عبدو سعد (*)


الدائــــرة الكبــــرى تنتــــج توازنــــاً حتميــــاً بيــــن الطوائــــف الأكثريــــة والأقليــــة

ليس سراً أن الهاجس الديموغرافي أكثر ما يؤرّق القيادات المسيحية، وفي مقدمها بكركي، في مسألة قانون الانتخابات. هذا الهاجس، في لغة الواقع، هو تعبير عن تناقص عدد اللبنانيين المسيحيين المقيمين بالمقارنة مع مواطنيهم المسلمين، وانعكاس ذلك على التصويت في العملية الانتخابية ونتائجها. وفي هذا المجال، ينسب إلى البطريرك صفير موقف مفاده أنه يريد أن ينتخب المسيحيون نوابهم، لا أن يأتوا إلى مجلس النواب بأصوات الناخبين المسلمين.
ما تسعى إليه هذه الدراسة هو البرهان على أمرين: الأول، أن الهاجس الديموغرافي (العددي) نفسي بالدرجة الأولى، والثاني أن في الإمكان معالجة هذا الهاجس، أيّاً تكن طبيعته وتأثيره، بواسطة نظام الاقتراع النسبي.
لا شك في أن قوانين الانتخابات المتعاقبة في فترة ما بعد الحرب فاقمت هذه الهواجس، إذ لم يختر المسيحيون بأصواتهم أكثر من 29 في المئة من نوابهم، ونتيجة لذلك يطالبون بتغيير قانون الانتخاب بما يمكنهم من انتخاب أكبر عدد من النواب المسيحيين بأصواتهم. ويسود الاعتقاد في الأوساط المسيحية بأن تحقيق ذلك يتم عبر اعتماد القضاء دائرة انتخابية، علماً بأن هذه الدراسة تؤكد خطأ هذه النظرية، وتثبت أن اعتماد النسبية يحقق هذا المطلب المسيحي إلى جانب التمثيل العادل لكل الأطراف.وتظهر الجداول 1 و2 و3 مقارنة بين إجراء الانتخابات على أساس الأكثري مع اعتماد القضاء، والمحافظة مع اعتماد النسبية (بحسب أعداد المقترعين وفق نتائج انتخابات 2005، كما أجري تعديل في أعداد المقترعين في محافظتي بيروت والجنوب اللتين شهدتا مقاطعة مسيحية)، وذلك بحسب الكتلة التصويتية الناخبة والمقترعة للطائفتين المسيحية والإسلامية، وما يتمخض عنهما من عدد مقاعد للمسيحيين نسبة إلى الكتلة التصويتية المسيحية.
ويتبين من الجدول الرقم 1 أنه، باستثناء الأقضية ذات الأغلبية المسيحية التي يبلغ عدد مقاعدها المخصصة للمسيحيين 36 مقعداً، فإن بقية المقاعد المسيحية تقع في أقضية ذات أغلبية إسلامية ساحقة لا مجال فيها لتحقيق ما تصبو إليه بكركي.
ويوضح الجدول الرقم 2 التأثير الصافي لحجم الكتلة التصويتية للمسيحيين (كما لو أن المسيحيين يصوتون فقط للمسيحيين دون أية أصوات للمسلمين) وانعكاسها على عدد المقاعد المسيحية.
أما الحقيقة الأخرى فنبينها من خلال ما سنورده أدناه من مفاعيل الكتلة التصويتية المسيحية من ناحية عملية (التحالف بين مرشحين مسيحيين مع مسلمين والعكس)، التي تظهر أن النظام الانتخابي الأمثل الذي يأتي بأكبر عدد من النواب المسيحيين من ذوي التمثيل المسيحي الحقيقي هو اعتماد النسبية على أساس الدائرة الكبرى.

التوازن الحتمي بين الأقلية والأكثرية

تجيب هذه النظرية عن واقع أن الانتخابات التي تجري وفق قانون التمثيل النسبي على أساس الدائرة الكبرى، تنتج ما يشبه مسلمة مفادها أنه كلما كان حجم طائفة معينة في دائرة انتخابية ما أكبر من حجم طائفة أخرى، فإن ذلك يؤدي إلى نتيجة حتمية تفيد بأن حجم تبادل الأصوات يكون لمصلحة الطائفة الأقل عدداً، وهذا التبادل يحدث توازناً في عدد الأصوات بين اللائحتين المتقابلتين في الانتخابات في الدائرة نفسها (لائحة عمادها القوة الانتخابية الأولى عند المسيحين مقابل لائحة تمثلها القوة الانتخابية الأولى عند المسلمين). وأهمية هذا التوازن في التبادل أنه يجعل فاعلية الصوت الانتخابي خاصية الطائفة الأقل عدداً أضخم حجماً عندما يتم تبادله مع مرشحي الطائفة الأكثر عدداً. ويتبين نتيجة ذلك، أنه كلما كان هناك إمكان لحصول التبادل، كانت قيمة الصوت الانتخابي أقوى للطائفة الأقل عدداً.
وعلى هذا الأساس فإن اعتماد لبنان دائرة انتخابية واحدة يزيد فعالية الصوت الانتخابي للطائفة الأقل عدداً إلى حد القوة القصوى، إذ سيستفاد من كل صوت فيها لتصبح قوة معتبرة ذات طابع ندّي في مواجهة الطائفة الأكثر عددا. وكلّما قسّم لبنان إلى دوائر عدة يصبح الإمكان التمثيلي للفريق الأقل عدداً وتأثيره وقدرته على إيصال المرشّحين، أضعف.

في حال اعتماد الدائرة الكبرى

تتم عملية تبادل الأصوات بين المسلمين والمسيحيين في شكل طبيعي وغير مفتعل ومستمر منذ ما قبل الاستقلال، ولم يحدث، ولا لمرة واحدة، استثناء لهذا المسار. ولإيضاح نظرية حتمية التبادل نعطي المثل التالي:
لو أخذنا مثلاً عدد الناخبين المسجلين على لوائح الشطب هو 3010000 : 1777000 ناخب مسلم أي ما نسبته 59.1% من مجموع أصوات الناخبين مقابل 1233000 ناخب مسيحي، أي ما نسبته 40.9%. وهذا يعني:
ــــــ أن القوة الانتخابية للمسلمين مقابل المسيحيين: مسلمون/مسيحيون = 1777000/ 1233000=1.44
ــــــ أي 144 صوتاً مسلماً مقابل 100 صوت مسيحي.
أما من حيث القوة الاقتراعية التي ظهرت في انتخابات عام 2005 مع بعد التعديل الطفيف للطرفين، فكانت على الشكل الآتي:
ــــــ عدد المقترعين المسلمين هو 904500
ــــــ عدد المقترعين المسيحيين هو 553500
ــــــ مجموع المقترعين العام هو 1458000
في حال عدم التحالف بين مسلمين ومسيحيين (وهذا محال وفرض المحال غير محال) تكون القوة الاقتراعية للمسلمين مقابل المسيحيين: مسلمون/مسيحيون = 904500/553500 = 1.63، أي 163 صوتاً مسلماً مقابل كل 100 صوت مسيحي، أي إن الكتلة التصويتية المسيحية تساوي نحو 37.9% وترجمتها إلى مقاعد = 49 مقعداً.
أما في حال حصول تحالف (وهو أمر مؤكد)، ما يعني حتمية تبادل أصوات بين ناخبي الطائفتين، فإذا جيّر 20% من أصوات القوى الناخبة المسلمة إلى لائحة القوى المسيحية، وجير 20% من المسيحيين للائحة القوى المسلمة، فستتحوّل النسبة التي توصلنا إليها في فرضية التحالف كالآتي:
مسلم/مسيحي = 835000/623000 = 1.34 ما يعني أن كل صوت مسيحي يعطى إلى لائحة المسلمين يقابله 1.34 صوت مسلم للائحة المسيحيين، فتصبح الكتلة التصويتية للمسيحيين نحو 42.7% وترجمتها إلى مقاعد = 55 مقعداً.
وتنبغي الإشارة إلى أنه منذ بدء الانتخابات في لبنان في الربع الأول من القرن الماضي يجري هذا التبادل. وحتى في انتخابات عام 2005 التي جرت من دون مقاطعة مسيحية في الجبل والبقاع والشمال، سُجّل التبادل على رغم توظيف الغرائز الطائفية، وكانت النتائج كما في الجدولين 4 و5.
وعلى هذا الأساس يتبين من دون شك أن البحث عن التوازن بين القوتين الانتخابيتين الأكثر والأقل عدداً يكمن في التحالف الانتخابي المؤدي حتماً إلى تبادل الأحجام الانتخابية، وهو ما يؤدي، كما أسلفنا، إلى تقليص الفوارق لمصلحة المسيحيين.
ويشير الجدولان 4 و5 إلى ما يأتي:
ــــــ جُيِّر للائحة التيار الوطني 49000 صوت مسلم من أصل 185000 مقترع مسلم، أي ما نسبته 26.5% من مجموع أصوات المقترعين المسلمين.
ــــــ وجيِّر للائحة المستقبل 45500 صوت مسيحي من أصل 113500 مقترع مسيحي، أي ما نسبته 40.2% من مجموع أصوات المقترعين المسيحيين.
ويتبين في حالة التحالف المذكورة أعلاه، أن فعالية الكتلة التصويتية المسيحية للائحة التيار الوطني الحر وحلفائه قد زادت عندما جُيّرت أصوات مسلمين للائحة، إذ بلغت نسبة مساهمة أصوات المسلمين 41.9% من مجموع أصوات اللائحة رغم أنها تمثل 26.5% من أصوات المسلمين فقط، فيما بلغت نسبة مساهمة أصوات المسيحيين 25.1% من مجموع أصوات لائحة «المستقبل» وحلفائه، على رغم أنها مثلت 40.2% من أصوات المسيحيين، والأمر نفسه تحقق في محافظة البقاع.
يتبيّن من ذلك كله أن الخوف من الدائرة الكبرى مع اعتماد النسبية غير مبرر علمياً، وأن ما خبره اللبنانيون منذ عام 1926 والمسيحيون منذ عام 1992 من قوانين انتخابات ظالمة ومجحفة جعلهم يهلعون من حجم الدائرة، غافلين عن أن اعتماد النسبية متباين كلياً مع الأكثري. فلبنان يمثِّل حالة فريدة من نوعها، ولا شبيه لها في العالم الغربي، من حيث تركيبته المجتمعية التي تستوجب نظام اقتراع من نوعٍ خاص قادر على التكيّف مع هذه التركيبة. ومن هنا أهمية اعتماد نظام التمثيل النسبي، ليضمن ويحفظ حقوق كل الشرائح المجتمعية.
وكما هو معلوم، فإن معظم الدول الأوروبية تعمل بالنظام النسبي، وحتى البرلمان الأوروبي يعتمد النسبية، وكذلك العراق ذو المكونات المجتمعية المشابهة للبنان إلى حد كبير.
وحتى في بريطانيا، التي تعتمد النظام الأكثري منذ القرن السابع عشر، والتي تختلف حالتها المجتمعية عن لبنان، فقد بدأ عدد كبير من السياسيين والأكاديميين حملة كبيرة في وسائل الإعلام، من أجل إلغاء القانون الأكثري واعتماد النسبية، بعدما حصل حزب العمال على أكثرية المقاعد النيابية وتولى مقاليد السلطة، على رغم حصوله على 36% من أصوات المقترعين فقط.






(*) مدير مركز بيروت للأبحاث والمعلومات