ربى أبو عمّو


عقود طويلة من النضال خاضها العمال اللبنانيون منذ تحرّكهم الأوّل المطالب بزيادة الأجور عام 1920 مروراً بإضراب عام 1944 والتظاهرات التاريخية لمزارعي التبغ في النبطية والصيادين في صيدا وعمّال معمل غندور منتصف السبعينيات. لكن من يستمع إلى شكاويهم اليوم لا يمكنه إلا أن يسأل عمّا حققته تلك النضالات في ظلّ استمرار الوضع على حاله

احتفل عمّال لبنان بعيدهم للمرة الأولى عام 1907، أما الاحتفال الأول الذي اتخذ بعداً مطلبياً وأسس لحركة نضال العمّال من أجل نيل حقوقهم فكان في 1 أيار 1925 بعد أشهر من تأسيس الحزب الشيوعي اللبناني. يومها دعا الحزب جماهير العمال والنقابات للإضراب عن العمل وإحياء المناسبة في سينما كريستال، وأُطلقت مطالب العمال بتحديد العمل بـ8 ساعات، والمطالبة بحد أدنى كافٍ لمعيشة العامل، وسنّ نظام يحميه ويؤمنه وعائلته عند الحوادث، ومنع العمل الليلي، وإحياء المشاريع الاقتصادية.
عقود طويلة مرّت على هذا التاريخ، سطّر خلالها العمّال العديد من النضالات وأرّخوا بدمائهم لحظات لا تنسى من التاريخ الحديث للبنان، لنصل اليوم إلى سماع الشكاوى نفسها... الفارق الوحيد بين الأمس واليوم هو تراجع الحركة النقابية في العالم، ووقوفها على حافة الانهيار في لبنان.

انهيار الحركة النقابية

يقول رئيس الاتحاد اللبناني للنقابات العمالية جورج علم: «لقد جعلوا من الحركة النقابية حفرة من الأوساخ». علم الذي لا ينجح في إخفاء انفعاله وحسرته على ما آل إليه وضع الحركة النقابية يشرح: «منذ عام 1996، بدأ التراجع مع هيمنة التيارات السياسية على مفاصل الاتحاد العمالي العام، ما أدى الى انقسامهولكن ما هي حقوق العمال المهدورة اليوم؟ لا تحتاج معرفة الجواب الى حكّ الرأس مطوّلاً، في ظل غياب الحقوق الأساسية. يعطي رئيس الاتحاد العمالي العام غسان غصن الفكرة الأساس: «حق العامل بالعمل اللائق»، وهو يشمل «الأجر الجيد الذي يتخطى الحد الأدنى، الضمان الاجتماعي، حقه في النقل، السكن... لتوفير الاستقرار الاجتماعي».
ويضيف مسؤول الأنشطة العالمية ومنسق الحوار الاجتماعي في منظمة العمل الدولية وليد حمدان إلى ما تقدّم: «حق التكوين النقابي لموظفي القطاع الحكومي والعام، وهذا فارق أساسي لمصلحة التشريعات الدولية التي تكفل هذه الحقوق».
يعتبر حمدان أن الحركة النقابية تحتاج إلى «إعادة هيكلتها كي تستعيد دورها الغائب». ويعيد أسباب التراجع الى «انهيار المعسكر الشيوعي، وتفريغ الحركة النقابية من محتوياتها الأساسية، وهيمنة القوى السياسية على قراراتها في ظلّ تقاسم الجهات الحزبية للقطاعات النقابية».
تلجأ الحكومة، كي تتمكن من تمرير سياساتها الليبرالية إلى إضعاف الحركة العمالية، والهيمنة على القرار النقابي، بهدف القضاء على استقلاليته. وتؤدي الهيمنة بطبيعة الحال الى تفتيت العمل النقابي الجماعي، لذلك تتبع الحكومة سياسة منح التراخيص للنقابات التي «وصل عددها الى حوالى 600 نقابة، العدد غير الموجود في الصين»، كما يعلّق جورج علم. وفي ما يتعلق بالمشاكل العضوية للنقابات، تبدو المشكلة الأبرز في عدم قابلية النقابة بهياكلها الحالية لتمثيل كل الناس، ما يؤدي إلى إبعادهم عن صنع القرار. ويلفت حمدان إلى أن «الحرية لا تكمن في حرية التعبير بل في صنع السياسات العامة، وحق ممارسة المواطنة، فالدستور لا يجب أن يكون من صنع الحكومات، بل النقابات». ويتضمن الحل في رأيه «إعادة بلورة الإطار القانوني، عبر صياغة قانون نقابات واسع المعالم، لتستعيد الحركة النقابية دورها مجدداً في الدفاع عن حقوق العمال والتأثير في سياسات الدولةلا تشكل الاستعانة بعدد العمال الذين يشاركون اليوم بالتظاهرات العمالية أساساً لتحديد ثقة العمال بدور النقابات بحسب غسان غصن: «يتحسّب العمّال من لجوء أصحاب العمل الى حسم رواتبهم إذا تغيبوا في النهار الذي يتقرر فيه الإضراب، حرصاً على توفير لقمة العيش لعائلتهم»، موضحاً أن «الظروف الاقتصادية الجيدة تجعل العاملين أكثر قوة في فرض بعض الشروط على أصحاب العمل، بتهديدهم باللجوء الى الإضراب، لأن صاحب العمل سيدرك أن الدقيقة الواحدة ستؤثر سلباً في الإنتاج. إلا أنه في ظل الوضع الاقتصادي المتدهور، تبقى الأرجحية لصاحب العمل».

صرف تعسّفي وجهل للحقوق

وفي ظل هذا الوضع، تبقى مشاكل العمّال فردية، منها الصرف التعسفي وخصوصاً بعد حرب تموز. وعبير ياسين، واحدة من ضحاياه بعدما فقدت وظيفتها في فندق «فينيسيا» بسبب استغلال أصحاب العمل تداعيات حرب تموز الاقتصادية، لتبرير استغنائهم عن 300 موظف في المرحلة الأولى، وتلاها المزيد.
عندما هدأت الأوضاع، قابلت عبير إدارة الأوتيل، وحاولت الاستفسار عن القرار، والعودة الى العمل، وخصوصاً أن عمر وظيفتها من عمر افتتاح الفندق. اكتفت المؤسسة بتهديدها بجيش من المحامين إذا لجأت الى تقديم شكوى بسبب حصولها فقط على تعويض الصرف التعسفي عن ثلاثة أشهر فقط، بدلاً من 18 شهراً.
تقدمت عبير بشكوى جماعية مع زملائها، فلم يحدث فيها أي تقدم، وهي مستمرة اليوم بالشكوى الفردية. وقد حاولت المؤسسة التفاوض معها في إعطائها شهراً إضافياً، إلا أنها رفضت. وتكمن المفارقة الحقيقية في إقدام المؤسسة على تعيين موظفين جدد، بعقود عمل تمتد على ستة أشهر، قابلة للتجديد.
من المشاكل الأخرى جهل القسم الأكبر من العمال حقوقهم التي يتوجب على مؤسساتهم توفيرها لهم، ومنها التسجيل في الضمان الاجتماعي وتجاوز الراتب الحد الأدنى للأجور. بالنسبة إلى زميلة تعمل في الصحافة، بعدما قدمت استقالتها، لم يتعدّ تعويضها راتب شهر في مؤسسة أخرى انتقلت إليها. هي لم تكن جريئة بالقدر الكافي للمطالبة بزيادة راتبها، أو حقها في أن تكون مضمونة. وينبع خوفها من الترهيب الذي تمارسه أغلب المؤسسات أو التخدير، حيث لا بديل. إلا أن أكثر ما يضايقها اليوم، هو اعتماد المؤسسة الأخرى التي انتقلت إليها، على تحديد راتبها بالمقارنة مع راتبها السابق من دون النظر الى سني الخبرة أو تصنيفها وفقاً لكفاءتها.
في ظلّ هذا الواقع، يبقى السؤال الأبرز الذي يتبادر الى الذهن: على من تقع المسؤولية في تحصيل حقوق العمال؟ يحمّل غسان غصن الدولة بشكل أساسي مسؤولية تطبيق القوانين «التي وجدت بشكل أساسي لمصلحة العامل، أو الحلقة الأضعف في مواجهة أصحاب السلطة والمال».




تداعيات حرب تموز ويوضح أن الدولة طولبت بإنشاء صندوق للتعويضات على خلفية مساعدات «ستوكهولم»، الذي حصلت فيه الدولة على نحو 700 مليون دولار أميركي لدعم المصانع المتضررة نتيجة حرب تموز، وتتضمن إمداد المصانع بالآلات اللازمة، اضافة الى توفير كل الحيثيات المحيطة. يقول غصن: «طالبنا الحكومة بإنشاء صندوق لدعم العمال المتضررين أيضاً من الحرب، إلا أنها رفضت بحث الأمر بشكل قاطع، وذلك حتى ضمن اقتراح رفعناه الى وزارة العمل لترفعه بدورها الى الحكومة». ويخلص غصن الى أن «الدولة مشغولة بأمور أخرى، واضعة الشأن الاجتماعي في آخر اهتماماتها، إذ لم نر أي اهتمام من قبلها بمشاكل المواطنين أصحاب الدخل المحدود، والأجَراء والمستخدمين الذين يشكلون الشريحة الأوسع».




ماذا عن صحة عمّال البناء؟

سبقت 1 أيار، مناسبة أخرى وحديثة نسبياً بتاريخ 28 من الشهر الفائت، وهي «اليوم العالمي للصحة والسلامة المهنية». هي مناسبة يعيرها الأمين العام للاتحاد الوطني للنقابات العمالية ورئيس نقابة عمال البناء كاسترو عبد الله أهمية كبرى لأنه لا يوجد اكتراث لمعاناة عمال البناء الذين يتعرضون للاستغلال، بسبب إمكانيات وزارة العمل المحدودة. يوضح: «لا يوجد أجهزة قياس للضجيج والغبار والأصوات والغازات التي تؤثر سلباً في صحة العامل، وإن الأطباء المتوافرين يفتقرون الى الأجهزة والمعدات». ويتابع عبد الله سرده سلسلة الإهمال المتعلقة بورش البناء (الرافعات، السقالات، الممرات، أجهزة الإضاءة والإنذار، الإسعافات الأولية وغيرها)، واضطرار البعض الى العمل في طوابق تحت الأرض، وتحمّل الرطوبة، أو الخضوع لعوامل طبيعية، كحرارة الشمس على سبيل المثال.
ويلفت عبد الله إلى وجود تواطؤ من بعض شركات التأمين ضد العمال، «تلجأ المؤسسات التي تضم 50 موظفاً على سبيل المثال، الى تأمين خمسة أشخاص من دون تحديد الأسماء في انتظار الضحية الأولى لإعطائه ورقة باسمه، أي إن التأمين لا يسري على الجميع مسبقاً». ويذكّر بالمادة 9 من قانون الضمان الاجتماعي، التي لم تحرم عمال البناءِ الضمانَ «إلا أن السرقة والتلاعب والتذاكي على القانون، يحرم عمال البناء هذا الحق. إذ تتعاطى الشركات مع المادة على أساس غياب مراسيم تنفيذية يجب صدورها عن مجلس الوزراء». ويرى ان «قطاع البناء يساهم في إدخال الأموال إلى الضمان الاجتماعي، لكن المشكلة الأساسية تنبثق من السلطة السياسية التي تشكل بغالبيتها نسبة 80% من المقاولين، وتتعاطى التجارة بشكل مباشر وفق مصالحها».