طارق ترشيشي


ليس هناك أي شيء يحرج الجمهورية الإسلامية الإيرانية في القيام بأي مساع لرأب الصدع اللبناني، على رغم كل الحملات التي تتعرض لها من «فريق 14 آذار» الذي بلغ الأمر بأحد أركانه، النائب سعد الدين الحريري، قبل أيام، حد وصف كل من له علاقة بإيران بأنه «خائن وغير عربي»، غامزاً من قناة حركة «أمل» و«حزب الله»، ليستدرك في اليوم نفسه وليسارع، بحسب ما نقل بعض وسائل الإعلام، إلى دعوة السفير الإيراني في بيروت محمد رضا شيباني إلى لقاء معه في قريطم، وليطلب وساطة إيرانية تعيد وصل ما هو مقطوع بينه وبين الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله، وليطلب أيضاً توسط إيران لدى المعارضة لإقناعها بالعدول عن النزول إلى الشارع.
وترجح مصادر دبلوماسية إيرانية أن يكون شيباني كرر للحريري موقف بلاده من الوضع اللبناني، وهو أنها تريد للبنان أن يكون بلداً مزدهراً ومستقراً، تسوده وحدة وطنية راسخة ويعالج اللبنانيون مشاكلهم بالحوار، وأن طهران لا يمكنها أن تطرح مبادرات خاصة وتعمل بموجبها على تقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعين، لأن هؤلاء هم الأدرى بشؤون بلدهم ويستطيعون أن يبادروا هم إلى معالجة الخلافات السائدة في ما بينهم. إذ إن إيران بادرت إلى طرح أي مبادرة فإنها ستتهم فوراً من القاصي والداني بالتدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية، علماً أنها اتُّهِمَتْ ولا تزال بهذا التدخل من الولايات المتحدة وفرنسا وكل حلفائهما الدوليين، ومن أطراف عربية مشرقية ومغربية.
لكن إيران، حسب المصادر الإيرانية نفسها ، أبلغت إلى أطراف لبنانية عدة أنها تستطيع أن تنقل وجهات النظر بين المتنازعين، وتحاول أن تقرب في ما بينهم أو تساعدهم على التحاور ليتوصلوا إلى حلول مشتركة، ولكنها لا تستطيع أن تضغط على أي فريق ليغير مواقفه من الآخر. وتُخطئ الأكثرية وأي أطراف يدعمونها، عرباً كانوا أو أجانب، عندما يعتقدون أن «حزب الله» وأركان المعارضة هم في جعبة إيران ، وأن في إمكانها «المونة» أو الضغط عليهم لتغيير موقفهم، أو لإقناعهم بالعدول عن تحرك ينوون القيام به.
وتقول هذه المصادر، إن إيران على علاقات ممتازة مع جميع الأطراف اللبنانيين ومع لبنان كدولة، وإن سفيرها في بيروت يعقد لقاءات مع الجميع في الأكثرية والمعارضة ولا عقدة لديه في الاجتماع بأي فريق، لأن لبنان المقاومة والعيش المشترك يعني لإيران كثيراً بغض النظر عما تقدمه له من دعم ومساعدات في أيام الشدة كما في أيام اليُسر. وهذا ما يلمسه كل من يزور طهران من القادة اللبنانيين، الذين كان آخرهم رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي سمع من القيادة الإيرانية مدى حرصها على سلامة لبنان ووحدته وأمنه واستقراره واستعدادها الدائم لتقديم الدعم له في كل المجالات ولاستثمار علاقاتها العربية والدولية في هذا الاتجاه.
وتنطلق المصادر الدبلوماسية الإيرانية من ذلك لتؤكد متانة و«حميمية» العلاقة التي تربط إيران بالسعودية وهي حريصة على اغتنام أي لقاء مع أي مسؤول سعودي للبحث في كل ما يعزز هذه العلاقة ويرسخها ويطورها، لأنها على اقتناع راسخ بأن السعودية ركن أساس في منظومة عربية تضمها إلى سوريا ومصر، لها الدور البارز في تأمين استقرار المنطقة، وإن ايران ترى نفسها جزءاً لا يتجزأ من هذه المنظومة، لذا تحرص على إقامة «علاقات حميمة» مع مصر وسوريا حرصها على العلاقة نفسها مع السعودية التي ترتبط بعلاقات متينة مع لبنان وكثير من الأفرقاء فيه. كما أن طهران تلمس حرصاً سعودياً دائماً على تعزيز العلاقة معها، وهي أطلقت العلاقات التجارية على نطاق واسع معها. وفي الأمس كانت رسالة من الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد إلى العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز، أكد له فيها على العلاقات والروابط القوية بين البلدين، واعتبرها لمصلحة العالم الإسلامي، مشدداً على تنسيق موقفهما إزاء التحديات والتطورات في المنطقة.
وتدرج هذه المصادر اللقاءين اللذين عقدهما أخيراً السفير السعودي في بيروت عبد العزيز خوجة مع السفير شيباني في مقر السفارة الإيرانية، أولاً في إطار «العلاقة الحميمة» التي تربط بين الرياض وطهران، وثانياً في إطار تعاون سعودي ــ إيراني على مساعدة لبنان على تجاوز الأزمة التي تعصف به في هذه المرحلة. وتؤكد أن أبواب السفارة الإيرانية مفتوحة أمام الجميع، بمن فيهم الجانب الفرنسي للبحث في أي وسيلة تساعد لبنان في التغلب على محنته.