strong>رنا حايك


  • هنا تتحقّق كوزموبولية بيروت بأصدق صورها... مدينة للفقراء أيضاً

    تنتقل العاصمة السيرلنكية كولومبو كلّ أحد إلى شارع أرمينيا في برج حمود. هناك يتلاقى العمّال الأجانب من الطبقة الفقيرة ويعودون لإنسانيتهم بعيداً من عملهم كالآلة في بيوت مستخدميهم. ماذا يدور في ذلك الشارع ــ الوطن الممتد من محال أيانيان حتى مطعم السجق ــ بيدوس؟

    اسمه الفعلي هو شارع أرمينيا. وهو الشارع الأول الذي يقابلك حين تتجه يميناً عند جسر الدورة، لكنك قد لا تستدلّ لو سألت عن اسمه الرسمي الذي وضعته البلدية. فهو في عرف أهالي المنطقة ومريديه من الجنسيات الشرق آسيوية والإفريقية «شارع كولومبو» نسبة إلى العاصمة السيرلنكية.
    يعيش هذا الشارع وينتعش أيام الآحاد بينما يغرق خلال الأسبوع في صمت لا يعكّره سوى مرور بعض المتسوقين من حاملي الجنسيات الهندية والسيرلنكية والإثيوبية والفيليبينية. فهم يعملون خلال الأسبوع و«المدام» لا تسمح لهم بالخروج، هذا إذا سمحت، سوى أيام الآحاد.
    يذكر رئيس بلدية برج حمود أنترانيك مصرليان كيف بدأت هذه المحال تتكاثر منذ نحو عشر سنوات. كان أفراد من أبناء هذه الجنسيات يجتمعون في ساحة الدورة، يبسطون بضاعتهم على الأرض ويبيعون منتجات بلادهم. إلا أن البلدية منعتهم من ذلك فاستأجر بعضهم محال في الشارع المتفرّع من الساحة بينما شعر اللبنانيون والأرمن خصوصاً بجدوى استقطاب هذا النوع من المستهلكين فافتتحوا محال تلبّي طلباتهم ووظفوا فيها عمالاً هنوداًَ أو سيرلنكيين.
    قليلون فقط يسكنون في الشارع، يصل عددهم إلى حوالى 6 آلاف مستأجر من أصل 60 ألفاً على مجمل الأراضي اللبنانية بحسب مصرليانيظهر صاحب أحد المحال، المعلم بطرس، من بين أقمشة الساري والباشمينا المتدلية. منذ سبع سنوات وهي تتدلى لتلبّي طلب مستهلك مختلف وجديد، فقبل ذلك كان المعلم بطرس يبيع الثياب الرجالية لكن البضاعة تغيّرت مع تغير نوعية المستهلكين. يشرح كيف أن الشارع كان يكتظ بمحال أكثر لكنها أقفلت مع الوقت، فهي لا تبيع سوى أيام الآحاد و«شغل الأحد يا بيغطّي المصاريف يا لأ».
    مؤسسة عطا الله المتخصصة في بيع المواد الاستهلاكية الآسيوية، افتتحت فرعها في شارع كولومبو منذ سبع سنوات بعدما كان نشاطها يدور بين الهند ودبي. ينزعج صاحبها فور أن يعلم بسبب زيارتنا: «إنتو الصحافة سبب كل المشاكل».
    يلمح إلى نوعية المشاكل لكنها تبقى غامضة، فبين الخوف من «تفتيح عيون الدولة» على المنطقة الذي يُرفقه بتأكيد أنه لا شيء غير شرعي فيها، وتلميحه إلى الابتزاز الذي تعرّضت له السيرلانكيات على أيدي الدرك في مرحلة سابقة مع تأكيده أنه انتهى، إلى تعامل الأمن العام «الهمجي» مع المناطق، يصعب تحديد سبب الخوف وسبب المشكلة.
    يتمنّع عن الكلام ويردّ باقتضاب وتوجّس لكنه لا يتردد في إعطاء إجابات حاسمة وقاطعة: «زبائننا شرق آسيويين وأفارقة. ويمنع على اللبنانيين الدخول لأنهم «بيطوشونا» أسئلة واستفسارات ولا يشترون شيئاً».
    نسأله السماح لنا بالتحدث إلى الموظفة الفليبينية التي تعمل لديه فيرفض رفضاً قاطعاً وينهي حديثه المتذمّر من البلد ومن «الحالة» ومن النظام بقوله إنه قد يقفل فرعه في لبنان مع نهاية العام المقبل لأن الربح قليل والضرائب مرتفعة وهو يعتمد على يوم الأحد فقط لتحقيق المكسب.
    حالة التوجّس هذه لم تكن استثنائية، فكل مَن في الشارع من أصحاب محال وموظفين آسيويين فيها وحتى مارّة ومتسوّقين يرتابون من خطر لا يحدّدون ماهيته. هو تخوّف غير واضح المعالم أو الأسباب. حتى سرييلاتا، السيرلنكية الجنسية، ترفض التحدث. هي تعيش في لبنان منذ ثماني عشرة سنة وتعمل مع زوجها في محال «المستر» التي تبيع كل شيء بدءاً من أسطوانات الـ«دي.في.دي» والموسيقى حتى المواد الاستهلاكية، مروراً بالثياب. «المستر» يمنعها من التحدث إلى الصحافيين: «مرّة شاف شي بالجريدة وزعل».
    وحده عبد، الهندي الجنسية، الذي يملك مع كفيله اللبناني محلاً لبيع الملابس الهندية اسمه رينو، على اسم زوجته، يسترسل في الكلام. عبد يعيش في لبنان منذ عشر سنوات، كان يعمل «سمكرياً» في منطقة الحمرا. أرشده صديقه اللبناني، سائق التاكسي، إلى شارع كولومبو عندما سأله عن مطعم يقدّم الأرز الهندي بدل المصري الذي يحتكر السوق اللبنانية بشكل عام. قصد عبد المطعم وأكل أرز بلاده ولم يعد بعدها إلى الحمرا. نقل سكنه إلى «كولومبو» وافتتح المحل، يبيع فيه الملابس وتصلح زوجته خياطتها. يأتي له أصدقاؤه بالبضاعة من سيرلانكا ومن الهند: «خمس أو عشر حبات. حوالى 3 كيلو مع كل شخص جايي من السفر». لا يخفي عبد تململه من قلة البيع فالنشاط يقتصر على أربعة آحاد في الشهر، لكنها تكفيه لتوفير لقمة العيش وخصوصاً أنه لا يحرم نفسه شيئاً، فالسيرلنكيون والهنود «يصرفون في لبنان ما يكسبونه فيه، على عكس السوريين الذين يعيشون على أكل الخبز الحاف ليرسلوا نقودهم إلى سوريا».
    لا تقتصر مقارنات عبد على السوريين فقط، فهو إذ يقارن العامل الشرق آسيوي بالعامل اللبناني يوغل في السخرية التي تدعمها لغته اللبنانية غير السليمة: فـ«اللبناني بيوصل على شغلا، بتشرب القهوة وبتاكل منقوشة وبعدين بيبلش شغل. أما الهندي أو السيرلانكي فبيشتغل متل البقر».
    ينزعج عبد جداً من معاملة العائلات اللبنانية للمستخدمات السيرلانكيات إلا أن هذا لا يمنع زوجته من استخدام المصطلح العنصري من دون أن تدرك عنصريته حين تخبرني أنها «بتشتغل خياطة في محل زوجها وسيرلانكية بالبيوت».
    يبسط أنوري، سيرلنكي الجنسية، أشرطة كاسيت وأقراصاً مدمجة لموسيقى سيرلانكية على مسافة بضعة أمتار من محل رينو. يعمل خلال الأسبوع في شركة تنظيف يتقاضى منها 200 دولار في الشهر تذهب 100 منها لتسديد إيجار سكنه بينما تكلّفه معاملات إقامته 1200 دولار سنوياً. يفرد بضاعته يوم الأحد علّه يكسب بعض المال الإضافي، فهو لم يقصد سيرلنكا منذ 12 سنة ويستخدم هذه المعلومة ليقارن بدوره أبناء جنسيته الذين يصرفون أموالهم في لبنان، مع السوريين الذين ينفقونها في سوريا.
    وكأنه صدى تأفّف اللبنانيين من العمالة السورية يتردد على ألسنتهم، يواجهون به ويستبقون بالدفاع والتبرير حتى لا يطالهم التأفف عينه. هو نوع من السلوك الاستباقي على رغم تأكيد جميع من تمت محادثتهم عدم تعرّضهم لمضايقات عنصرية من اللبنانيين في «واحتهم الآمنة» هذه.
    هو مكان يلتقي فيه الأصدقاء من دون مواعيد، يعودون لإنسانيتهم بعيداً من عملهم كالآلة في بيوت مستخدميهم. تتبرّج نساؤهم ويشعرن بأنوثتهن ليوم واحد في الأسبوع، تختال بعضهن سعيدة بأحمر الشفاه والقميص المكشوف عن الصدر، بينما تتمشى الأخريات، الأكبر سناً، بتحفّظ. شيفا الهندي يحتل ناصية الشارع يتحادث مع صديقه. يبحث في كولومبو عن الحب «لم أجدها بعد، لكنني آتي إلى هنا صباح كل أحد أتسوق وأتناول الغذاء بصحبة أصدقائي وأبحث عنها».
    حب الوطن له نصيبه أيضاً في هذا المكان. فسوزو السيرلانكي يقف مع ثلاثة من زملائه يجمعون التبرّعات لسيرلانكا «حرام سيرلانكا، 27 سنة حرب».
    أما الحب غير العذري، فتدل بعض الوجوه على وجوده لكنها لا تؤكده. رجال يبدون كقوادين يتمشّون يرصدون المارات وصوت لبناني يصدح من أمام «سام كافيه» يخاطب إحدى المارات الفيليبينيات: «شو؟ وير آر يو غوينغ ولي؟»، فتسلّم عليه من بعيد وتمضي، لكنه يتبعها.
    في كولومبو تشعر بكوزموبولية بيروت كما لا تشعر بها في مكان آخر. تتنوّع الجنسيات بتنوع الألوان الزاهية للأقمشة الآسيوية المعروضة في واجهات المحال وتختلط رائحة البهارات الهندية باللغات واللهجات المختلفة لتعود بيروت إلى ذاتها، مدينة العالم.



    ثقافة الغيتو ففي كولومبو يجتمع الهندي بالسيرلانكي والإثيوبي والفليبيني. لكنهم لا يجتمعون وحدهم. فالمصري أيضاً يجد في هذا المكان إلفة وفي هذا التنوّع مكاناً يستوعب اختلافه فيدسّ نفسه فيه.
    يأتون من جميع المناطق اللبنانية لقضاء يوم الأحد هنا. من طرابلس ومن صيدا يأتون. ومن عين الحلوة يأتون أيضاً. نسرين ذات السنوات السبع تحمل أختها قمر بين ذراعيها وتتسوّل. تقول إنها لبنانية لكن لهجتها تخونها. تقترب الأم وتشرح أنهم يأتون كل أحد من عين الحلوة لأنو الشارع «عجقة واللي فيه بيدفعوا».
    حالة الألفة والتضامن بين أبناء الطبقة الواحدة تشوبها حالة من الارتياب تفرضها ثقافة الفقر المسيطرة على هؤلاء. فالخوف من الآخر هو النتيجة الطبيعية للإحساس بالغربة والتهميش، وهو إحساس تزداد حدّته لدى النساء. يُرَيْن يمشين معاً، متلاصقات، تتأبط كل منهن ذراع الأخرى، تتضاحكن وتتمايلن، تنظرن بطرف العين إلى الشباب الذين يحتلون كراسي المقهى، لكنها نظرة سرعان ما تنطفئ. يرفضن التحدث إلى الغرباء، وخصوصاً إلى الصحافة. ليس تخوّفاً من «المستر» و«المدام» فحسب، لكنه خوف من التورّط في أي شيء خارج إطار هذا الشارع ــ الوطن الممتد من محال أيانيان حتى مطعم السجق: بيدوس.