وفاء عواد


يسجّل النائب السابق فارس سعيد في «سجّل 14 آذار» تحقيق انتصارين على جدول الأعمال السياسية: المحكمة التي «ستقرّ حتماً في مجلس الأمن»، والحكومة «صاحبة الصدقية، لبنانياً وعربياً ودولياً»، مستشرفاً «حتمية» تحقيق الانتصار الثالث في أيلول المقبل: الاستحقاق الرئاسي وتثبيت الرئيس، شرط عدم الخوف من «الهوبَرة»، مع تحذيره من المرحلة الآنية «الصعبة» التي «لن تشهد حرباً أهلية»


بطريقته الجريئة والمباشرة، فنّد أحد واضعي «وثيقة 14 آذار» مواقفه من أهم المسائل السياسية التي تمثّل منافذ الخلاف العاصف بلبنان، الى حدّ الذهاب بالحلول الى أقصاها، كاشفاً عن وجود مبادرة جديدة سيشارك في إطلاقها قريباً، بالاشتراك مع زميليه في إطلاق المبادرات النائبين سمير فرنجية والياس عطا الله: حثّ فريق 14 آذار، بكل تلويناته السياسية، على المبادرة باتجاه «طرح مشروع سياسي موحّد، وبرنامج مشترك بورقة سياسية جامعة تمدّ اليد الى الطرف الآخر، من أجل تثبيت نظرية الحياد النسبي والمحسوم بين تعقيدات الداخل والخارج».
ويلخّص سعيد، في حديث لـ«الأخبار»، عناوين المبادرة الجديدة وفق الآتي: «الاعتراف باتفاق الطائف كنصّ مرجعي أمام النزاع اللبناني ــــ اللبناني/ نظرة فريق 14 آذار الى الصراع العربي ــــ الإسرائيلي والى ما يسمّى «الإرهاب» الإسلامي (السنّي والشيعي) والى النظام العربي الذي هو اليوم قيد التدويل مع استعادته النشوة ودخول الدبلوماسية العربية مسرح فلسطين ولبنان من جديد وإعلان الرياض/ نظرة 14 آذار إلى قرارات الشرعية الدولية/ وكيفية إطلالة هذا الفريق على العالم العربي».
وانطلاقاً من إيمانه بفكرة 14 آذار السياسية التي «لم تأت من فراغ، بل نتيجة تراكم سياسي بدأ مع نداء مجلس المطارنة الموارنة عام 2000 الذي طالب بإخراج الجيش السوري من لبنان، ومع لقاء قرنة شهوان الذي دعا الى حوار وطني جامع حول الثوابت، أي تنفيذ اتفاق الطائف وإقامة علاقات طبيعية مع الجانب السوري»، لا يتردّد أحد أبرز رموز «قرنة شهوان»، سابقاً، في تقديم «جردة» حساب تقويمية لأداء الفريق الذي يعمل في إطاره وممن ساهموا في تأسيسه في مرحلة سابقة: «نحن فريق سياسي يسعى الى انتقال لبنان من مرحلة الى أخرى، بعيداً عن العمل الجبهوي. لسنا فريقاً ممتازاً، عندنا أخطاء وعندنا حسنات كثيرة. ساهمنا بانتقال لبنان من مرحلة الى أخرى».
ومن استعراض الأداء السياسي العام لـ «14 آذار»، يتطرّق سعيد الى مكونات هذا الفريق، في ظل الصعوبة التي رافقت ضروريات تعرّف البعض على البعض الآخر، التي استلزمت عاماً كاملاً، ليخلص الى استنتاج يفيد أن التعامل مع النائب سعد الحريري «الصلب والواضح في المواقف السياسية، ولا سيما في شأن العلاقات مع سوريا، والمواجهة السياسية المفروضة في لبنان» ليس كالتعامل مع والده الشهيد رفيق الحريري الذي «كان استثنائياً كرجل، ومتردّداً في السياسة، وميّالاً الى تدوير الزوايا مع جميع الأفرقاء».
وفي عملية استذكار للماضي، يشير الى أن «سمير جعجع تمّت محاصرته في دير القمر 52 يوماً بمواجهة وليد جنبلاط»، وهما اليوم «يتمتعان بلغة سياسية واحدة». أما السنّة فـ«كانوا يقولون بارتباط المسلمين بالثورة الفلسطينية. واليوم، يقولون: لبنان أولاً»، ليجزم بأن التمايزات السياسية داخل 14 آذار «ألغيت الى غير رجعة».
تنظيمياً، ينفي سعيد ما يشاع ويذاع عن طغيان أحزاب 14 آذار على حركة المستقلّين، وهو واحد منهم، إذ إن هذه الأحزاب «لم تأت الى داخل 14 آذار بأفكارها السياسية الحزبية، بل أضافت الى هذا الفريق حالة سياسية تنظيمية، أكثر مما هي فكرية»، وحضور المستقلّين «لا يقلّ أهمية عن حضور أي فريق سياسي، حتى لو كان حزبياً»، معتبراً أن «قدرة 14 آذار وقوتها تكمنان في كونها ألغت مفهوم اليمين ــ اليسار التقليدي داخل تركيبتها، لصالح الهوية اللبنانية، استناداً الى تجارب الجميع».
وفي هذا الإطار، يشير سعيد الى أن دوره كمستقلّ ضمن هذا الفريق «دور جامع»، لافتاً الى أنه لا يوافق دوماً على كل القرارات التي تتخذ بشكل جماعي داخل هذا الفريق: «أنا أنتقد عندما يجب أن أنتقد، وأوافق عندما يجب أن أوافق. كنت مختلفاً معهم عندما ارتضوا اختزال المجلس النيابي بطاولة الحوار مع 14 شخصية، في آذار 2006. وبالتالي، هم يحملون، بقدر ما يحمل الرئيس نبيه بري، مسؤولية إقفال المجلس النيابي أمام الحياة التشريعية في لبنان. ثم اختلفت معهم عندما ارتضوا اختزال الـ14 شخصية بشخصيتين، في آذار 2007»، إضافة الى خلافاته مع هذا الفريق حيال العديد من المواضيع، ومنها: «التعاطي مع المبادرة العربية التي أطلقها الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى أواخر الـ2006، والعلاقة بالأطراف الأخرى».
«أبو مازن الفلسطيني، المعارضة السورية، عبد الله الأردني، عبد الله السعودي، ومصر» يضعهم سعيد في خانة 14 آذار، في مقابل خانة المعارضة التي تضمّ «اسماعيل هنية، والمحاكم الإسلامية في الصومال»، ليطلّ على إمكان طرح جديد يقضي بـ «إعادة فرز العالم العربي على قاعدة الواقع اللبناني والجدل السياسي القائم فيه»، إذ إنه، رغم «تعتير» اللبنانيين، «عاد لبنان ليمثّل نقطة استقطاب ثقافية وسياسية في العالم العربي»، مقترحاً تعميم فكرة «بدنا نعيش» في سائر هذا العالم، بعيداً عن «ترسيمات الداخل العقيمة».
وفي إطار العروبة «الخيار الثقافي لدى اللبنانيين، وخصوصاً المسيحيين منهم»، يرى سعيد أنها حالياً «متصالحة مع الهوية اللبنانية: هي داعمة للـ1701، مطالبة بترسيم الحدود مع سوريا، مساندة لفكرة لبنان السيّد الحرّ المستقلّ»، داعياً فريق 14 آذار الى «المساهمة في تطوير هذا النمط من العروبة الذي لا يلغي سيادة لبنان واستقلاله».
لا ينكر سعيد أن ثمة تضعضعاً في الساحة المسيحية يجعل من الصعب القيام بأي تحرك جدي لملاقاة الأخطار التي تواجه المنطقة ولبنان، وخصوصاً أن ثمة عاملاً أساسياً يتحكّم غريزياً في القادة المسيحيين، وهو كرسي رئاسة الجمهورية، الأمر الذي يجعل من الصعب عليهم أن ينحوا في اتجاه عمل سياسي فاعل يكون في حجم التحديات، بدل التلهي بالخلافات التقليدية وتكريس مرجعية الزعامات التقليدية والحديثة.
وحسب رأيه، فإن من أهم أسباب هذا التضعضع انقسام الساحة المسيحية بين فريقين: «الأول، يتمثل بأتباع النائب ميشال عون الذين قالوا 3 جمل: سوريا خرجت من لبنان، انتهت معركتنا معها وأصبحت في مواجهة الإسلام اللبناني من أجل تحديد حصة المسيحيين في عملية بناء الدولة/ حرب إسلام بإسلام، لا علاقة لنا ويجب أن نكون حياديين (قالوها بالهمس لا بالعلن)/ واليوم، بدأوا يقولون: أين نحن في المعادلة؟.. والثاني، دخل في مزايدات عون، وبدأ يطالب، مثلاً، بحصّة في إطفائية بيروت. وذلك، تبعاً لمزاج عام مسيحي تحكّم فيه عامل الخوف من التقابل الإسلامي ــــ الإسلامي، وليس أدلّ على حالة هذا الفريق سوى تذكّر كلمات أغنية بندلي: بحرب الكبار، شو ذنب الطفولة».
وفي هذا الصدد، يجدّد سعيد رفع الصوت عالياً حيال واقع المسيحيين «الضائعين في دهاليز المسرح السياسي، منذ عام 1982، ما أحال دورهم جزئياً، بعد أن فقدوا صدقيتهم السياسية لدى الدوائر الغربية والعربية ودخلوا في انتفاضات متتالية».
وإذ رأى أن المسيحيين «يستعيدون، اليوم، لملمة أطرافهم داخل فريق وطني مسلم ــ مسيحي، اسمه فريق 14 آذار»، طرح رؤيته لحلّ هذا الواقع بقوله: «علينا أن نخرج من منطق تبسيط الأمور، وأن نعي أننا في أزمة حقيقية في هذا الشرق. وإذا لم نجد لأنفسنا دوراً ما، فلا إمكان لعودتنا الى المسرح السياسي، لمدة لا تقلّ عن 100 عام»، مشيراً الى ضرورة «أن يدخل الوسط المسيحي في ورشة تفكير، بعيداً عن ردّات الفعل. من أجل التفاعل مع الحالة الإسلامية في لبنان، والانفتاح على العالم العربي».
وفي شأن استحقاق رئاسة الجمهورية «المفصل الأهم» في الساحة السياسية، يصرّ سعيد على أن يكون رئيس الجمهورية الجديد من «رحم انتفاضة الاستقلال» أي من ضمن تجمّع فريق 14 آذار، محدّداً مواصفات الرئيس المسيحي الوحيد في العالمين العربي والإسلامي وفق العناوين الآتية: «اعتبار اتفاق الطائف النصّ المرجعي لبناء الدولة/ تسوية الأوضاع اللبنانية ــــ السورية، على قاعدة العلاقات الدبلوماسية/ أن يكون جزءاً لا يتجزّأ من نظام عربي جديد، له نظرة مشتركة مع سائر العرب، بمن فيهم سوريا، إلى مواضيع العراق والصراع مع إسرائيل ومصالحة العرب مع الغير».
وانطلاقاً من إيمانه بأن «العرس أهمّ من العريس»، إذ إن المعركة الآنية هي حول «تثبيت موعد الانتخابات وإجرائها»، يستشرف سعيد ما يمكن أن يحصل في 25 أيلول (موعد الاستحقاق) بالقول: «سيجلس الرئيس نبيه برّي في مكتبه، يحصي النواب ويقول: لم يتوافر الثلثان بعد. وسيبقى على هذه الحال حتى آخر 10 أيام من نهاية الولاية الدستورية لرئيس الجمهورية الحالي، الى أن يجتمع المجلس وينتخب رئيساً من 14 آذار، من دون أي أزمة رئاسية أو مشاكل انتقالية».
وفي شأن الأسماء المتداولة للرئاسة، يشير سعيد الى أنه شخصياً و«صديقَيّ» النائبين فرنجية وعطا الله ليسوا مرشّحين، و«من هون ورايح، يعملوا اللي بدن ياه».
ويختم سعيد كلامه بإعلان ترشّحه للانتخابات النيابية «غير المبكرة»، تاركاً أمر نجاحه فيها لرأي الناس، مع إصراره على استذكار ما حصل في 12 حزيران 2005 حين مني بالهزيمة في الانتخابات: «خضعت لعملية محاسبة ديموقراطية، لأنهم حمّلوني مسؤولية التحالف الرباعي مع حزب الله».