نقولا ناصيف


ليست المصادفة هي التي تضع مؤتمر باريس 3 على طريق الإضراب العام الذي تنفذه المعارضة اليوم، بحيث يتزامن انعقاد المؤتمر العربي والدولي لتعويم الاقتصاد اللبناني مع ما ترغب المعارضة في وصفه، وهو انتفاضتها على حكومة الرئيس فؤاد السنيورة. وبمقدار ما يرمي انعقاد مؤتمر باريس 3 إلى توجيه أكثر من رسالة إلى الداخل اللبناني، يتوخى الإضراب العام بدوره توجيه رسائل مماثلة إلى الخارج. ويقع كل ذلك في سباق محموم، ليس حول مصير سلطة الغالبية في الحكم اليوم ومستقبلها فحسب، بل أيضاً مصير جهتين أخريين معنيتين بالإضراب وينتظرهما امتحانان مربكان. وقد ترسم نتائج الإضراب العام علامات استفهام خطيرة حيال مستقبلهما، هما الجيش والمسيحيون:
الأول معني بإيجاد صيغة تلائم بين منع قطع الطرق وأعمال الشغب والتعديات والاعتداءات واستهداف المقار الدستورية والرسمية، وعدم التعرّض لحرية المواطنين في الاعتصام والاحتجاج. وتكمن المشكلة في أن الجيش على أبواب مواجهة ساخنة هو ليس طرفاً فيها، ولا هو قادر على الفصل فيها، ويخشى في الوقت نفسه اتخاذها طابعاً أمنياً بفعل التشنج السائد بين طرفي النزاع، ولأنه لا يزال الفريق اللبناني الوحيد الذي يقف منذ عام 2005 في منتصف الاشتباك السياسي بين الغالبية والمعارضة قبل أن تنقلب الأدوار والمواقع رأساً على عقب. أضف أنه متيقن من أن المعارضة ستعمد اليوم إلى قطع الطرق وإحراق الدواليب من غير أن يكون في وسعه منعها لأسباب تتصل بإمكاناته وقدراته على التحرّك وحساسية المواجهة المذهبية، كما تتصل بخيار قيادته تحييده عن الصراع السياسي لتجنيبه نتائج مدمرة.
أما المسيحيون، فهم بدورهم معنيون بإمرار هذا اليوم من دون شرخ خطير. وبمقدار ما يعكس الجيش قلقاً مما يتوقعه من الإضراب العام، يبدو امتحان المسيحيين أثقل وقعاً إن لم يكن أخطر، لمبررات عدة:
أولها تكريس الانقسام الحاصل في السياسة والخيارات والمعسكر والشعبية والمذهبية، بين التيار الوطني الحر من جهة والقوات اللبنانية وحزب الكتائب من جهة بسبب انتماء كل من الطرفين إلى موقع مناوئ للآخر: الرئيس ميشال عون حليف حزب الله والرئيس نبيه بري والوزير السابق سليمان فرنجية، والدكتور سمير جعجع والرئيس أمين الجميل حليفا النائبين سعد الحريري ووليد جنبلاط. وهما بذلك لا يستعيدان صراعاً سياسياً ودموياً تقليدياً لم ينطفئ بين المسيحيين فحسب، بل يخوضان معركة مسيحية ــ مسيحية نيابة عن أفرقاء آخرين، وخيارات آخرى هي التي ترعى المواجهة الناشبة بين الغالبية والمعارضة. وعلى جاري العادة ينخرط المسيحيون في معارك يموّلها سواهم من دون أن يحصدوا منها إلا الخيبة والخسارة.
وثانيها، أن إضراب اليوم هو امتحان أول لمواجهة مؤجلة وغير مباشرة في الشارع بين القوات اللبنانية وتيار المردة. وبينهما ما لم تمحوه السنون الطويلة. أضف أن المناطق التي يوجدان فيها، على رغم تفاديهما تسعير الخلاف، تبدو أقرب إلى نار تحت الهشيم في زغرتا وقرى قضائها وفي الكورة والبترون. إنها أيضاً معركة على الزعامة المسيحية خارج بيروت والجبل.
لكن تزامن الإضراب العام مع مؤتمر باريس 3 يعكس هدفاً أكثر وطأة في ضوء ما يورده مسؤول بارز في المعارضة بقوله إن اليوم الأول للإضراب سيكون محك اختبار رد فعل حكومة السنيورة، ومدى استعدادها لتقديم تنازلات أساسية للمعارضة، على أن يكون الخميس المقبل، وهو موعد التئام مؤتمر باريس 3، ذروة انفجار سياسي في وجه الغالبية والحكومة على السواء، الأمر الذي يرجّح سقوط آخر أمل في التوصل إلى تسوية سياسية وفق قاعدة أضحت وهمية هي «لا غالب ولا مغلوب».
بذلك يؤول تزامن الحدثين إلى تبادل رسائل أبرزها:
1ــ تأكيد المجتمع الدولي تمسكه بشرعية حكومة السنيورة على أنها المرجعية التي تحظى باعترافه لنشوئها من انتخابات ديموقراطية. وهو تالياً يقصر علاقة بالدولة اللبنانية على الغالبية والحكومة المنبثقة منها، ترجمة لتمسك الشرعية الدولية بالتوازن السياسي القائم في لبنان المنبثق من انتخابات 2005، وفي الوقت نفسه من الآثار السياسية التي ترتبت على صدور القرار 1559.
2ــ يشكّل الإضراب العام امتحاناً تريد المعارضة أن تختبر به رد فعل الحكومة والغالبية حياله ومدى استعدادهما للرضوخ لمطالبها. ومع أن رهاناً كهذا يبدو ضرباً من الوهم، تعرف المعارضة سلفاً أن قوى 14 آذار لن تذعن لتسوية غير متكافئة بتسليمها بحكومة وحدة وطنية بثلث معطل للمعارضة. ويعني ذلك تخلي هذه القوى عن سلطة كانت حصلت عليها بانقلاب سياسي أحدثه اغتيال الرئيس رفيق الحريري. وهكذا تبدو اللعبة مفتوحة على خيارات خاسرة ورهانات مدمرة. وكما أن في أوساط الغالبية مَن يقول إن هذه لن تتخلى عن سلطتها إلا إذا كان ثمة مَن في وسعها انتزاعها منها بالقوة، في المعارضة مَن يقول كلاماً مشابهاً، وهو أن تصويب التوازن السياسي القائم لا يكون إلا بالطريقة التي أوصلت قوى 14 آذار إلى السلطة. والمقصود بذلك انقلاب سياسي. وعلى نحو استقالة حكومة الرئيس عمر كرامي في 28 شباط 2005 في الشارع ما تسبب بانهيار الدورين السياسي والأمني السوري في لبنان وتبدّل موازين القوى مع انتخابات 2005. في صفوف المعارضة مَن يعتقد أن إسقاط حكومة السنيورة في الشارع يفضي إلى قلب الأدوار مجدداً.
3ــ رغم إدراك المعارضة أن الدعم الدولي لحكومة السنيورة لم يتخذ بعده الراهن إلا بعدما اطمأن المجتمع الدولي إلى أن الحكم في لبنان أضحى في عهدة الغالبية المؤيدة له، فالواقع أن الدعم الدولي ينساق بدوره إلى توازن القوى الداخلي. ولعلّ عبرة ذلك تجربة حكم الرئيس أمين الجميل مع واشنطن أواخر عام 1982 حيث حكم بدعم أميركي غير مشروط إلى أن انفجر الخلاف بينه وبين ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ورئيس حركة «أمل» نبيه بري. وسرعان ما بدأت سلطته تنهار بعد «حرب الجبل» أواخر عام 1983 و«انتفاضة 6 شباط» عام 1984، فخرج الأميركيون من لبنان وأعادوا مراجعة دبلوماسيتهم في لبنان في ضوء توازن قوى جديد كان قد نشأ بين مناطق سيطرة الجميل ومناطق سيطرة جنبلاط وبري. ولمن لا تزال تسعفهم الذاكرة، وصف وزير الخارجية الأميركية جورج شولتز لبنان عام 1984 بـ«الطاعون» داعياً إلى وضعه في حجر صحي.
ومع أن مطابقة ما حدث في الأمس لا يلائم بالضرورة ما يواجهه لبنان في الوقت الحاضر، فإن في أوساط غلاة المعارضين مَن يرى أن انهيار التوازن السياسي القائم حالياً ــ بإسقاط سيطرة الغالبية على السلطة التنفيذية ــ يفضي إلى مراجعة دولية للموقف من الوضع اللبناني برمته، الأمر الذي يبيّن مغزى سعي المعارضة إلى أكثر من إسقاط حكومة السنيورة. إلى قلب التوازن الداخلي رأساً على عقب سواء جهرت بهدف إحداث انقلاب سياسي أم لا.