جوزف سماحة


يدخل لبنان، اليوم، أسبوعاً استثنائياً. تصل السلطة، في باريس ـــ3، إلى ذروة الاحتضان الدولي والعربي لتوجّهاتها. وتصل المعارضة إلى ذروة تحركها في الإضراب السياسي العام. ليس في كل مرّة يتاح لبلد أن يعيش، على التوالي، حدثين متصادمين إلى هذا الحد. لبنانان سيتواجهان على امتداد الأيام المقبلة بدءاً من الغد.
ستحاول المعارضة استعراض قوتها. رسالتها إلى الحكومة أن البديل من الثلث المعطّل في الانتخابات هو النصف المعطّل في الشارع. ورسالتها إلى المحيط أن عليه أن يأخذ توازن القوى الداخلي في الاعتبار عند كل تدخّل أو وساطة. ورسالتها إلى العالم أن دعم بلد منقسم، أي دعم شطر منه، دعم سياسي إلى أبعد الحدود.
ستحاول السلطة أن تظهر أنها تمثّل الأكثرية والشرعية، وأنها تدافع عن الوطن في وجه مشروع انقلابي يُدار من الخارج ولمصلحته. وسيتّضح أن نقطة القوة المركزية لدى الحكم، فضلاً عن قاعدة شعبية داخلية مؤكدة، هي أنه مستعدّ للمضيّ قدماً في «لبننة» المشروع الدولي مقابل تدويل الدعم للحكومة.
الأسبوع الطالع قابل لأن يُحدث خديعة بصريّة. ومؤدّى هذه الخديعة أن الصراع مندلع بين مشروعين سياسيين للبنان يقوم كل واحد منهما على إلغاء الآخر ولا يستقيم له الأمر إلا إذا احتلّ المشهد الوطني بالكامل.
لا يمكن إنكار أن لبنان منقسم إلى معسكرين كبيرين وأن لكل منهما تصوّراته التي تحتمل تباينات جديّة بين أطراف كل تحالف على حدة. هذه حقيقة بات يصعب، لا بل يستحيل، تجاهلها. لكن الموضوع هو أن الأيام القليلة المقبلة لا تشهد منازلة بين هذين المشروعين.
ليس الصراع قائماً بين وجهة في السياسة الداخلية، سياسياً واقتصادياً، ووجهة إقليمية ودولية تمثّلها السلطة وبين وجهة أخرى تعلن المعارضة، على تفاوت، أنها تتبنّاها وترى فيها خلاصاً.
الصراع الفعلي، كما سنشهده، يدور على السلطة، على تركيبتها والتوازن فيها، على درجة تطابقها مع التعدّد اللبناني، على درجة إدراجها الحساسيات كلها في سياق مشروع وطني واحد.
إن المواجهة هي بين سلطة أعلنت وتعلن أنها تملك المشروعية الكاملة، الدستورية والسياسية والشعبية، لكي تقرّر منفردة الوجهة التي تريد للبنان أن يسلكها، وبين معارضة تشكّك في هذه المشروعية وتتحرّك من أجل تغيير يقود إلى إخضاع الخيارات كلها للتشاور والتوافق.
اتهام السلطة للمعارضة بأنها تسعى إلى انقلاب من أجل تحكيم مشروعها بلبنان وتغيير هويته وقواعد الاجتماع فيه هو اتهام غير دقيق. إنه تهرّب من تعيين حقيقة المواجهة التي نعيش. وفي المقابل فإن اتهام المعارضة للسلطة بأنها ساعية إلى الاستئثار، لا بل مُمارِسة له، ورافضة للمشاركة، هو اتهام أقرب إلى الصحّة.
وبهذا المعنى فإن المعارضة تملك أرجحيّة ليس بالمعنى الأخلاقي فقط بل بمعنى الاقتراب من التقاليد السياسية اللبنانية، ومن المزاج العام، ومن روحية «اتفاق الطائف»، وهذه عناوين تغلّب، كلها، الدعوة إلى المشاركة على الرغبة في الاحتكار.
عندما يقول الرئيس أمين الجميل، قبل أسابيع، إن السؤال الجدّي المطروح هو «أي لبنان نريد؟»، فإنه يصيب الحقيقة. وعندما يقول سمير جعجع قبل يومين إن لبنان أمام خيارين إجماليين متباينين، فإنه، هو الآخر، يصيب الحقيقة. إلا أنهما، من حيث لا يريدان، يقدّمان دعماً لأطروحة المعارضة. فإذا كان الاختلاف بين اللبنانيين هو إلى هذا الحد فالأولى بهم احتواء الاختلاف ضمن المؤسسات، وتحويلها إلى غرفة صدى للمجتمع بأصواته كلها، وإيجاد اواليات سلميّة لمنع التعارض من أن يفيض عن قدرة الدولة على الاحتمال.
إن ما سوف نعيشه في الأيام المقبلة ليس صراعاً بين لبنان الذي تريده السلطة ولبنان الذي تريده المعارضة. سنعيش صراعاً بين مفهومين وتصوّرين لكيفية التعاطي مع اختلافاتنا، مفهوم يعتقد أن الحكومة هي حالياً مستودع آمال اللبنانيين جميعاً، وفي وسعها أن تفعل ما تريد، ومفهوم يعتقد أن الحكومة فاقدة للنصاب السياسي الضروري من أجل أن تكون حرّة في التصرّف.
إن الحجة الأقوى ضد مطلب المعارضة هي، بالضبط، الحجة الأقوى لمصلحتها. تقول هذه الحجة إن المعارضة تسعى إلى «التعطيل». أين المشكلة في ذلك إذا كان البديل هو تقدم فريق بعينه على درب سياسات معيّنة وبشكل يقطع الصلات بينه وبين كتلة شعبية لبنانية وازنة؟ إن التعطيل أفضل من تدمير النسيج الوطني تماماً، لأنه، في أسوأ الحالات، يفرض على اللبنانيين السير معاً، ولو ببطء، فيما المعروض عليهم هو أن تسير كل فئة في اتجاه.
إن أي معارض للمضمون البرنامجي للمعارضة يفترض به، إذا كان يؤمن فعلاً بمدى تمثيلها الشعبي، أن يؤيد تحركها الحالي وشعارها الخاص بالمشاركة. لا بل إن موقفه هذا يضعه في موقع أفضل للسجال معها حول جوهر ما تريده للبنان، وهو سجال يفترض أن تحتضنه المؤسسات كلها. هذا إذا كان المرء معارضاً، فكيف إذا كان ميّالاً إلى تأييد طلب المشاركة ومضمون البرنامج؟
التحذير من الخديعة البصريّة هو المدخل إلى فهم حقيقة الاحتدام الذي سيشهده لبنان بدءاً من الإضراب السياسي العام وصولاً إلى المؤتمر الاقتصادي. ولا علاج لهذه الخديعة البصريّة إلا بقدر من التجاهل للمشروعين المختلفين معاً والتشديد على ضرورة انتقالهما لاستئناف تمايزهما ضمن الأطر والمؤسسات القائمة. ولعلّ المقياس الأفضل لفاعلية هذا العلاج هو صدور أصوات من داخل السلطة والفريق الداعم لها تدعو إلى الإنصات المسؤول لهذا التطلّب العميق للمشاركة في تقرير المصير الوطني، للمشاركة من موقع الاختلاف، للمشاركة بحثاً عن توافقات تسمح بالسير معاً ولو خطوة خطوة وببطء شديد.