جان عزيز


بعض كلام عدد من مسيحيي السلطة، وخصوصاً من أعضاء «لقاء قرنة شهوان» السابق، في سياق الأزمة القائمة اليوم، يعيد الذاكرة إلى سياق مماثل لأزمة أخرى قبل أربعة أعوام كاملة.
مطلع عام 2003 كانت المعارضة السيادية، ذات التكوين المسيحي شبه الحصري، لم تبلّ بعد من النكسة التي أصابتها في النصف الثاني من السنة التي سبقت. ذلك أنه بعد انتخابات المتن الشمالي الفرعية، في حزيران 2002، أعلنت سلطة الوصاية السورية استنفارها الشامل لضرب «القرنة». وكما دائماً تم توزيع الأدوار، فوقف رفيق الحريري موقف الحياد السلبي، وتولى وليد جنبلاط موقع رأس حربة الهجوم. وجاء مؤتمر لوس أنجلوس الذي أقامته «المؤسسة المارونية العالمية»، برعاية البطريرك الماروني وحضور سبعة من مطارنة بكركي، ليمثّل مادة مفتعلة لدور جنبلاط. ففي تموز 2002 شن سيد المختارة حملة شرسة على المعارضين السياديين، بدأها بتحريض مجنون على جبران تويني، على خلفية خطابه الذي ألقاه في لوس أنجلوس، وبلغت الحرب الجنبلاطية ذروتها، في تحريضه بعض مسؤولي النظام الأمني، لملاحقة أقرب أصدقائه من أعضاء «القرنة»، وفق المعلومات التي توافرت آنذاك للقاء المعارض.
وكالعادة شكلت الهجمة الجنبلاطية كاسحة ألغام لبنانية داخلية لعملية القمع السوري، لم تلبث أن تتالت فصولها في 4 أيلول 2002 مع إقفال تلفزيون «إم تي في»، ثم إبطال نيابة غبريال المر بعد أشهر ثلاثة.
هكذا أطل عام 2003 وسط مشكلتين خطيرتين تعانيهما المعارضة المسيحية السيادية: أولاهما الحصار الداخلي الشديد الذي ضربه حولها نظام الوصاية، وثانيتهما بدء التداعيات اللبنانية والإقليمية للتعبئة الأميركية المنطلقة، تمهيداً لشن حرب واشنطن على بغداد.
في ظل هذا المناخ، ورغم حرارة التجارب السابقة، قرر «الفريق القاطر» داخل «لقاء قرنة شهوان» إعادة الاتصال بجنبلاط. وبعد سلسلة لقاءات وجس نبض، جيء به مطلع سنة 2003 خطيباً في مناسبة قرنوية مكتملة النصاب، في الاحتفال السنوي لمؤسسة فؤاد غانم البون الخيرية.
ذاك المساء كان الجو مشحوناً بالحذر والترقّب. وكان مسرح المناسبة السيادية ـــ الجنبلاطية الهجينة، في كسروان بالذات. كان المعارضون يرفعون خطاب أن على دمشق أن تفك أسر الوطن اللبناني، قبل أن يأتي زلزال العراق بالمزيد من المفاجآت والمآسي. وكان الفريق السوري يرفع خطاباً مضاداً، مفاده أن الهجمة الأميركية على المنطقة تقتضي كمّ الأفواه أكثر ورصّ صفوف «المتعاونين» ووأد ربيع بيروت نهائياً، كما كان مصير ربيع الشام قبل نحو عامين.
ذاك المساء، وبعد كلمتين مقتضبتين لصاحب المناسبة ولحلفائه، اعتلى وليد جنبلاط منبر أدما، ووجه سلسلة من الصفعات المهينة إلى مضيفيه. بلغة سياسية كادت تتخطى حدود اللياقة، قال «البيك» لشركائه ما معناه: الحرب الأميركية آتية على المنطقة، وأنا لست على حياد فيها، بل طرف إلى جانب سوريا ونظامها وحكامها. وكل من يريد التلاقي معي، عليه أن يحسب هذا الحساب.
قال جنبلاط كلمته ومشى، تاركاً المعنيين في حال وجوم. في اليوم التالي سارع «الفريق القاطر» في «القرنة» إلى استيعاب الصدمة، فرفع سريعاً شعار «بوليصة التأمين». ما كان المقصود بذلك؟ بكل بساطة ثمة جيوش أميركية وغربية آتية إلى محيطنا، وثمة ردود فعل محتملة حيال ذلك، قد تراوح بين الضغط السوري في الداخل اللبناني مباشرة، وصولاً إلى حوادث إرهابية «قاعدية» الطابع في المناطق اللبنانية المختلفة. وكان الشعار نفسه يقول بالمهادنة والانحناء أمام العاصفة، والسكوت، شراءً لبوليصة تأمين ضد الحرب المقبلة وتداعياتها واستغلالاتها. وقد بلغ هذا الشعار حد إقناع بكركي نفسها بمضمونه، فجاءت المفاجأة في البيان الشهري للأساقفة الموارنة في 5 آذار 2003، رفضاً للحرب من أجل الديموقراطية، مع التسمية التي رآها البعض «الهفوة» البكركوية الوحيدة طيلة 15 عاماً من مواجهة الصرح لنظام الوصاية، إذ أشاد البيان بما عدّه «حكمة الرئيس السوري الدكتور بشار الأسد وبُعد نظره». كل ذلك مماشاة لخيار «الفريق القاطر» للقرنة، في شراء بوليصة تأمين لبنانية ضد الحرب الإقليمية، ومسايرة لوليد جنبلاط من خلفه.
وتتابع مسلسل التخطيط «الاكتواري» السياسي نفسه، فصعد سيد بكركي إلى حريصا لصلاة المسبحة الوردية ضد الحرب، ووافاه جنبلاط. لتتم بعد أيام موافاة رفيق الحريري لغازي كنعان في شتورا، حيث كتب الأخير لائحة حكومة الحرب الجديدة، وحملها الأول مرسوماً ناجزاً إلى بيروت.
بعد 4 أعوام كاملة على تلك الأحداث، لا يزال الكثيرون يعتقدون بصوابية الخيارات المعارضة خلالها. إنها «بوليصة تأمين» دفع ثمنها كلاماً مجانياً، ولم تستعمل لانتفاء الحاجة إليها لاحقاً. لكن ماذا لو حصل العكس؟. لكان الثمن باهظاً جداً على المعارضين والمسيحيين واللبنانيين.
بعد 4 أعوام، يعود السؤال نفسه ليُطرح على مسيحيي السلطة: ألا تستحق أجواء الحرب الحالية في المنطقة، بوليصة تأمين أخرى؟ مع العلم بأن البوليصة السابقة كانت سورية، بينما البوليصة المقترحة حالياً هي لبنانية. ومع العلم بأن ثمن البوليصة قبل 4 أعوام، كان انتقاصاً في السيادة واقصاءً للتوافق، بينما المطروح اليوم، تحقيق وفاقي كامل، يصون الإنجاز السيادي ولا يخرقه. قبل 4 أعوام اقتضت ظروف الحرب الإقليمية السكوت عن حكومة حرب سورية، والإشاحة عن حلم ديموقراطي، والدفاع عن صدام حسين، وحتى الإشادة بنظام دمشق. أفلا تستحق حرب المنطقة المقبلة، بوليصة تأمين تطوي صفحة الحرب مع سوريا كما صفحة حكوماتها، وتحيي الديموقراطية التوافقية الكاملة، ولا تكون كلفتها إلا حكومة وحدة؟
سؤال برسم من... لا يهمّه الأمر.