أنسي الحاج


على افتراض خُلِقَت المرأة قبل الرجل؟ تصبح هي المَرْجع.
ويكون الرجل أوجِدَ في ما بعد، ربّما لإخصابها وربّما لغاية أخرى. خُلِقت هي للجمال وخُلِق هو للفائدة. يصبح هو الملحَق.
الهدف من هذا الهَذْر هو القول إن المرأة أكثر غموضاً لأنّها، ربّما، جاءت أوّلاً. الروّاد يَلْبسون الأساطير.

... ولا يقلّل من أهمّيتها أن تكون الثانية بعد آدم. هي الأولى في النساء. لم يكن هناك أنثى قبلها في الكون. السماء ذكور...

ستظلّين في منتصف الطريق بين النشوة والغمّ إلى أن يعوّمكِ فيض الضياع. لا طلوع الضوء بل طلوع الميت من الحيّ. لن تعثري على كنوز مغاوركِ في نهاية الحكاية. ستمرّ مياه الحكاية فوق أحجارك الكريمة دون أن تريها. سوف يراها الآخرون قَبْلكِ.

مُدْمن من نوع آخر ذلك الذي يستعجل الخلاص من ضغط رغبته: مدمنُ إعادة. مدمنُ وَضْعِ إغرائه على المحكّ...

حين ينتهي الممثّل من أداء دوره ينتابه دُوار الخواء. يُفْرَغ من جهد أن يكون آخر.
حال كثيرين من غير الممثلين. بعضهم، في آخر النهار، يتهالك على سريره مُنْهَكاً من الكذب. لا يسمّونه هكذا في الحياة بل أسماء «إيجابيّة». ولا بأس بالكَذِبَين.
العودة إلى الأصالة هي أحياناً عقاب. غير محسوم أيّهما أرقى للمرء: أن يُمثّل أو أن يكون على سجيّته. سجايا كثيرة عُرْيُها مخيف.

قد يكره قارئٌ هجاءً لكنّه سيخشى الهجّاء. بعضهم لا يريد غير أن يوحي الخوف. ثمّة رجل يُفضّل أن يُخشى حتى الكراهية على أن يُحَبّ: «الذي يخشاني يطيعني، يقول. الآخر مَضْيَعة للوقت».
المديح يحبّه الممدوح. أو الذائب في الممدوح. إن لم يكن ذائباً فسيغار. لا يُقْبَل البخور إلّا للنفس أو لحِجابها.

يزداد نجاح الفيلم السينمائي بنسبة جَهْل صانعه لأهميّته. الفيلم أكثر من الموسيقى ارتباطاً بالطفولة ــــــ طفولة لا تعرف شيئاً عن سذاجتها. الرسم ليس شيئاً حيال هذا الإنجاز الهجين الكامل الذي كلّما نأى عن التعريفات المعروفة للفن ازداد حظ التعريف به «اقتراباً». فهو شيء ما زال قيد الاختراع، كما كان يفترض في كل الفنون أن تظلّ.

صانعو الأحداث يختفون في ظلالها. ناس يخلقون مراحل وأشخاصاً ثم يغيبون فيأخذون الرواية معهم. كم يجب أن يكون المتذكّر ــــــ تدويناً أو شفهيّاً ــــــ ناصع الوجدان حتّى تأتي ذكرياته وافية وصادقة! معظم المتذكّرين صانعون ثانويّون. الرئيسيّون ينامون على الحقائق. هل كانوا أساساً لا يتوقّفون عند التفاصيل؟ هل كانت ذاكرتهم تحصر عملها في اللحظة، في المستقبل، تيّاهة فوق الذات، تنسى ما تُنجز حال إنجازه لتندفع إلى مسافة أخرى؟ أهو الحلم يَسْكن صاحبه فيخطفه، أم زهد عميق بـ«الأمجاد» يحمل صاحبه على توليد من يشتهونها، ليتفرّج على المشهد بعطف أبوي واستهتار ملائكي؟

شهود يكتمون الشهادة.
ليست رواية الرواية ما يهمّهم بل الرواية. فَرْقَعة الوقت. إضرام القبابيل فوق الجبال الوعرة. مهرجان من هنا، دار نشر من هناك، مجلة، مسرحيّة، أغنية، جامعة، سجال. أتذكّر، مرّة أخرى، سعاد نجّار بعد جانين ربيز بعد سلوى السعيد. نساء كتبنَ حياة. وأتذكّر فؤاد حبيش، فؤاد أفرام البستاني، يوسف إبراهيم يزبك، ميشال أسمر، فؤاد حدّاد، يوسف الخال، فؤاد كنعان. شارل مالك، سعيد تقي الدين، مارون عبود، الياس أبو شبكة. زكي ناصيف، عاصي الرحباني، فيلمون وهبة.ميشال شيحا، شارل قرم، جورج شحادة، ناديا تويني. وغيرهم في القامات المحجَّبة.
أكثر العارفين هؤلاء، المبكِّلون أزرار ذاكراتهم ضدّ تطفّل الريح، يُغلقونها مثل النوافذ المحكمة، فلا تهتزّ الصور المعلّقة على أساطيرها.

عرفتُ العديد من هؤلاء. بينهم من كان يوحي عدم تَهيُّب الموت. بعضهم استفزّ الموت استفزازاً، مثل فؤاد حداد أو سعيد تقي الدين. مثل فؤاد حبيش الذي كان يصاب بالنوبات القلبيّة في شكل دوري وكأنها نوبات ضحك. عاصي الرحباني كان يشتغل مثل عشرة ولا يتوقّف عن التدخين ويظل رأسه يُشارع وهو نائم. بول غيراغوسيان، ميشال بصبوص، رفيق شرف، منير نجم، ميشال المير، مَن من هؤلاء أخافه مرض أو رَدّه خطر؟ لم يدَعوا الغبار يتراكم على خزائنهم. كانوا يُفرغونها كلّما انعجقتْ. أكلوا السيجارة قبل أن تأكلهم. لم يعيشوا لذكرياتهم بل لذكرياتنا. الواحد من هؤلاء لا يُحضّر درسه ولا يتأبّط حقائب ادّخار. الشُهُب لا تُهيّء مراسم مرورها.
وربما لم يكتبوا ذكرياتهم حتّى لا يدفنوها.

خبز الفقاقيع المتطاير من التقبيل، أريج سكّر نبات الأظافر، بَشَرةُ يوم أحد القفّاز، موشّح المَشْلَح، دِقّة غَزَل الرغبة المنزَّهة عن الحبّ...

لسنا نحن من لا يملّ الحياة، بل الحياة.

كم من نظرات تُناشد عطفكَ فتظنّ أنها تمنحكَ إيّاه!

عشقُ الباردات ليس بارداً فجمرهنّ لا ينطفئ. يلاحقك بعد الوصال بعينيه الناطقتين، في صمتٍ مُوْقِع. أحرى أن نقول: الهادئات. أحرى أن نستعمل صيغة المفرد، فالواحدة منهنّ غفيرة، على النقيض من الجيّاشة الصاخبة، فالجموح يُبَعْثرها.

يُشبَّه للمرء أنه يُحبّ، لا يُشبَّه له أنه توقّف عن الحب. حتى في اليقين الحبّ تغشاه الريبة ويظلّ معروضاً للسهم.