strong>كثرت التنبؤات والتكهنات بشأن ما سينتهي اليه اليوم الإضرابي الطويل. فالبعض يتوقع أن يمر بسلام كغيره من أيام التظاهر والاعتصام، والبعض الآخر لا يستبعد أن يحمل مفاجآت وأحداثاً تقلب الأمور رأساً على عقب. غير أن تسارع تحركات المعارضة وتجاهل الفريق الحاكم يراكمان قلق اللبنانيين وخوفهم على غدهم ومستقبل أبنائهم


نام الموظفون والعمال في القطاعين العام والخاص بين نارين: نار المعارضة الداعية الى الإضراب والإقفال العام والتنبيه الى مجازفة النزول الى العمل، ونار السلطة وموالاتها الداعين الى اعتبار اليوم يوماً لزيادة الإنتاجية وعدم الامتثال لمطالب المعارضة والإصرار على اجتياز كل المخاطر التي ستواجههم ذهاباً الى أشغالهم وإياباً الى بيوتهم. ولعل مصدر القلق هو أن الدعوات المتضاربة للمعارضة والسلطة تنطوي على تهديدات مبطّنة، ما جعل هذا الأمر يقضّ مضاجع الموظفين وخصوصاً في القطاع العام والدوائر الرسمية. فصورة القلق والخوف تجلّت لدى الموظفين في قصور العدل والمحاكم اللبنانية، الذين تبادلوا طيلة يوم أمس سؤالاً واحداً: هل ستأتي الى العمل؟ وآخر استطراداً: «ما هو مصيرنا إذا قطعت الطريق وحال ذلك دول وصولنا الى العمل»؟
هذا السؤال وما يستتبعه لم يلق جواباً لدى الموظفين الواقعة منازلهم على بعد عشرات الكيلومترات من أماكن عملهم. إحدى الموظفات سألت المسؤول عنها: كيف سأصل الى بيروت وأنا أقيم في شرق صيدا؟ وهل سآتي سيراً على الأقدام ما دام سائقو التاكسي والباصات ملتزمون الإضراب؟ وماذا سيحل بي اذا فوجئت بإشكال أمامي في وسط الطريق؟.. الى من ألجأ ومن سيحميني؟ يجيبها مديرها: «لا أعرف، فأنا لست أفضل حالاً منك، أنا أقيم في جبيل وطريقي الى بيروت ستكون محفوفة بالمخاطر».
موظفة أخرى قالت إنها تقيم في عجلتون وأضافت إنها لا تتردد في المجيء الى عملها حتى سيراً على قدميها اذا اضطرت، ولكن «هل أستطيع الوصول في بداية الدوام الرسمي؟». أمّا زميلها المشارك في النقاش فيجاهر أنه سيلازم منزله ولن يجازف بالمجيء أياً تكن النتائج... لكنه يسارع الى السؤال: «هل وزّع التفتيش القضائي تعميماًَ بهذا الخصوص؟». إجابة جميع زملائه الحاضرين كانت واحدة: «لا أعلم». وهنا سارع أحدهم الى التوقع بأن القضاة لن يستطيعوا الوصول الى مكاتبهم.
هذه التساؤلات التي اجتاحت أروقة قصور العدل، لاقتها معلومات مفادها أن نقابة المحامين في بيروت وجهت كتاباً الى رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي أنطوان خير تطلب منه فيه الإيعاز إلى قضاة التحقيق والمحاكم بعدم إجراء محاكمات غيابية أو تحقيقات مماثلة، إذا تغيّب مدّعون او مدّعى عليهم عن المثول أمام المحاكم ودوائر التحقيق. كما ذكرت المعلومات أن النقابة طلبت من القاضي خير الأخذ بعين الاعتبار ظروف الدعوة الى الإضراب وهاجس الخطر الذي يتحسب له كثيرون. وعُلم بأن النقابة أطلعت رئيس مجلس القضاء على أن كثيراً من المحامين بحسب ما أبلغوها سيلتزمون الإضراب ومقاطعة العمل استجابة لمطالب القوى السياسية التي ينتمون اليها في المعارضة، ولن يؤثر هذا التغيب على مسار الملفات العائدة إلى موكليهم.
وخلاصة الأمر، أن ما سرى في قصور العدل انسحب على كل الدوائر الرسمية الأخرى ما يجعل الموظف دائماً بين مطرقة المعارضة وسندان السلطة فيتحول الى ضحية من دون أن يعبأ أحد لا بلقمة عيشه ولا بأمنه ربما.
أما موظفو المؤسسات والشركات الخاصة وعمالها فيبدو أنهم أسوأ حالاً.. حيث إنّه إذا كان الموظفون مرغمين على التقيد بالأهواء السياسية التي يتّبعها رب العمل، فإن الأخير قد لا يعبأ بما سيصيب عماله اذا امتنعوا عن الحضور الى عملهم.. وعلم بأن عدداً من الشركات هددت موظفيها بالطرد من العمل اذا تغيبوا اليوم لأنهم بذلك يكونون في المقلب الذي يناقض توجهها السياسي.
«الأخبار» سألت مصدراً قضائياً عما اذا كان القانون يجيز لرب العمل أن يُلزم موظفيه او العمال لديه بالحضور، ويهددهم بالطرد اذا لم ينفذوا أوامره، فأجاب المصدر: «اذا كان ثمة ظروف قاهرة تحول دون وصول العامل الى مقر عمله فيكون بذلك معذوراً، ويفترض برب العمل أن لا يعاقبه»، ويقول المصدر: «حتى لو أن العامل او الموظف في القطاع الخاص التزم الإضراب لدواعٍ سياسية، فبإمكان صاحب المؤسسة او الشركة أن يحسم تعويض هذا اليوم من راتبه ولا يحق له فصله من العمل او طرده.
أما إذا أقدم على طرده فيحق للموظف مقاضاته أمام مجلس العمل التحكيمي بالصرف التعسفي... أما اذا تكرر تغيّب العامل بحجة التزامه الإضراب وأدى هذا التغيب الى تضرر في إنتاجية العمل فعندئذ يحق لمديره او المسؤول عنه صرفه من العمل بعد أن يوجه إليه إنذاراً خطياً يحذره فيه من التمادي في الغياب».
(الأخبار)