إبراهيم الأمين


يستعد لبنان مجدداً لبلع النتائج الجديدة للفشل الإسرائيلي في الحرب الأخيرة على لبنان. لن تحتمل الطبقة السياسية الفاسدة، عندنا، نجاحاً إضافياً أو انتصاراً إضافياً للمقاومة. ولن يكون فؤاد السنيورة مسروراً لأن يسقط رئيس حكومة اسرائيل بتداعيات المواجهة القاسية مع «حزب الله»، وهو وإن كان لا يتمثل به إلا أنه مثل الآخرين من قادة 14 آذار لا يريدون لهذا الملف أن يفتح إلا على بند واحد وهو: كلفة الحرب على لبنان.
منذ توقف العمليات العدوانية منتصف آب الماضي. ظن السياسيون الموالون للولايات المتحدة عندنا، أن آثار الحرب ودمارها ستكفي لإخفاء معالم الانتصار تحتها. وأن آلام الناس يمكن أن تحجب هتافات النصر عند المقاومين وجمهورهم الذي توسع من جديد. وأخذت المقاومة من يومها بعداً وطنياً إضافياً لم يكن بحاجة الى الاختبار من جديد، وخجلاً من دماء المضحين تحت كذبة الإجماع الوطني. يومذاك كرّس جمهور القوى التي تمثّل المعارضة اليوم موقعه الى جانب المقاومة. فعل ذلك طوعاً وثقة برغم كل العزلة السياسية التي عمل عليها الفريق الآخر محلياً. وبرغم كل الغباء والتآمر الذي لحق النظام الرسمي العربي ومعه التغطية الدولية غير المسبوقة، وتورط قوى كانت حليفة وصديقة للبنان في الجريمة مثل فرنسا التي حاول رئيسها المنتهية ولايته جاك شيراك أن يقودها الى موقع العدو ويجعل من إدارته كحالة الإدارة الأميركية الأكثر عداءً لحقوق العرب في صراعهم في اسرائيل.
ومع أن جمهور المعارضة يمثل حتى حصول انتخابات نيابية جديدة غالبية الجمهور اللبناني، فإن بقية الجمهور لم يكن بعيداً عن المقاومة. ومهما ابتدع منظرو تيار «المستقبل» من المخبرين عند منسق الأجهزة الأمنية والغربية بندر بن سلطان، فإن جمهور سنة لبنان كان دوماً في قلب المقاومة، وليس بمقدور أحد أن يخلط بين موقف سياسي من قوى لها دورها في المقاومة والموقف من المقاومة نفسها. حيث لا يعقل أن يكون هناك من يدعم المقاومة ضد الإرهاب الأميركي في العراق وأفغانستان ويقف ضد مقاومي العنصرية الصهيونية في لبنان وفلسطين. وما قام به تيار العماد ميشال عون على الصعيد المسيحي، لم يكن يمثل انقلاباً في المفاهيم كما يعتقد جهابذة الأرز، بل كان تأكيداً على المراجعة المنطقية التي تقدم بها المسيحيون على غيرهم من الطوائف برفضهم ماضي الاتصال بالأجنبي الذي لا يريد للبنان خيراً. ثم هل يعقل أن يكون قادة وعناصر وانصار تيار قاوم على طريقته السيطرة السورية على لبنان طوال 15 عاماً، أن يكون رافضاً لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي أو الحرب الإسرائيلية على لبنان؟
على أي حال، فإن ما خلصت اليه المراجعة المعلنة للجنة التحقيق الاسرائيلية في إخفاقات الحرب على لبنان، قد يكون كافياً ليناقش الإسرائيليون سبل تجاوز هذه الأزمة، علماً أن المعضلة التي يواجهونها لا تتصل بعجز تقني فقط، بل بأمور أخرى ستظهر نتائجها في القريب أيضاً، لكنها ستفرض جدول أعمال مختلفاً عند حلفاء هذا العدو الشرس في كل أصقاع العالم. لكن هل صحيح أن في لبنان من سيتعلم الدرس ويتصرف على أساس مختلف؟
الصورة القائمة حتى الآن ستظل محصورة في الجمهور المباشر لحركة المقاومة الذي يحق له الاحتفال مجدداً بالانتصار. كما أن الفريق السياسي الذي تحمّل كلفة المواجهة على اختلافها سيكون في موقع المستفيد او القادر على الاستفادة من الهزة السياسية الجديدة في اسرائيل. إلا أن الفريق الآخر، أي فريق 14 آذار، سيكون أمام خيارين، إما المكابرة والإقدام على سلوك سياسي أو غير سياسي يؤدي عملياً الى مساعدة اسرائيل على تجاوز أزمتها، وإما الإقرار بأن ما يجب الإقدام عليه في المرحلة المقبلة يجب أن يأخذ في الاعتبار أن الجبهة التي تقودها الولايات المتحدة وفرنسا جاك شيراك أصيبت بنكسة كبيرة في لبنان، وأن إسرائيل تواجه أزمة من النوع الذي يحتاج الى سنوات طويلة لتجاوزه.
ومناسبة الحديث هو المعلومات التي توافرت لدى أوساط دبلوماسية غربية عن أن المراجعة الفعلية لإسرائيل باشرتها قيادة الجيش مباشرة بعد توقف العدوان، وأن رئيس الأركان الجديد غابي اشكنازي بمساعدة أميركية مباشرة يعمل على إعادة هيكلة القوة النارية والقتالية للجيش الإسرائيلي وذلك بهدف استعادة الثقة بالنفس تحسباً لمواجهة مقبلة، سواء ما قد يحصل في اي وقت مع الفلسطينيين، أو خطر نشوب مواجهة مع سوريا، أو الاقتراب من مواجهة جديدة مع المقاومة في لبنان. علماً بأن المتابعين لآليات عمل جيش العدو يشيرون الى حاجته الإلزامية إلى فترة من الوقت وإلى برامج عمل مختلفة عن السابق، ويعتقدون بأنه غير جاهز الآن للدخول في مواجهة جديدة.
لكن المهم بالنسبة إلى قادة العدو، هو أنه ينبغي عدم تضييع أي وقت دون استثماره في جانبين، الأول داخلي ويتعلق بإعادة التجهيز والاستعداد للحرب، والثاني بمتابعة العدو وإنهاكه. وفي الجانب الأول هناك دور خالص لإسرائيل ودعم تقني وأمني من جانب أميركا ودول غربية، أما الجانب الآخر فهو يستند الى تغطية أميركية وغربية لعمل تقوم به دول عربية وقوى لبنانية يهدف الى محاصرة سوريا والى الضغط على المقاومة ومنعها من استعادة جهوزية كاملة سياسياً وأمنياً وعسكرياً تحسباً لمواجهة جديدة. وهو الأمر الذي تورطت فيه – مع الأسف – جهات عربية بارزة من بينها الأردن وجهات غربية بارزة من بينها الفرنسيون، الأمر الذي ينعكس خطورة على العلاقات مع هاتين الدولتين، علماً بأن الغباء هو الذي يسكن بعض موظفي الأمم المتحدة في لبنان.
إلّا أن المقاومة لا تقف مكتوفة الأيدي إزاء ما يحصل، فهي أنجزت ما يجب أن تقوم به من مراجعة سياسية وامنية وعسكرية، وباشرت منذ الساعات الأولى لتوقف العمليات الحربية إعداد خطة عمل جديدة تواكب كل ما يحصل سياسياً واقتصادياً وأمنياً وعسكرياً. وهي اليوم في موقع متقدم من كل النواحي، حتى إنه يمكن القول إن المقاومة أعادت تجهيز نفسها في ستة شهور ما كانت احتاجت الى تنفيذه في ستة أعوام بعد تحرير عام 2000. إلّا أن هذه المقاومة تدرك أن الأمر لا يتعلق فقط باستعداد عملياتي بل بدور سياسي متقدم داخلياً لأن المعادلة التي قامت خلال فترة الوجود السوري سقطت، وبات التغير الداخلي أمراً ملازماً للتحرير.