جوزف سماحة


غادرت كوندوليزا رايس المنطقة حاملة في حقيبتها... «المعتدلين العرب». أصدرت، في ختام اجتماعها مع وزراء خارجية دول مجلس التعاون ومصر والأردن، بياناً يمكننا اعتباره البيان التأسيسي للمحور الجديد، لا بل برنامج عمل يشكل مفصلاً مهمّاً في تاريخ منطقتنا، لأنه يكاد يساوي التحاقاً عربياً غير مشروط بالسياسة الأميركية وتبنّياً لنهج يسقط الخصوصية العربية ويؤسس لتوترات داخلية وإقليمية خطيرة.
أولاً ــ عندما تصل رايس إلى واشنطن ستكون مالكة لسلاح تشهره في وجه الكونغرس وأكثرية الشعب الأميركي. ستقول لمواطنيها إن السياسة التي ترفضونها وتدينونها وجدت من يتبنّاها. ستحدّثهم عن المفارقة القائلة بأن هناك أنظمة في هذه الكرة الأرضية تستدرج الاحتلال وتسعى إليه وتريد الحماية منه. ستقول لهم إن تحالفاً توطّد بين الحكام العرب، أو بعضهم، وأكثر القوى عدوانية ورجعية وعداءً للعرب في الولايات المتحدة.
ثانياً ــ ستفاخر رايس بأنها نجحت في استتباع «المعتدلين العرب» من دون أن تهديهم أي مراجعة للتوسعية الإسرائيلية. لقد ارتضوا كلمات عامة ومبهمة من أجل ستر العورة. أوهموا أنفسهم بأن القضية الفلسطينية على طريق الحل. أسقطوا، إلى حد بعيد، المقايضة التي كانوا يدعون إليها (تسوية في فلسطين مقابل تسليم المنطقة إلى أميركا)، لذا لا ضرورة لأن يرتفع صوت في العالم يصرّ على تبنّي أي حل عادل لأزمات الشرق الأوسط. ما لن تقوله رايس هو أن البدل الذي قبضه هؤلاء هو سحب الولايات المتحدة للتطلّب الديموقراطي من مشروعها لـ«الشرق الأوسط الكبير». لقد نجحت المناورة وأفلح الضغط. لم يكن ضرورياً، في 2007، تكرار خطاب الجامعة الأميركية في القاهرة عام 2005. ليس المهمّ أن القمع ازداد لأن المهمّ هو أن الحكام العرب قفزوا فوق «حاجز الاعتدال» بحيث يصح القول فيهم إنهم «معتدلون بلا حدود»، أي، عملياً، شديدو التطرّف في ممارسة التبعيّة.
ثالثاً ــ ورد في البيان الختامي، كما في تصريحات سعود الفيصل ورايس وغيرهما، كلام كثير عن رفض التدخل الخارجي في العراق (ولبنان)، وعن إدانة استخدام بلدان ساحات لصراعات تتجاوزها. يجب أن نستعيد المشهد العراقي كي ندرك مدى السوريالية في هذه الدعوات: بلد تحتله القوات الأجنبية بالكامل، ويعتزم جورج بوش زيادة التدخل فيه عبر إرسال مزيد من الجنود، ومع ذلك فإن رايس «تنجح» في إقناع وزراء عرب، في معرض طلب تدخلهم لدعم سياستها، برفع لواء عدم التدخل. «تنجح» رايس في تربيع الدائرة، لأن رخاوة النظام العربي الرسمي تسمح لها بذلك. لم يسبق أن كانت السياسة الدولية بهذه السهولة لأنه لم يسبق أن كان وضع إقليمي معيّن بهذه السيولة التي تأخذ شكل الإناء الذي تسكب فيه.
رابعاً ــ يمكن، عبر التفتيش المجهري، إيجاد تباينات طفيفة بين رايس ونظرائها. إلا أن ذلك لا يمنع أن الأخيرين دعموا الاستراتيجية الأميركية الجديدة في العراق. وحتى عندما وضعوا اشتراطات على الوضع العراقي الداخلي، فإنهم اختاروا ما هو متساوق مع الاشتراطات الأميركية. ولقد كان واضحاً أن جلّ همّهم هو الربط بين مصالح فئات عراقية داخلية والاحتلال. السيادة العراقية بعيدة عن ذهنهم. القريب من ذهنهم هو ما استمدّوه من تجربتهم التاريخية: موقع الطوائف أو العشائر أو العائلات في السلطة رهن بالعلاقة الجيدة مع المستعمر الأجنبي!
خامساً ــ وافق الوزراء العرب على دفع الفكرة العربية نحو قعر جديد ووثّقوا ذلك في بيان مع الولايات المتحدة. عندما يتحدثون عن العراق ترد تعابير من نوع تعديل الدستور ومشاركة شعبية أوسع والمساواة في الحقوق... والواضح ما المقصود من ذلك ويمكن التسليم، أيضاً، بأنه محق. ولكن ما إن ينتقل الحديث إلى لبنان حتى نصبح أمام منظومة فكرية ــــــ سياسية أخرى: دعم الحكومة والشرعية أي، بالضبط، دعم حالة سياسية قائمة، كما هو واضح، على رفض المشاركة الواسعة والمساواة في الحقوق. ما هو مطلوب للعراق مطلوب عكسه، تقريباً للبنان، حتى لو أدّى ذلك إلى جعل الكارثة العراقية الحالية أفقاً وحيداً للبنان. يحصل ذلك باسم «عروبة» يعاد إنتاجها على واحدة من ضفتي الانقسام المذهبي بين العرب ومن أجل تعميقه.
سادساً ــ يفترض بوزير الخارجية السعودي سعود الفيصل أن يكون أكثر تواضعاً. ليس من حقه، هو، أن يحاضر عن «المساواة في الحقوق والواجبات والمشاركة في الثروات». فمن المعروف، لدى اللبنانيين وغيرهم، أن عبد الحليم خدام ما كان يغضب قدر غضبه من ارتضاء لبنانيين بتلك الصلاحيات الواسعة لرئيس جمهوريتهم... وكان ذلك في أيام حكم الرئيس حافظ الأسد لسوريا! ها هو الفيصل يكرر خدام ولو في العراق. «المساواة» بضاعة للتصدير فقط وليست للاستهلاك المحلي. لنقل إنها بضاعة لإعادة التصدير. فالولايات المتحدة كلّفت اللاديموقراطيات العربية الدفاع عن الديموقراطيات العربية الناشئة. يبدو أن الأخيرة وافقت شرط أن تمرّ السلعة «ترانزيت».
سابعاً ــ يحق لنا في لبنان، أن ننظر إلى تلك الاجتماعات وإلى البيان الختامي بصفتها نزعاً جزئياً لأهلية الطرف العربي المعني بأن يكون وسيطاً نزيهاً في الأزمة الراهنة. لا يمكن، أصلاً، لسياسة مصوغة مع رايس، راعية العدوان الإسرائيلي على لبنان، أن تمهّد لوساطة. أضف إلى ذلك أن معظم التصريحات تشير إلى انحياز شديد لفئة من الفئات اللبنانية. نزيد، أخيراً، أن الوعي الكامن خلف المواقف والبيان الختامي اختزالي جداً، وقادر على تغييب الخصوصية اللبنانية حيث يتداخل التوتر المذهبي مع توتر طائفي يبدو أن مسؤولين عرباً فقدوا حساسيتهم حياله. يقول أحد الخبثاء إن الأزمة العنيفة التي تمر بها نخب عربية يمكنها أن تنتج تصوّراً للحل في لبنان يَعِد مسيحييه بمصير أقباط مصر وشيعته بمصير شيعة السعودية!
ثامناً ــ قدمت الاجتماعات الأخيرة وبيانها جواباً عن سؤال مقلق كان المتفائلون يرونه معلّقاً: هل يمكن للتوتر الراهن بين الولايات المتحدة وإيران أن يكون مدخلاً لاستقواء عربي على واشنطن، أم مدخلاً إلى زيادة الارتماء بين ذراعيها؟ الجواب واضح. غلبت وجهة نظر المتشائمين بالوضع العربي. تأكد لهم أنهم أكثر واقعية. تأكد لهم، أكثر من ذلك، أنهم يشاركون الإدارة الأميركية تقديرها لهزال الوضع العربي الرسمي، ولو أنها مشاركة من موقع الخصومة.
تاسعاً ــ كنا قد أشرنا إلى تباينات بين تصريحات وزراء عرب (سعود الفيصل) ورايس. إلا أن الفجوة المشار إليها أضيق من أن تكون قاعدة لسياسة عربية بحد أدنى من الاستقلال. ولوحظ أنه في كل مرة كانت رايس تغلّب تفسيرها لموقف أو لفقرة في البيان كانت تواجه بصمت.
عاشراً ــ يجب أن ندرك تماماً أن هذا التوجّه الرسمي العربي له سند شعبي جدي. فهذا التوجّه يسوّق بصفته تصدياً لإيران وأطماعها لا بصفته التحاقاً بالولايات المتحدة. وتلقى هذه الأطروحة صدى لا يمكن تجاهله، وإن كان يفسّر لنا، جزئياً، الدور الذي أداه لبنانيون في إعادة ترتيب الأولويات. لا سياسة ممانعة جدية من دون التقاط هذه التحوّلات. غير أن هذا بحث آخر.