جان عزيز


بعد إقرار «المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بلبنان»، المرتقب في مجلس الأمن، بقرار يصدر عنه تحت أحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، في الأسابيع القليلة المقبلة، وبعدما يتبيّن لجميع المعنيين بالقرار المذكور، أن صدوره لن يشكّل حدثاً حاسماً في الأوضاع اللبنانية الداخلية، في انتظار الأعوام المقبلة واللازمة لإنجاز المحكمة وعملها... بعد هذا القرار، سيكون لبنان برمّته أمام مواجهة استحقاق أوحد، هو انتخاب رئيس جديد للجمهورية.
الطرفان المعنيان بالموعد، استكملا عدّتهما لمقاربته: نبيه بري حدّد تاريخ الجلسة منذ الآن، وهو منذ اللحظة يحضّر مطرقته ليضرب بها معلناً بدء الجلسة في 25 أيلول، في حضور 86 نائباً على الأقل، أو ليعلن رفع الجلسة إلى موعد آخر، إن لم يتوافر هذا النصاب الدستوري. وسعد الدين الحريري أنجز اختيار رئيس جمهوريته، ليضمه ربما إلى الوفد المرافق له في جولاته الخارجية، مارونياً أول في عداد صحبه، تماماً كما هي حال الأرثوذوكسي الأول في الدولة راهناً. وبين بري والحريري، المرجّح أن يمرّ الوقت ثقيلاً بين 25 أيلول و23 تشرين الثاني، ليصير بعدها الفراغ سيّد الحضور الدستوري.
لكن السيناريو نفسه يرجّح أن يسبق موعد الفراغ، موعد آخر قبله بأقل من عشرة أيام، حيث يجتمع 70 نائباً في مكان ما، وبصيغة ما ينصّبون أحدهم رئيساً للجلسة، ثم أحداً آخر رئيساً لجمهورية افتراضية، بعد أن تطبّق «ستوري بورد» معدّة مسبقاً، وتقضي في سينوغرافيتها أن تمر صندوقة ما مرتين أمام الحضور، في مماثلة لدورتي اقتراع دستوريتين.
اللافت في السيناريو المطروح، أنه مكرّر، «مشاهَد سابقاً»، أو على الأقل، تمّ تصوّره مرة على الأقل في ما مضى من الأيام. كان ذلك تحديداً عشيّة 18 آب 1988. كان الجيش السوري آنذاك يسيطر على أكثر من ثلاثة أرباع الجغرافيا اللبنانية، وكانت ولاية رئيس الجمهورية تشارف على نهايتها، وكان الصراع عنيفاً بين فريق الرئيس، وبينه القوى المسيحية الأساسية، والفريق المعارض، ومن ضمنه القوى الإسلامية الأساسية المقابلة، سنّة وشيعة ودروزاً.
يومها، وفجأة قيل إن اتفاقاً تمّ بين دمشق والفريق الموالي لها، على ترشيح الرئيس الراحل سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية، وانتخابه. بدأت الاستعدادات للمعركة من الطرفين. وحدّد رئيس المجلس النيابي يومها، حسين الحسيني يوم الخميس 18 آب 1988، موعداً للجلسة. الفريق الداعم لترشيح فرنجية بدأ «بوانتاجه» لتأمين النصاب والانتخاب، والفريق المعارض راح يحصّن جبهته على قاعدة المقاطعة وتعطيل الجلسة عبر تطيير النصاب. بعد أعوام على الحدث، تردّدت همسات مفادها أن أهل القرار السوري، أو مَن كان ينوب عنهم في بيروت الواقعة تحت سلطة جيشهم، طلبوا من الحسيني إصدار «فتوى» ما لإمرار انتخاب فرنجية. رفض «السيد». أقصى ما فعله هو الأخذ باجتهاد سلفه كامل الأسعد، يوم 23 آب 1982، تاريخ انتخاب بشير الجميل رئيساً للجمهورية، أي احتساب نصاب الثلثين على قاعدة النواب الأحياء وحدهم، لا على قاعدة ثلثي النواب الذين يشكلون المجلس قانوناً يومها، أي 99 نائباً.
هكذا كان المجلس المفترضة دعوته إلى جلسة 18 آب 1988، يضم 76 نائباً فقط، في ظل وفاة 22 نائباً، وشغور مقعد النائب أمين الجميل، بعد انتخابه رئيساً قبل ستة أعوام، فكانت النتيجة أن النصاب الدستوري لانعقاد الجلسة، ولبدء أي دورة اقتراع، هو 51 نائباً فقط.
في اليوم المشهود، كان إجماع من جميع اللبنانيين، من كل الأطراف المحاربة والمتقاتلة والمتقاصفة، على أن المطلوب حضور 51 نائباً قبل الشروع في أي عمل انتخابي لما بقي يومها من مجلس 1972. من أمين الجميل إلى سمير جعجع، ومن سليمان فرنجية المرشح إلى حسين الحسيني المقرّر، لم يخرج صوت واحد يقول إن 39 نائباً، أي الأكثرية المطلقة، يمكنهم أن ينتخبوا رئيساً، ولا حتى سُمع حديث عن نصاب النواب الخمسين، على أساس الأكثرية المطلقة، قياساً إلى مجموع نواب المجلس قانوناً، أي 99 نائباً. 51 هو الرقم، هو النصاب. حتى «المحتل» السوري رضخ له، بعدما أصرّ حسين الحسيني، تماماً كما رضخ قبله بأعوام ستة المحتل الإسرائيلي، أمام إصرار كامل الأسعد وبشير الجميل وكل المعنيين.
ومن مفارقات ذلك «اليوم ــ العرف» المشهود تاريخياً، أن 38 نائباً حضروا فعلاً إلى الجلسة، وأن واشنطن علّقت على الحدث بلسان الناطقة باسم وزارة الخارجية فيليس أوكلي قائلة: «نأسف لعدم العثور حتى الآن على مرشح إجماع».
بعد ثلاثة أيام انتظر الجميع في الداخل والخارج موقف بكركي من الحدث، فخرج سيّد الصرح يوم الأحد في 21 آب 1988 ليكتفي بالقول الآتي جداً: «كيف نشرح هذا التهافت على الاسترئاس، كأن رئاسة البلاد أصبحت من سقط المتاع، يسعى إليها مَن لا يملك لها أي عدّة؟ وفي بلدان الناس لا يتطلع إليها إلاّ مَن رفعتهم مؤهلاتهم وخبرتهم الطويلة بالشأن العام ونظافة كفّهم، إلى ثقة مواطنيهم بهم، لما سلف أن أعطوه من مثل عال في الحياة الشخصية والعائلية والمهنية والاجتماعية والتجرّد والتعالي على الأرباح الخسيسة».
بعد 19 عاماً على «اليوم ــ العرف»، هل يقدم الحريري ومسيحيوه على ما أحجم عنه «احتلالان»؟ وهل يترحّم «أحدهم» على زمن الوصاية في زمن السيادة؟