذين يحكموننا، والذين يعارضونهم، والذين يتأهّبون للحكم وللمعارضة، وأولئك المسمّون رجال أعمال، ورجال دين، ورجال فكر، ورجال أحزاب ومغامرات وغزوات نسائيّة، والأخيرة أمْحَنُها.
ذوو الوَهْرة والاغتصاب، التيّاهون بإخصابهم، العاقدون حواجب الهيمنة، كشّاشو العواطف والرغبات، الآباء الجلّادون والأبناء الجلّادون، الأزواج الخنّاقون والعشّاق الخنّاقون، الصالحون العاجزون والفاسدون العاجزون، الأصدقاء المزوَّرون والحكماء المتربّصون، الرجال المبطَّنة ظلالهم بالثعالب والضباع، الهاربون تحت ستار العمل، الهاربون تحت ستار المسؤوليّة، الهاربون تحت ستار المواجهة، الأشدّاء الذين لا يُخصبون في الخيال إلاّ الفَزَع والعقم، انظرْ إليهم يمرّون في الشارع وانظر إلى النساء المارّات: كيف يكون هذان الكائنان من طينة واحدة!؟

لا أَن تحكمنا المرأة بل أن تملأ الوجود حيثما كان. من المقهى إلى المَتْجر، من اليقظة إلى الغياب، ومن العيون إلى العيون.
من فتنة الشَعْر إلى رقصة الأرداف، من غابة اللين إلى محيطات الحِيَل والعطور والأقمشة. من بُحيرات الكحل إلى مشارف الفخذ. الضلال حَولها ولا الصواب بعيداً عنها. العقاب بسببها ولا الجنّة من دونها. سخريتها منكَ ولا غيابها عنك. تدميرها لكَ ولا خَلاصُكَ بالنجاة منها. وليلحق نسوةُ السلطة بالرجال، مكانهنّ هناك، ومكانهم بينهنّ، كلّهم جَبْلَة البشاعة.

الخَلَل في هذا الكلام هو خلوّه من الصور الفوتوغرافيّة، وهو اعتماده على المنحازين. ولا بأس. الواقع في كلّ مكان يعوّض عن الصورة، والمنحازون يعوّضون عن الذين لن يقتنعوا. المنطق يُعْوز موقفاً كهذا. حالات كثيرة تحتاج إلى المنطق، فلتأخذه.
الجمال هو شيء يتحرّك وراء الروح، أمامها، في صميمها، وتجهل حدوده، ويَفوقُها، ويُخيفها، ويعطيها أكثر ممّا أعطاها خالقُها. الجمال ليس مَنطقيّاً، ولا هو معطى محدّد في كلمة، إنّه هذيان على ثبات. إنّه دائماً هذه المفاجأة المُنْزَلَة على العقل، النِعْمة الغامرة أو الصاعقة، التقاء أحلامنا بأيدينا ورغباتنا بأهدافها، التقاء السراب بمائه في لحظةٍ لا السراب يُدرك خلالها معناه ولا ماؤه، كلاهما يُباركه جهلُه بالآخر.

... حين كتابة هذه، أطلّت من الباب صبيّتان. كأنهما مكافأة على مديح المرأة. ليس هناك صدْفة. كلّ شيء صدْفة. ليس في المرآة أحد. ضع في المرآة الصورةَ المشتهاة، ضعْ معجزتكَ في المرآة، ليضمحلّ الزمنُ في انفجاره.

سأظلّ أظْلُم الرجل.

لا بدّ من استسلام. لمَ يكون للصيّاد لا للفريسة؟ لا بدّ من حقّ. لمَ تكون فريسةً، وهي التي تملك طبيعة الخيار فيما الصيّاد يمتلك وقاحة الهجوم؟ لا بدّ من ظلْم. ليكن على الخشونة، ليس في مظهرها ولا في تقاليدها ما يستدعي الرأفة.

كلّ حسناء مشروع، مشاريع، كما هي ذكرى، ذكريات. توقٌ وأسى، جمرٌ ورماد. كيف تستطيع النساء الرقاد إلاّ على أحلام الرجال؟

«السرير كلام الجسد»، تقولين. وصمْتُه، لا بدّ مُضيفة. لا تعرفين ما هو السرير للعاشق: إنّه رحلة النهاية.
تُمسكين تماماً بمصير العاشق حين يغدو السرير بداية، وصنواً لكلّ مدىً آخر تلُوحين فيه، حيث كل مكانٍ سرير، وأوّله في العين.

شرُّكِ ولا خيرُ الرجل. خياناتكِ ولا قِيَمُه. غَدْرُكِ ولا أمجاده. الجنّة تجري من تحت أقدام اللواتي تَسبَّبْنَ بطَرْد الإنسان منها.

تَذَكّرْ أين أرخيتَ رأسكَ أول مرّة، أين سترخيه. إنّها هي. إنّها هو.
تذكّر مَنْ أول مَنْ أتاح لك الشرود
مَنْ دائماً على يديه، على عينيه، على ساقيهِ الأجنحة
إنّها هي، غابات اللين ومحيطات الحِيَل والعطور والأقمشة،
القاتلة بإشباع، القاتلة بحقّ.
فوق الخمر والتبغ والمخدّر، فوق الحرب والمقامرة، هي رَبّة التهريب،
أنتِ ربّة التهريب،
أنتِ المدهوشة بهذا المديح اندهاشَ النهر بأشجارِ ضفافه.
مَضْغُكِ يُفضي إلى الجنون ولا يُفضي إلى المَلَل
إلى اليأس ولكنْ بلا فراغ
إلى الفناء
إلى الفناء كما يُفْني البركانُ السكرانُ ذاتَه بانفجارٍ يَسْحَق الموت.