strong>بيسان طي


  • شيء في رائحة الورق جذبه إلى الكتب قبل أن يفهم ما يقرأه فيها
    بهدوء انسحب عبدو مرتضى الحسيني، نام نومة اللحود
    تاركاً وراءه مكتبته الخاصة، الأكبر في الشرق الأوسط. لم «يذرف» الحبر الكثير في وداع الحسيني، ومدينته بعلبك الغارقة في الصمت تبدو مستسلمة لغواية الكسل ويتراكم الغبار الكثيف فوق «ذاكرتها الثقافية». فيما تنتظر المكتبة في شارع بشارة الخوري من ينقذها وينقذ المدينة


    مرّ شهر...
    في 23 شباط الماضي أغمض عبده مرتضى الحسيني عينيه إلى الأبد. رحل عاشق الكتب وسكت قلبه قبل أن يأتي من يطمئنه إلى مصير مكتبته الخاصة التي جعلها الأكبر في المنطقة العربية. أعياه المرض، وأقعدته الآلام، لكنه بقي يحلم حتى اللحظات الأخيرة من حياته بأن تتحول مكتبته إلى مكتبة عامة لا تغادر مدينة بعلبك يوماً.
    في منزله في أعالي مدينة الشمس، احتلت الكتب أربع غرف، وزحفت نحو الممرّات والزوايا في المطبخ وصالة الجلوس. لكن الجزء الأهم من المكتبة يمكث في منزل متواضع من سبع غرف يستظل بدالية ويقع في شارع بشارة الخوري. يختفي المنزل خلف سوق متواضع على بعد أمتار من قلعة بعلبك، مسافة صغيرة بقدر التشابه بين المكتبة ومدينتها، كأن المكتبة تعكس تاريخ بعلبك الحديث.
    الحكاية بدأت عام 1925. كان عبده الحسيني يبلغ من العمر 7 سنوات فقط. مرّ وهو عائد من دروسه ببائع واقترب ليشتري كتاباً تركياً مكتوباً بالحرف العربي. بعد عقود لم يعد الحسيني يذكر تاريخ ذلك اليوم، لكنه ظل يتذكره كنهار خريفي بارد كانت خلاله خيوط الشمس تتسرّب من خلف الغيوم. حمل الكتاب إلى البيت وراح يقرأه ــــــ من دون أن يفهمه ــــــ أمام صديقة والدته التركية، التي بكت وشرحت له أن ما يقرأه هو عن عذاب القبر ويوم القيامة.
    نسي الحسيني اسم ذلك الكتاب ومصيره، لكنه بقي يردد أنه كان “اللبنة الأولى” في المكتبة التي صارت تحوي أكثر من مليون كتاب.
    وقد كان، وهو صغير ، يسأل أمه أن تجمع له مصروف الجيب ليشتري الكتب، ويردد بفخر أنه لم يكن يشتري الحلويات كما فعل أقرانه. شيء ما في رائحة الورق جذبه إليها حتى قبل أن يفقه معاني ما يقرأه، وظل حتى سنواته الأخيرة يعشق رائحة الكتب وملمس الورق، وكان يردد بعد انتشار الكمبيوتر أنه يتقبل ضرورات العصر، لكنه لا يشعر بأن حفظ الكتب في أقراص مدمجة يمكنه أن يحلّ مكان الكتب الورقية.
    في المنزل الصغير البارد تتكدس في الرفوف كتب عن كل شيء، عن التاريخ والجغرافيا والعلوم والآداب والفلسفة والسياسة وعلم الاجتماع وعلم النفس، وعن الديانات والاقتصاد والمسرح والسينما والفنون التشكيلية وغيرها من الاختصاصات. كتب بالعربية والفرنسية والإنكليزية والروسية والتركية ولغات أخرى، إضافة إلى بعض الكتب باللغات القديمة كاللاتينية، ومجموعات من المجلات اللبنانية والمصرية وغيرها، مجلات بألوان قديمة، غلب عليها بعد عقود اللون الأصفر، ذلك الاصفرار الذي يزحف على الورق عندما يُعتّق.
    زيارة واحدة إلى المكتبة كافية ليفهم الزائر سرّ إصرار الحسيني على أن تبقى في بعلبك، هي تشبه المدينة أكثر مما تشبه صاحبها. تتألم من الإهمال كما تتألم مدينة الشمس، وتضيع صفحات الكتب المرمية في الرفوف الأعلى، تتفتت، يتآكلها الصدأ، وتختفي كتب خلف أخرى، وتختبئ أجنحة وراء أخرى، كأنها دهاليز، في عتمة زواية الغرف تظهر أقسام منها في أمكنة لا يمكن أن يحزرها المرء. تسحب رفاً من الكتب فتظهر خلفه وتحت الجدار رفوف صغيرة. كما بعلبك، كلّما سحبت من أرضها شاهداً على حضارة، تجد تحته كنوزاً من حضارة أخرى.
    في ذلك المنزل البارد تبدو المكتبة حزينة منذ رحل صاحبها، والمدينة حزينة. إنه حزن يؤلم كما الصقيع حين يخترق العظام ويتسلل إلى الروح، شيء ما في روح المكتبة صار لونه اسود، هذا ما يحس به الزائرفي شهور عمره الأخيرة نال المرض من الحسيني، أقعده، لم يعد قادراً على تلك الرحلة اليومية إليها، ساعات المتعة انتهت، ولكن باله ظل مشغولاً بـ“حبيبته التي التهمت سنوات عمره”، فكان يرسل ابنه جهاد مرتين يومياً ليطمئن إليها، يذهب الابن يتفقد الكتب ويحمل إلى والده المجلات والصحف ليقرأها.
    “أحبّها أكثر مما أحبّنا نحن أولاده”، يقول جهاد. وبعد رحيل المؤسس لا يزال الابن يحفظ الأمانة ويقوم بالزيارات اليومية إلى المكتبة، يمرّ في الطرق المتعرجة والمهملة للمدينة. يدلف نحو زقاق صغير في شارع بشارة الخوري، يرمي التحية على جيران المكتبة ويفتح الباب الذي لم يُغلق في وجه طالب علم أو فقير.
    لا يقول جهاد الكثير عن المكتبة، كثيرون يذكرون كلمات والده وهو يعلن أنه قضى فيها أكثر من 150 سنة يفسّر مقولته بأن الإنسان يعيش في النهار وينام ليلاً، أما هو فكان يمضي فيها نهاراته ولياليه.
    الولادة الفعلية والمنتظمة للمكتبة بدأت عام 1930، كانت مدينة الشمس تعجّ بنبض ثوّار يرفضون الانتداب الفرنسي على لبنان. كُتب الحسيني الأولى في تلك الفترة كانت لطه حسين والمنفلوطي وجبران خليل جبران. واتسعت المكتبة مع اتساع معارف الحسيني الذي حمل من الجامعة اليسوعية أربع شهادات في الأدب العربي والتاريخ والجغرافيا وفنون الحياكة، وتنقل أستاذاً بين مختلف مدارس قرى البقاع.
    في سنوات شبابه صار الحسيني يقصد بيروت، وتعرف إلى شخصيات أدبية وصحافية وفكرية، وكانت لقاءاته مع جبران تويني مؤسس صحيفة “النهار” من المحطات المهمة. أُعجب تويني بالشاب الطموح وراح ينتظر زياراته ليهديه مجموعات من الكتب.
    ثم عاشت المكتبة أيام العز في الستينيات من القرن الماضي. كانت بعلبك المدينة تعيش عزّها على نبض الحركة القومية العربية، وكان الحسيني شاباً ثائراً يحتفظ بكتب لينين في زاوية مهمة من المكتبة، لكنه كان يُثريها بكل الإنتاجات العربية الصادرة في بيروت والقاهرة.
    بين عامي 1955 و 1975، عرفت المكتبة عصرها الذهبي، وقد “دُشنت” هذه المرحلة خلال رحلة قام بها الحسيني إلى هلسنكي لحضور مؤتمر ثقافي عالمي، هناك تعرف إلى كُتّاب ومؤرّخين وشعراء عالميين. وتعرف أيضاً إلى أصحاب دور نشر، تبادل معهم كتباً ورسائل. وكتب رسائل إلى زعماء ومسؤولين عرب، منهم جمال عبد الناصر والرئيس التونسي السابق الحبيب بو رقيبة والعراقي الراحل أحمد حسن البكر وملك المغرب الراحل الحسن الثاني، وسمحت له هذه المراسلات بأن يطلب من دور نشر في تلك الدول أن تزوده كتباً تصدرها.
    وقام الحسيني أيضاً في تلك الفترة بشراء مكتبات أو مجموعات من الكتب، وراح الرجل ينهل من كلّ منابع العلم، ويزيد مكتبته ثراء. وفي هذه الفترة كانت بعلبك تعاند الإهمال، أطل فنانو العرب والعالم من معابد القلعة الأثرية، وانتشرت دور السينما والمكتبات، وتكثفت نشاطات الشباب المنتمين إلى أحزاب اليسار، نشاطات سياسية وثقافية واجتماعية، فيما لا تمل تستقبل وفود السياح من مختلف بقاع الأرض، حتى صاروا أحياناً يفوقون عدد أبنائها.
    في البدء كانت المكتبة فتية وجميلة، أغلفتها جديدة، ترتيبها سهل. ثم عندما شاخ الحسيني، ترهّلت مكتبته، صارت مبعثرة دون تنظيم يسهّل الوصول إلى أي كتاب فيها، وبعض الكتب بدأ يهترئ بفعل النش في جدران المكتبة. وبعلبك بدت كأنها شاخت في السنوات الأخيرة. استباحت الفئران المكتبة وراحت تقضم من صفحات الكتب. استباحة ترافقت مع غربة الكتاب عن بعلبك، ففي زمن الفقر المدقع تضاءل عدد القراء.
    هذه المدينة تعاند الإهمال وتشارك في مشروع مقاومة الإسرائيليين، والمكتبة تقاوم الإهمال وترفض أن تعلن موتها.
    قبل خمس سنوات استقبل الحسيني شــــــــــــباناً أتوا من بيروت، أرادوا أن يصنعوا فيلماً وثائقياً عن المكتبة، حكى يومها كل الحزن الذي “يعتصر في قلبه”، في جملة واحدة روى قلقه، قال: “أنا خائف عليها، أحببتها كما لن يعشقها أحد، أولادي سيحبونها، لكنهم لن يحبوها كما أحببتها، وبالي عليها مشغول، لو أعطوني مال الدنيا كله، لــــــــــن أدعها تذهب من هذه المدينة”.


    خوفاً من ضياع كنز ثقافي آخر

    كما طلب كثيرون شراءها بمبالغ مالية كبيرة شرط نقلها من المدينة، مثل الحكومة الكويتية التي تقدمت بعرض لشرائها في السبعينيات من القرن الماضي، كما عرض الرئيس الراحل رفيق الحريري شراءها بمبلغ كبير ونقلها إلى صيدا، لكن الحسيني رفض ذلك، وكان يؤكد أنه لا يريد أي مقابل مالي لمكتبته، لكنه يريدها أن تبقى في بعلبك.
    رحل الحسيني قبل أن يتحقق حلمه بإيجاد من يتبنى مكتبته ويحولها إلى مكتبة عامة تعمل وفق أسس مؤسساتية.
    لكنه جعلها بطريقة ما مكتبة عامة، فقد كان يستقبل فيها طلاب العلم، الذين يجيئون إليه بحثاً عن كتب ومراجع يصعب إيجادها في الأسواق، أو لأنهم لا يستطيعون شراءها.
    كان يعير كتبه، أعاد البعض ما استعاره، وذهب آخرون بما حملوه، لكن هذا التصرف لم يجعل الحسيني يقفل باب المكتبة، كان يريد لها أن تحمل رسالة أو قضية في بعلبك ومحيطها.
    مليون كتاب في انتــــــــــــظار من يجعل الاستفادة منها ممـــــــــكنة، والخوف أن يســـــــــــــتمر الاهتراء في زحفه نحوها، وأن لا تلقى الكتب التي بدأت أوراقها تتفتت الاهتمام اللازم...
    هــــــــــكذا نكون نحن اللبنانــــــــــيين قد أضعنا ثروة ثـــــــــــقافية كما أضـــــــــــــعنا لوحات وكـتب اهترأت في مخازن مؤسسات مهمة أو أتت عليها نيران الحرب الأهلية.